آخر تحديث:14:27(بيروت)
الثلاثاء 12/10/2021
share

"صوفيا" لرفيق شامي... حب وثورة ومخابرات

المدن - ثقافة | الثلاثاء 12/10/2021
شارك المقال :
"صوفيا" لرفيق شامي... حب وثورة ومخابرات
صدرت عن منشورات الجمل رواية "صوفيا أو بداية كلّ الحكايات" لرفيق شامي، ترجمة خالد الجبيلي، وتعالج الفترة الزمنية التي سبقت مباشرةً الانتفاضة في سوريا. الخالة أماليا، التي تجسِّد - بحسب صوفيا بطلتها وعنوانها - ثلاث ثورات، لا تؤمن هي نفسها بالثورة، وهي تروي عن الشابة صوفيا وكيف وقعت في حب كريم، لكنها تزوجت من شخص غني. وحين يتهم كريم بجريمة قتل تساعده صوفيا وتنقذ حياته، وعندها يقطع عهداً بمساعدتها عند الحاجة حتى لو كلفه ذلك حياته.

تدور احداث الرواية بين دمشق وروما وهايدلبيرغ الألمانية، حيث تمضي السنوات ويعود ابن صوفيا الوحيد، سلمان، بعد أربعين سنة من المنفى في ايطاليا إلى دمشق، التي يصلها قبل أيام من اندلاع الثورة، يتعرض سلمان لمؤامرة من قريبه الضابط في المخابرات ويُطلب القبض عليه. هنا تبدأ رحلة من التخفي والمطاردة، وهنا تتذكر صوفيا وعد كريم وتطلب مساعدته.

في حديثه لموقع "قنطرة" يقول شامي في زمن مجرياته روايته: "هذه الفترة الزمنية تهمني بشكل خاص، حين تبدأ الأرض بالتزلزل وتنشأ الشقوق على سقف النظام. وهي فترة مهمة جداً ونبع غزير للرواية. الخالة أماليا تنتقد الجماعات المسلحة. وتتحدَّث حول الخدعة في كلمة "ثورة". لقد وجدت هذا لدى كوبرنيكوس، الذي وقعت سيرةُ حياته في يديَّ بالصدفة. فأنا شخصيًا مختص بالعلوم الطبيعية. ولكن لم يخطر على بالي أنَّ التكرار يكمن في المقطع الأمامي "Re" (التي تعني إعادة وهي بادئة حرفية في كلمة Revolution). والثورة لغوياً تشير إلى حركة دائرية تعيد نفسها وتتكرَّر. وكذلك التمرّد العسكري أو الثورة أو الانقلاب نحن نستبدل بالتالي فقط ديكتاتورًا مستهلكًا بديكتاتور جديد (مثل استبدال مبارك بمرسي ومرسي بالسيسي) وندور دائمًا في الدائرة نفسها".

هنا مقتطف من الرواية:
معمودية النار

الصبر والمرح جملان تعبر بهما كل صحراء

مثل عربي

دمشق، صيف عام 2006


متعة حفظ التوازن

كانت عايدة لا تزال تتأرجح وهي تقود الدراجة الهوائية في ذلك اليوم. ومع أنها استطاعت المحافظة على توازنها، ظلّت عيناها مثبتتين على المقود بينما بدأت العجلة الأمامية في رسم خط متموج على الأرض. ومع أن كريم لم يتوقف عن تحذيرها، "انظري إلى الأمام وانسي المقود"، لم ترفع عينيها - كما لو كانت منوّمة مغنطيسياً – عن المقود الذي يلمع بين يديها.

أطلقت عايدة على قيادتها الدرّاجة الهوائية في زقاق الياسمين في ذلك اليوم اسم "معمودية النار". في عصر ذلك اليوم انتعلت عايدة صندلاً أبيض، وارتدت بنطالاً أزرق وقميصاً موشى بخطوط حمر وبيض، وعقصت شعرها الطويل الأشيب إلى الوراء في شكل ذيل حصان. وكانت كلما تأرجحت وتمايلت فوق الدراجة، أطلقت ضحكة عالية كأنها تريد أن تغطي بقهقهتها ضربات قلبها، بينما كان كريم يمسك بسرج الدرّاجة بقوة.

كانت الدراجة هولندية متينة اشتراها كريم مستعملة منذ ثلاثين سنة. وقد أحبّ هذه الدراجة إلى درجة أنه لم يسمح لأحد أن يقودها طوال تلك السنوات. ولم يتصوّر أن يقودها أحد غيره، إلى أن سألته عايدة، منذ حوالي شهر، إن كان هناك شيء لم يفعله، ويتمنّى دائماً أن يفعله. في ذلك الوقت، كان قد مضى على عيشهما معاً أكثر من ستة أشهر.

فأجابها على الفور، "أن أعزف على آلة موسيقية"، ثم تردّد قليلاً وأضاف بهدوء، "في الواقع، أن أعزف اللحن الذي أحبّه على العود"، وكاد أن يبتلع كلماته، "مثلك"، لأنه كان متيقناً بأنه لم يعد يستطيع أن يفعل ذلك لأن أصابعه لم تعد رشيقة وطيّعة، بعد أن تجاوز الخامسة والسبعين من العمر. وعايدة اتقنت العزف على العود وكأنها محترفة.

حلم كريم منذ طفولته بأن يعزف على آلة موسيقية تعرّف على عدد منها في حفلات أفراح وأعراس الأقارب، لكن ذلك كان شيئاً مستهجناً في بيت أسرته. فعلى الرغم من وجود مذياع في بيت عائلته الغنية، ومع أن والده كان يستمتع بالاستماع إلى الأغاني والمعزوفات الموسيقية بين حين وآخر، بالإضافة إلى نشرات الأخبار، فقد حرّم على أي فرد في عائلته أن يغني أو يعزف على أي آلة موسيقية. كان لدى أمّ كريم صوت جميل، لكنها كانت تغني دائماً في السرّ عندما يكون أبوه خارج البيت. وعندما تجرأ شقيقه إسماعيل وعزف بصوت منخفض على الناي الذي اشتراه، ضربه والده ووبخّه وحطم الناي صارخاً: "الغجر فقط هم الذين يفعلون ذلك".

 

ابتسمت عايدة لكريم، وقالت: "يمكنني أن أعلّمك العزف على العود خلال ثلاثة أشهر، وإذا تدرّبت جيداً يومياً، فإن الألحان ستجد طريقها إلى يديك. وكلّ ما يلزمك هو قليل من الصبر"، وأضافت وهي تداعب وجهه بأصابعها، "وروح مرحة". فضحك محاولاً إخفاء خجله.

"وانت؟ ما الذي تمنيت دوماً ان تقومي به ولم تجرأي على ذلك؟" سألها ليخفي شيئاً من ارتباكه.

"عندما كنت صغيرة، كنت أحلم دائماً بأن أقود درّاجة"، قالت عايدة، "وكنت أحسد أخي وأصدقاءه وجميع الصبية في الحيّ الذين كانوا يستطيعون أن يطيروا بدراجاتهم بخفة الريشة. لكن عندما قلت لأمي إنني أريد أن أتعلّم ركوب الدراجة، كادت أن تفقد صوابها، كما تفعل عادة عندما يمتلكها الرعب من شيء ما، وقالت على أن أتخلّى عن هذه الفكرة لأن النسوة يمكثن في البيت، وهناك لا يحتجن ولا يركبن دراجات. وقالت إن ركوب الدراجة قد يؤدي إلى عواقب لا يحمد عقباها، وعندما سألتها عن تلك العواقب، قالت محذّرة إن فتيات صغيرات كثيرات فقدن غشاء بكارتهن عندما ركبن الدراجة، وأضافت، 'وحاولي إقناع الرجال الأغبياء أنك لم تعاشري رجلاً قبلهم".

لم أصدّق ما قالته، لأنها كانت تبالغ دائماً عندما تفقد السيطرة على أعصابها خوفاً من شيء ما، تهوّل الأمور حتى تجد نفسك تائهاً في دوامة من الخرافات والمخاوف، مثل أنه ينبت للفتاة الصغيرة شارب ولحية إذا شربت قهوة، وأن المرايا المكسورة تجلب حظاً عاثراً لمدة سبع سنوات، وإذا حاولت أن تحول عينيك مازحا، فإنك ستبقى أحول طوال عمرك، وأن المرأة الحامل يجب أن تتناول الفاكهة التي تشتهيها حتى لا يولد الطفل وعلى جسمه وحمة في شكل الفاكهة التي اشتهتها - وكانت تحكي قصّة العمّ بركات الذي تجشّم عناء السفر إلى يافا لأربعة أيام ذهاباً وإياباً، ليجلب سلة من البرتقال اليافاوي المشهور لزوجته ماري التي أنجبت بعد ذلك طفلاً سليماً. كان ركوب الدرّاجة بالنسبة لي متعة لا تضاهيها متعة – أن أتوازن مثل لاعب سيرك يمشي على حبل مشدود، ولذلك كنت أضحك في سرّي على كل تحذير تقوله أمي لكي لا أركب دراجة".

"ستتقنين ركوب الدرّاجة في أسبوعين أو ثلاثة"، وعدها كريم، لكنه سرعان ما أدرك أنّه تسرّع في وعده هذا. فلن تُكسر ذراعه أو ساقه عندما يعزف على العود، لكن ذراع عايدة أو ساقها قد تُكسر عندما تقود الدرّاجة. لمعت عيناها السوداوان، وقفزت إليه، وقبلته على شفتيه، مبدّدة بذلك شعوره بالندم كما ينقشع الضباب في أشعة الشمس.

"علّمني"، قالت متوسلة، ورأى كريم دموع الفرح في عينيها.

يُعجب المرء كم سنة عاشا مع تمنياتهما ورغباتهما الدفينة تلك. ومع أن أحدهما حكى للآخر عن ماضيه حتى عن أكثر الأمور حميمية بصراحة خلال الأشهر الستّة من حياتهما في بيت واحد، فقد اكتشفا فجأة أنه لا تزال هناك أشياء كثيرة يجب أن يعرفاها عن بعضهما.

"ربما خفت أن تضحك عليّ"، قالت عايدة، لتبرر تردّدها. فهزّ كريم رأسه موافقاً، وقال: "لم أتحدّث أنا أيضاً عن أحلامي منذ أن بلغت العشرين. ولو سألني أحد، لقلت له إنني أحبّ تعلّم الرقص لأشعر وكأنني أطير مثل طائر السنونو، لكنّي بقيت أؤجل ذلك. وعندما ماتت زوجتي أميرة، لم أعد ارغب بالرقص".

"عندما كنت أرقص لم أشعر يوماً بانشراح أو بخفة لذيذة"، اعترفت عايدة، "كنت أحسب دائماً الزمن وأراقب خطواتي. وعندما بلغت العاشرة أو الثانية عشرة، لم أعد أفعل ذلك. لكنّي لم أتوقف عن الحلم بقيادة درّاجة".

 

كانت عايدة امرأة قصيرة القامة بعض الشيء، لا يكاد جبينها يصل إلى كتف كريم عندما تكون حافية القدمين، لكنها تتمتع برشاقة ولها جسد رياضي. وإذا لم يكن شخص غريب يعرف أنّها في منتصف الخمسينات من عمرها، فقد يظنّ أنها لا تتجاوز الأربعين. وعندما كان الناس يمتدحونها على ذلك، تجيب ضاحكة دوماً: "إن الحبّ يبقيكم شباباً. اعشقوا وسترون ذلك بأنفسكم.

وسرعان ما اكتشف كريم أن عايدة امرأة جريئة، فبدأ يخشى عليها بسبب جرأتها واندفاعها.

في مكان غير بعيد عن الحيّ الذي يقيمان فيه، توجد ساحة كبيرة لوقوف سيارات لمصنع نسيج خارج الباب الشرقي، تكاد تكون خالية من السيارات في معظم الأوقات. مضى أسبوع كامل وهو يدرّبها في هذه الساحة. ثم قال كريم لنفسه لقد حان الوقت لتقود عايدة الدرّاجة في شارع مزدحم، فأخذها إلى الشارع الذي كانت تسكن فيه، الأعرض قليلاً، بموازاة زقاق الياسمين من الناحية الغربية. ركبت عايدة الدراجة بهدوء، وأمسكها كريم من السرج. كان الجيران يراقبونهما من نوافذ أو مداخل بيوتهم، يهزّون رؤوسهم مستنكرين ما تراه أعينهم، لكنّ عايدة لم تعبأ بهم وبنظراتهم. ومن دون أن تشعر أفلتها كريم وأخذ يجري بجانبها. عندما رأته، كاد أن يغشى عليها، فصاحت به، "أمسكني بقوة، هل جننت؟" وكادت أن ترتطم بالحائط، فأمسكها كريم وضغطت بقدميها على الفرامل بقوة، وتوقّفت، وتنفست الصعداء.

بعد خمسة أيام أخرى من التدريب، وافقت عايدة على أن يتركها كريم بعد بضعة أمتار. فانطلقت في الشارع، ولم تتوقف عن الرنين بالجرس، ثم انعطفت عند حارة اليهود وعادت إلى كريم وعلى وجهها ابتسامة عريضة. لكنّها لم تكن قد أتقنت الدوران بعد، فسحجت ركبتها مرتين بالجدار عندما أخذت لفّة عريضة، وسال الدم من ركبتها، وتمزّق بنطالها البنّي، لكنها لم تقع من الدرّاجة. وبعد أسبوع من التدريب المتواصل، اقترح عليها كريم أنّ تقود الدراجة في زقاق الزيتون العريض للغاية والمؤدي لمقرّ البطريرك الكاثوليكي والكنيسة الكاثوليكية الكبيرة والذي تمرّ فيه بعض السيارات، لكي تتغلب شيئا فشيئا على خوفها من السيارات.

لم ترق لها هذه الفكرة، وقالت: "إن الزقاق يعجّ بالقساوسة والمطارنة، ورؤيتهم تجعلني أشعر بالتوتر". لكنها ابتسمت عندما تصوّرت نفسها وهي جاثية أمام كرسي الاعتراف، شيء لم تفعله منذ خمسين سنة، وتقول: "أبانا، لقد أخطأت".

"ماذا فعلنا؟ كيف كانت الخطيئة - بالتفكير أم بالعمل؟"

فأجابت، "نعم، بالعمل، مع دراجة". فقد أخبرتها صديقتها سحر أن الرجال يحظرن على النساء ركوب الدراجة لأنه يجعل النسوة يبلغن النشوة. "أتعرفين أن السرج يقوم بعمل أفضل من معظم الرجال". ومع أن سحر لم تركب دراجة في حياتها، رددت تلك المقولة السخيفة كببغاء مقتنعة تماماً بصحتها.

"وماذا عن زقاق الياسمين؟" قال كريم ليعيدها إلى حديثهما.

فقالت: "موافقة"، لأنها كانت تريد أن تُري جاراتها أنها تجيد قيادة الدرّاجة، "وإن أفضل وقت حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر عندما تجلس النسوة يتسامرن أمام بيوتهن"، وضحكت وهي تتصوّر صفيّن من النساء فاغرات أفواههن. نظر إليها كريم مندهشاً، فهو الزقاق الذي يعيش معها فيه. وأضافت عايدة، "إذا استطعت أن أفعل ذلك، سيكون باستطاعتي أن أقود الدراجة في جهنم من دون أن أمسك المقود بيدي". كانت تعرف ذلك الزقاق منذ زمن، ومنذ أحبّت كريم، ازدادت معرفتها بتلك النسوة.

 

يقع زقاق الياسمين في الحيّ المسيحي قرب باب دمشق الشرقي، متفرعاً من الشارع المستقيم التاريخي، ويسير متوسطاً وبموازاة حارتيْ العبارة والزيتون. تدخل إلى الزقاق من تحت قوس حجري على طول دهليز ضيّق معتم لا يزيد عرضه على متر واحد، ثم تخرج إلى الزقاق الذي يصل عرضه إلى أربعة أمتار. ولا يُسمح بدخول الدراجات النارية إلى هذا الزقاق الضيّق كما انه لا يمكن لسيارة الدخول اليه. ولا ينتبه معظم السيّاح عادةً إلى المدخل المفضي إلى الزقاق الذي يشبه باب بيت. ويحجب الزقاق من الخارج قوس عليه شرفتان معلقتان تكاد إحداهما تلامس الأخرى، مما يكمل من إخفائه.

حتى خمسينات القرن العشرين، كان للمدخل بوّابة مزدانة بزخارف من الحديد والبرونز، اختفت على نحو غامض بعد إقامة "معرض أبواب دمشق" عام 1959. وحتى بعد مضي عقود على اختفائها، تتردد إشاعة بأن أحد شيوخ النفط قد دفع مبلغاً كبيراً لمدير المعرض ونقل هذه التحفة الرائعة إلى الكويت.

لكن حتى السيّاح الفضوليين يصابون بخيبة كبيرة عندما يمرّون تحت القوس - لأنهم لا يجدون أشياء مثيرة للانتباه يمكن رؤيتها في زقاق الياسمين، ما عدا أرضيته المكسوة ببلاط حجري روماني لا يزال في حالة جيدة، وبضع مقاعد، وعرائش، وأصص أزهار، لا تمنح كلّها انطباعاً يفتش عنه السواح. فلا توجد مبان أنيقة في الزقاق، وإنما بيوت عادية ذات واجهات طينية تتألف من طابق واحد تصطف على جانبي الزقاق، متشابهة إلى درجة كبيرة. لكن هؤلاء الزوّار لا يعرفون أن هذه الواجهات المتواضعة تخفي وراءها دوراً جميلة ومتطوّرة وفرّت الحماية لساكنيها لقرون عديدة، فأبعدت عنهم أعين الحاسدين ومحصّلي الضرائب. وفي الداخل، وراء تلك الأبواب، تعانق باحات داخلية السماء مزينة ببعض أصص الورود وعلى الأغلب ببحيرة صغيرة في وسطها، ويشهد كل ذلك على طريقة الحياة الحسّية التي كان يعيشها الدمشقيون.

بعد قرابة خمسمائة متر، ينتهي زقاق الياسمين عند ساحة الدير، المحاطة من عدة جوانب ببيوت ومحلين اثنين يبيعان مواد بقالية وأدوات منزلية. ويقع منزل كريم الواسع عند الناصية، وباب بيته آخر باب على يسار الزقاق. ويوجد للدار باب ثان في الجدار الحجري الطويل المرتفع المتاخم للساحة يفضي إلى حديقته، وبجانبه مقعد حجري كبير وقديم أبلته عوامل الطقس، حُفر من كتلة حجرية واحدة بيضاء. وكان كريم يستمتع بالجلوس على هذا المقعد ويشرب قهوته في أماسي الصيف، وعيناه تقعان دائماً على خرائب الدير الصغير الذي تنمو أعشاب من بين كتله الحجرية الكبيرة وبقايا جدرانه. وكان هذا الدير الذي بُني في القرن العاشر وكرّس للقدّيس يوحنا، قد دمّره زلزال عام 1157 بالكامل قُتِلَ فيه ثمانون ألف شخص من سكان دمشق والمنطقة المحيطة بها. ومع أن الزلازل أودى بحياة ثلثي سكان دمشق، فقد نهض الدمشقيون من بين الأنقاض، ونفضوا الغبار عنهم، كما فعل أسلافهم في أزمنة عديدة سابقة، وشيّدوا مدينتهم من جديد، لكنهم لم يعيدوا بناء الدير الذي نُقلت حجارته لبناء بيوت كثيرة في الحيّ المسيحي، كما لو قرر الدير وقديسة الشفيع أن يعيشا في جميع تلك البيوت.

