آخر تحديث:11:56(بيروت)
الأربعاء 13/10/2021
share

شكراً لجنة نوبل

محمد صبحي | الأربعاء 13/10/2021
شارك المقال :
شكراً لجنة نوبل كيف تاه عن أسماعنا هذا الصوت المتصل بإحدى قضايانا الأساسية، إرث الاستعمار والعنصرية وتجربة الهجرة واللجوء؟!
في أوائل ستينيات القرن العشرين، تعرّضت الأقلية المسلمة للاضطهاد في زنجبار، وهو الاسم الذي يمكن ترجمته عربياً إلى "ساحل الزنج". زنجبار جزيرة تقع قبالة سواحل تنزانيا، كانت جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، قبل حصولها على الاستقلال في العام 1963.

عندما تكون الحياة على المحك وتشيع المذابح، فإن المستقبل يكمن في مكان آخر. عبد الرزاق قرنح، شاب زنجباري يبلغ من العمر 18 عاماً، وصل كلاجئ إلى المملكة المتحدة في أواخر الستينيات، وكان يدرس للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة كينت، ليبدأ التدريس والكتابة باللغة الإنكليزية ونشر الروايات. الخيال هو المكان المناسب لإزاحة القوالب النمطية وفتح العيون على التنوع في أفريقيا. في كتاباته، تظهر التوترات بين القبول والرفض، بين الشعور بالراحة بعد الهروب من الموت، وفقدان المنزل الذي لن تعود إليه أبداً، بين السواحلية - لغته الأم، والإنكليزية - لغة الإقامة. بعد أكثر من خمسين عاماً وعشر روايات منشورة، أصبح قرنح سادس كاتب أفريقي يحصل على جائزة نوبل للآداب، "لوصفه المؤثر لتأثيرات الاستعمار في أفريقيا ومصير اللاجئين في الهاوية بين مختلف الثقافات والقارات".

من المثير للدهشة والفضول أن الفائز بجائزة نوبل في الأدب للعام 2021، هو عملياً مؤلف غير معروف. من بين رواياته العشر باللغة الإنكليزية، لم تترجم أي منها للعربية. في ألمانيا، تُرجمت أربعة فقط من أعماله، آخرها في العام 2005. في إسبانيا، تُرجمت ثلاثة عناوين، وواحد فقط هو المتاح. رغم ذلك، قرنح هو فائز نوبلي جيد جداً ومفيد كذلك. فهو مؤلف مختار، أو روائي للخاصة والدوائر الصغيرة، وبالتالي هذه إشارة إلى أنه ما زال هناك أشخاص يقرأون في ستوكهولم، ولا يلهثون وراء صيحات الكتابة الرائجة، والمؤلفين الأعلى صخباً. وهو مفكر يتمتع بمكانة عالية، بالإضافة إلى كونه مؤلفاً يسهل الوصول إلى كتاباته. فهو يكتب بالإنكليزية بصوت يمكن أن يشبه صوت أي بريطاني. وهو يكتب كأستاذ من جامعة كينت، أكثر من كونه شخصاً يتحدث من مكان بعيد أو يعالج موضوعات "إكزوتيكية" بعيدة من اهتمامات الدوائر الفكرية الأوروبية.



وفي الوقت ذاته، يعتبر قرنح كاتباً أفريقياً بامتياز، بالنظر إلى تيمات أعماله ومروحة شخصيات رواياته المختلفة، التي تمتد من منطقة مولده، شرقي أفريقيا، وتملك تاريخاً استعمارياً معقداً عمره قرون. ففيما كانت غالبية أقاليم المنطقة تحت السيطرة الألمانية والبريطانية، فإن جزيرة زنجبار، حيث ولد قرنح، خضعت للحكم البرتغالي والعُماني والبريطاني، فضلاً عن كونها الميناء الرئيسي لتجارة الرقيق في المنطقة. مثلاً، تحفل رواياته بالآسيويين الذين قدموا إلى شرق أفريقيا للتجارة، وكثر منهم مسلمون، وبعض السيخ.

لكن ما يميّز أعمال قرنح عن غيرها من روايات الأدب الأفريقي، التي مثّلت أفريقيا قبل وصول الأوروبيين، باعتبارها "فردوساً مثالياً" كردٍّ على النظرة الاستعمارية؛ هو أنه يُظهر عالماً فيه أناس طيبون وسيئون وعاديون، لا مكاناً متخيلاً بريئاً يكاد يكون كاريكاتورياً. يكتب عن فترة ما بعد الاستعمار خارج نطاق المعارضة المعتادة. يهتم بحركات الأدب واللغة، من خلال استكشاف مصائر شخصيات بلا منزل أو وطن غالباً، في ذلك البرزخ الفاصل بين انتماءات وهويّات. بإخضاعها واقع زنجبار، تلك الجزيرة التنزانية التي كانت مستعمرة بريطانية ودخلت نفق التهجين الثقافي، تستكشف روايات قرنح آثار الاستعمار في مفترق طرق ثقافي وكيف تُبنى الهويّات الشخصية في عالم ما بعد الاستعمار.

بفوزه هذا العام حققت الأكاديمية السويدية "كوتا" التنوع، وهي نادرة جداً عند النظر إلى لغات ودول الفائزين بجوائز الأدب؛ لكنها ستمضي سنوات عديدة قبل أن تتمكن من تعويض هذا الخلل. من بين الفائزين الـ117، هناك 95 كاتباً من أوروبا أو أميركا الشمالية، أي ما يعادل نسبة 81%. من حيث الجندر، فغياب التماثل أكثر وضوحاً: 101 رجلاً، يمثلون 86٪، في مقابل 16 امرأة فقط. بالنسبة للكتّاب الأفارقة السود، يتعين على المرء أن يعود إلى جائزة نوبل 1986، وحائزها النيجيري، وولي سوينكا، للعثور على سلف عبد الرزاق قرنح المباشر.



"اعتقدت أنها مزحة. حقاً. هذه الأشياء، أسماء الفائزين، عادة ما تحوم حولها التكهنات لأيام، وحتى شهور، أعني مَن سيكون الفائز. لم يكن هذا في ذهني على الإطلاق. في الواقع، كنت أفكر في مَن سيفوز بها هذا العام"، يعترف قرنح، الذي نشر أيضاً مقالات عن أدب ما بعد الاستعمار، وهو أستاذ فخري في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة كينت البريطانية. في كتاباته، قام بتحليل أعمال ف.س.نايبول، وسلمان رشدي. هذا الأخير، خصّص له كتاباً كاملاً دافع فيه عن حق رشدي، الذي طاردته فتوى الخميني بالقتل، في التعامل مع الموضوعات الإسلامية بأسلوب أدبي، ضمن ما ينجزه الكتاب الذي يعمل كمقدّمة شاملة لأعمال رشدي، من منطلق تعامله مع بعض القضايا الحيوية في عصرنا، كالهجرة، وما بعد الاستعمار، والاستبداد الديني.

"كان الناس يتنقلون في جميع أنحاء العالم. إن ظاهرة القادمين من إفريقيا إلى أوروبا هذه جديدة نسبياً. وربما يكون السبب في صعوبة تقبُّلها على كثير من الناس في أوروبا، هو نوع من الجشع، كما لو لم يكن هناك ما يكفي الجميع"، يقول قرنح في مقابلة أجرتها مؤسسة نوبل. وأضاف الكاتب التنزاني الذي يؤمن بأن دور الأدب في العالم هو النهوض بالمجتمع: "الكثير من هؤلاء الذين يأتون، جاءوا بدافع الضرورة، ولأنهم بصراحة لديهم ما يعطونه. إنهم لا يأتون خاليّ الوفاض. كثير منهم موهوبون وحيويون، ولديهم ما يعطونه".

الهوة بين الثقافات والقارات، وتجربة اللاجئين في الأطراف الحضرية في عالم غير متساوٍ بشكل متزايد، والعنصرية والعنف، وكيف اجتاح الاستعمار الأوروبي الثقافات الأفريقية.. هي بعض الموضوعات التي تظهر في أعماله. في روايته الأولى، "ذاكرة رحيل" (1987)، يروي قصة الشاب المسلم، حسن عمر، في بلدة صغيرة في شرق إفريقيا، عندما نامت الانقسامات الداخلية من اجل القتال ضد عدو مشترك: الغزاة البريطانيون. في روايته "طريق الحجّاج" (1988)، نلتقي داود، وهو ممرض ومهاجر أسود يعمل في مستشفى كانتربري ببريطانيا، وكفاحه من أجل التصالح مع رعب ماضيه ومعاناته من الصور النمطية العنصرية في البلد الأوروبي المضيف. روايته الثالثة، "دوتّي" (1990)، نصّ يستكشف تقلبات وتحوّلات شابة بريطانية سوداء.

روايته الأشهر، "فردوس" (1994)، هي قصة نضوج وأوديسه شخصية تتبع القصص القرآني، بطلها يوسف، وهو صبي أفريقي، يجد نفسه محصوراً في المساحات الرمادية لتقاطع مظالم الاستعمار الأوروبي مع الصراع بين المسلمين والمسيحيين في شرق القارة الأفريقية. تبدأ رواية "هَجْر" (2005) بقصة حبّ ممنوع بين شاب أوروبي، وإبنة بقّال هندي، في القرن التاسع عشر ثم تقفز إلى الخمسينيات من القرن العشرين، أثناء الثورة ضد العرب والصراعات التي أدت إلى استقلال جزيرة زنجبار. "أردت أن أكتب عن الألم. كيف أن حياتنا البشرية مؤلمة حتماً. لقد كتبت دائماً عن مدى ضعفنا"، يقول قرنح.

من ساحل الزنج إلى جائزة نوبل في الأدب، قطع قرنح شوطاً طويلاً. أما نحن، كقرّاء ومترجمين وناشرين عرب، فأمامنا أشواط أطول نقطعها لردم مسافات وسدّ فجوات والإجابة على أسئلة، أوّلها كيف تاه عن أسماعنا مثل هذا الصوت المتصل بإحدى قضايانا الأساسية، إرث الاستعمار والعنصرية وتجربة الهجرة واللجوء؟! كان عليه أن يكتب عشر روايات باللغة الإنكليزية، أفضل من معظم الإنكليز، حتى يمكن ملاحظته. كما كنّا بحاجة إلى لجنة جائزة نوبل للقاء عبد الرزاق قرنح. فشكراً لجنة نوبل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها