آخر تحديث:12:18(بيروت)
الخميس 14/10/2021
share

الشرنقة الذهبية للكتّاب المغتربين

شاكر الأنباري | الخميس 14/10/2021
شارك المقال :
الشرنقة الذهبية للكتّاب المغتربين ايفان بونين
وأنا أقرأ قصص وروايات الكاتب الروسي إيفان بونين شعرت أنني أطل على عالم يختلف عن عوالم الكتّاب الروس الذين ألفناهم مثل ديستويفسكي، وتولستوي، وتشيخوف، وسواهم من عباقرة النثر السردي الكلاسيكي. شحنة الحنين والشاعرية في نتاجه ذكرتني بكاتب عراقي هو غائب طعمة فرمان، صاحب النخلة والجيران، والمرتجى والمؤجل، والمخاض، وخمسة أصوات، وغيرها من روايات كرّسها لمدينته بغداد.

لقد جذب انتباهي أن الكاتب المهاجر عادة ما يدفعه الحنين إلى وطنه نحو رومانسية شفافة تقترب من الشاعرية في استرجاع بيئته التي فارقها، أو تدفعه كي يكون واقعيا بشكل لافت، مستعيدا تفاصيل الأمكنة التي هجرها، وحوارات البشر في المكان القديم، وكأنه يقضي على روحه بالبقاء في زنزانة الماضي. الشرنقة الذهبية للمغتربين. مثّل بونين الوجه الأول للكاتب المغترب المولع بشعرنة ذاكرته القديمة، وإضفاء صورة خالدة على ما اختزنته من تفاصيل. غادر بونين روسيا نهائيا في عام 1920 بعد مجيء الثورة الروسية، ولم يعد إليها. وعاش في باريس غريبا، متأملا بروسيا التي ماتت، وجاهد كي يعيدها حية من رمادها عبر القصص، والروايات، والأشعار، لكنه طلاها بتلك الرهافة الحزينة، والشاعرية الراسخة في ما مات وانقضى. أصغر المشاهد وأدق التعابير، كمنظر قمر في ليلة صقيعية، أو خيال فتاة في شارع يطل على النهر، أو مرأى حوذي يحتسي الخمر من قنينة عزيزة على النفس بعد منتصف الليل.


كاتبنا غائب طعمة فرمان غادر بلده العراق واستقر في موسكو، ملعب الذاكرة لبونين، إلا أنه مثل بونين لم يكتب سوى عن بغداده التي يعرفها. مات غائب في موسكو. ولم يعد له في بغداد أي قبر أو متحف صغير يذكّر الأحياء بدوره في الترجمة عن الروسية، والكتابة الروائية المؤسسة للسرد العراقي الحديث. كلاهما عاش غريبا، يستعيد ماضيه في هيمنة صاعقة قلما تتكرر لذلك الماضي. لكن غائبا كان واقعيا جدا، حاول رسم ملامح مدينة مثل بغداد بحرفية ووفاء للأمكنة التي تربى وعاش فيها قبل رحيله إلى موسكو. كتب عن البتاويين، ومحلات الكرخ الغاصة بالبضاعة، وشارع الرشيد بأعمدته الأسطوانية الضخمة، والحيدرخانة ذات المتاهات، ومحلة المربعة التي نشأ فيها، منذ ولادته في عام 1927، وباب الشيخ، وبارات المدينة المحتفلة بخمرة الليل وروادها من سائقي عربات، وتجار صغار، وموظفين، ونساء يبعن الخبز كي يواصلن الحياة، وساسة خيل وشرطة سريين. لم يزل غائب في معتزله الموسكوفي يتذكرهم بسماتهم الخشنة، وأصواتهم، ونمط حواراتهم. هو عكس بونين، تعامل معهم بتلك الواقعية الخلاقة التي تستعيد فترة زمنية محددة، متحركة، متصارعة، من صورة تلك المدينة البعيدة عن إقامته.

مات غائب طعمة فرمان العراقي في موسكو عام 1990 ودفن فيها. ومات بونين الروسي عام 1953 في باريس ودفن فيها. كلاهما لم يطيرا خارج السجن المذهّب، سنوات الماضي الخالدة التي لن تعود. ربما كان خلاصهما في ذلك السجن، وقد أدركا ذلك جيدا.

ما الذي يدفع كاتبا مغتربا لامتلاك كل ذلك الحنين والخيال الرؤيوي لاستحضار الماضي؟ وما السبب الذي يجعله خارج المكان الجديد الذي يعيش فيه، سواء موسكو لغائب طعمة فرمان أو باريس لإيفان بونين؟


كاتب مثل ماركيز عاش فترة في باريس، مغتربا مشرّدا، يكتب روايته الشهيرة "مائة عام من العزلة"، وهي عن مكان يبعد عنه آلاف الكيلومترات، فيستدير خياله إلى هناك بعينين سحريتين، وخيال ضوئي يهندس أجيالا من مدينة بعيدة اسمها "ماكوندو"، لكنه لم يندمج بأجواء باريس الساحرة. ظل يكتب ويجمع القناني الفارغة كي يعيش حياته اليومية، ويواصل مدونته السحرية في رواية ستوصله عبر الخيال الجامح، والحنين الطاغي، والشاعرية النابعة من الروح، إلى مقاعد كتّاب نوبل الكبار.

وصل إدوارد سعيد إلى كرسي الشهرة في أميركا مع معارك فكرية وضعته بين أشهر النقاد والمفكرين الأميركيين والعالميين، غير أنه ككاتب مغترب لم يستطع مقاومة العودة إلى مكانه الأول. كتب مذكراته عن القدس، والقاهرة، وبيروت، وكأن تلك المرحلة العمرية الشفافة لدى أي شخص لا يمكن لها مغادرة الذاكرة حتى لو بلغ الكاتب المغترب أسمى المناصب. هل هو تنفيس لذلك الانشطار الروحي الذي لا يمكن لإنسان الخلاص منه؟ انشطار الروح وهو يتسع مع الزمن وتغيّر التضاريس المكانية.

كان بونين في قصصه الباريسية لا ينسى قصص روسيا، وحكاياتها، ولياليها. فيمكن لبركة ماء بسيطة في شارع باريسي يتجول فيه مساء، أن تسافر به إلى موسكو القياصرة، وإلى بيوت أقربائه من فلاحين وضباط. ويمكن لضوء خافت لشرفة في الحي الباريسي أن تعيد له قصة حب مرّ عليها أكثر من خمسين سنة. لم يكتب بونين أي شيء ذي بال عن حياته الباريسية رغم أنه كتب كثيرا عن سفراته في أوروبا.

نفكر أيضا بإيزابيل اللندي التشيلية التي أنتجت أغلب رواياتها وهي تعيش في أميركا، لكن مواضيعها تأخذ القارئ إلى سانتياغو، وسانتياغو فقط، مهبط روحها وجسدها وذكرياتها وصراعاتها السياسية والعاطفية والإبداعية. كاتبة منشطرة هي الأخرى بين هنا وهناك، بين حاضر ربما يكون مريحا، وماض مكتمل غادره الشخص ولم يعد يرى، أغلب الأحيان، سوى جماله، مثلما نلمس ذلك لدى بونين.

إدوارد سعيد وإيفان بونين وغائب طعمة فرمان واللندي وكونديرا، وعشرات من الكتاب العرب خارج بلدانهم، يكتبون عن الجانب الانساني من وجودهم، وهو الجانب ذاته الذي يشترك فيه الكاتب المغترب مع ملايين المغتربين في هذا العالم. أولئك الذين اقتلعوا، لهذا السبب أو ذاك، من ترابهم ونباتهم وشوارعهم ومياههم وشموسهم، ليعيشوا في بقاع أخرى تختلف في كل شيء. لكنهم مثل البشر الآخرين سيعيشون منشطرين، فنيا وروحيا، بين عالمين، وربما عوالم عدة حتى نهاية وجودهم على هذه الأرض. لم يعد الكتاب المغتربون يكتبون عن واقع مدنهم التي غادروها، فروسيا لم تعد روسيا التي كتب عنها بونين، ولا بغداد كما كتب عنها غائب، في حين يعرف القارئ أن القدس وبيروت والقاهرة هربت من زمان طويل عن تلك التسميات التي يحملها إدوارد سعيد في رأسه.

يقول بونين في قصته "الأسطورة": إن كل الماضي البشري، كل التاريخ الانساني، ما هو إلا حشد وجحافل من الأموات. وسوف يأتي يوم أنضم فيه إليهم، وسأكون أيضا مرعبا بعظامي ونعشي في مخيلة الأحياء، مثلهم جميعا، مثل ذلك الجحفل العام الذي سيغرق الأرض يوم الحشر، مع ذلك سيظل هناك أحياء، وسيعيشون وهم يحلمون بنا، نحن الموتى، وبحياتنا المغرقة في القدم، وزمننا الماضي، الذي سيبدو لهم رائعا، وسعيدا، لكونه أسطوريا.

(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شاكر الأنباري

شاكر الأنباري

روائي عراقي