من داخل المدينة يظهر هنا سور مدينة دمشق التاريخي الجميل الذي يحيط بالساحة وقد نُزعت منه كلّ مسحة جمالية بسبب الإصلاحات القبيحة والهزيلة التي أجريت بدون تروٍ، والتي استخدمت أحجاراً صغيرة متنوعة تعود إلى قرون سابقة تحمل بوضوح آثار المآسي التي حدثت في الماضي. وإذا شاهد المرء السور من الخارج باحجاره الضخمة المنسقة الذي يرتفع تسعة أمتار فوق شارع ابن عساكر المزدحم فسيتفاجأ ان ذلك السور نفسه لا يكاد يزيد ارتفاعه من الداخل على ثلاثة أمتار عند حافّة ساحة الدير الشرقية، حيث تصل الأنقاض إلى ثلثي ارتفاع السور، ويعزى ذلك إلى منع الدمشقيين من نقل أحجار الأنقاض التي خلّفتها الزلازل والحرائق خلال التاريخ الطويل للمدينة إلى خارج السور، حتى لا يُخَرَب سهل الغوطة الخصب المحيط بالمدينة الذي يزوّد سكان المدينة بالغذاء.

وفي وسط الركام أمام السور، تنتصب شجرتا حور ترتفعان بشموخ إلى السماء إزاء تلك الخلفية الواطئة. ونادراً ما يلاحظ الغرباء أن في الثالث والعشرين من شهر حزيران من كلّ عام، وفي تمام الساعة السابعة، تشرق الشمس تماماً بين جذعيْ الشجرتين وتضيء الجزء العلوي من لوحة القبر البسيطة، عمود من الغرانيت لا يزيد طوله على مترين، مستدّق الطرف في الأعلى. وفي معظم الأحيان، تغطي الأزهار هذا القبر البسيط الثاوي تحت الركام. ولا يعرف معظم الزوار أشياء كثيرة عن العاشقين الراقدين هنا، اللذين اتحدّا في الموت عندما منعتهما الحياة من المتعة بحبّهما. أما الذين يعيشون في الحيّ المسيحي، فإنهم يحكون قصّة فادي وفاطمة اللذين لم يسمح لهما اختلاف دينيهما أن يعيشا معاً. فدُفنا في المكان الذي استلقيا فيه يضم أحدهما الآخر في عناق أبدي. وقد حُكيت قصص عديدة عن حبّهما، وعن شجرتيْ الحور اللتين استطالتا لتهمسا قصّتهما مع كلّ هبّة ريح. ومع أن شاهدة القبر الحجرية لا تحمل أي علامة، فإن أطفال الحيّ يعرفون اسميْ شهيديْ الحبّ هذين. وفي كلّ سنة، تتقاطر مئات النساء من الحيّ المسيحي في الفجر الباكر ويسرن في موكب حتى القبر وينتظرن حتى تشرق الشمس وتتسلل أشعتها عبر شجرتيْ الحور، ثم يجهشن في البكاء ويرثين الظلم الذي أحيق بهذين العاشقين. ويبقين واقفات هكذا لمدة ساعتين، ثم يعدن إلى بيوتهن وقد احمرّت أعينهن من البكاء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها