آخر تحديث:17:23(بيروت)
الجمعة 01/10/2021
share

"ساعة الذئب": يوميات مجنّد سوري..سِلعة مُستردة نُزع غلافها الآدمي

علي سفر | الجمعة 01/10/2021
شارك المقال :
"ساعة الذئب": يوميات مجنّد سوري..سِلعة مُستردة نُزع غلافها الآدمي يروي عيسى الصيادي تجربته الكارثية حينما تم سوقه إلى الخدمة الإلزامية "موجوداً" أي بالإجبار
رغم أن مؤلفها سماها بـ"المسكوكات"، مع بعض الإلحاح على أدبيتها، والاشتغال عليها بوصفها نصوصاً تمتلك من مقومات اللغة المختلفة الكثير، إلا أن قارئ مدونات "ساعة الذئب" للكاتب السوري عيسى الصيادي، لن يخرج منها مبتهجاً، أو سعيداً بما قرأه.


بل إنه سيعاني من التفاصيل التي مرت أمامه، وسيشعر بالضيق، وهو يرى الكلمات التي حرص صاحبها أن يختارها بدقة، للتعبير عن ألم الحالة، وصولاً إلى محصلة سيكون أثرها الأكبر كامناً في مراجعة المسار الحياتي الشخصي، ومدى مطابقته مع شهادة المؤلف عن "سوريا الأسد"، وتجربته الكارثية حينما تم سوقه إلى الخدمة الإلزامية "موجوداً" أي بالإجبار، على أيدي عناصر الشرطة العسكرية، بعدما استحق وقت الالتحاق، وتجاهله المدعو إلى السوق، بحسب تعابير شُعب التجنيد السورية. وصودف أن حدث هذا قبيل اندلاع الثورة، فصارت خدمته العسكرية في صفوف الجيش، وبعد المرور بالاعتقال لفترة وجيزة. هي التجربة التي يغامر خلالها، من أجل دفع الموت عنه نفسه، من خلال الكتابة، وتدوين الهواجس، وتصوير الشخوص، ورصد التحولات التي يمرون بها؛ من حواف الكائن الإنساني، انحداراً إلى البهيمية، تحت صور آل الأسد المعلقة في مقرات الفرق والألوية!

الصيادي، كصاحب تجربة مسرحية سابقة، يعرف الطاقة الكامنة في الإيهام المسرحي، التي تجر المتلقي ليس من عقله فقط، بل من عنقه أيضاً، ليغرق أكثر فأكثر في رؤية مأساته الشخصية، متمثلةً أو متماهية مع تلك التي يقدمها الممثلون على الخشبة.

فعبر البناء التراكمي للجُمل والتعابير والمفردات، يؤسس مشروعه لمواجهة ما يعيشه، فيقوم بصكذ الخطاب بدقة، عبر لغة تتطور، من الوصف إلى نقض علاقات تشكله، وكشف المعاني الفاسدة، القابعة تحته. ومن تفكيك الشعري، إلى معطيات تُذهب عنه ألقه. وإلى تدمير المجازات، خصوصاً بعد اكتشاف الشبكة الشعاراتية التي منحها النظام لنفسه من خلال تملكه للأوصاف المجازية السامية، وأيضاً جعل ما قد يُظن أنه مريح أو لائق، وحشياً، وغير إنساني.

وإذا كان لا بد من الإبقاء على الصور، فإن ما يتم رصفه في السياق، سيكشف عن تناسل للخراب، ينتهي بعضه، فيولد منه خراب أكبر وأشد عمومية، وعن استحلاب معاني الموت من الهواء الذي تتنفسه الجموع ذاته!

المؤلف لا يركن في تدفق الأهوال التي يتحدث عنها، إلى اللغة، على أهميتها، إذ يمكن الاستعاضة عن السرد التدويني اليومي باللجوء إلى عتباتها، من دون التصريح، كنوع من التقية الأدبية، فتصبح الكتابة مجازاً عاماً، قابل للتفسير والتأويل من دون انتماء محدد.



بل إنه يقترح مقاربة تُرفع فيها اللغةُ إلى أعلى مستوياتها التعبيرية، حينما يتعلق الأمر بالحديث عن اليومي المغرق بالبذاءة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن كينونة السوري المقهور، المستعبد، المجبور، المندمج، الذي تتم "حيونته" (التعبير للراحل ممدوح عدوان) أثناء خدمة الوطن، ويغدو، حتى نهاية عمره، منتمياً إلى القطيع.

هنا يأخذ فعل التعبير عن "القبيح"، مساحة أكبر من المتوقع، وإذا توفر شرط التأمل، والمراجعة المتكررة لما يُستحضر، فإن معنى "المسكوك" رغم أنه يحكي عن القبيح، سيبدو جميلاً من خلال أثره في القارئ، الذي لن يكرس حواسه في سبيل معرفة مصير المؤلف، بل سيقرأ عن تجربته الشخصية التي مر فيها ذات يوم ولم يمتلك أدوات التعبير عنها، أو لم يستطع فعل ذلك بسبب من الطاقة السلبية الهائلة للتجربة الشعورية التي يعيشها الإنسان في واقع مثل هذا!


"البشر هنا سلع مستردة، تم تهريبها خارجاً، والآن ُتعاد على الصفوف والرفوف، ثم ُيعاد تسعيرها مجدداً، بعد نزع أغلفتها الآدمية، وحقن مادة حافظة للولاء، وسحب ما اعتراها من حريات وكرامة... بهراوة الأمن، وعين المخبر، ودهاء المحقق، وعبقرية "باني سورية الحديثة"! حيث الأمن يمثل دائماً الانتهاك والقسوة، الأمن مفردة مشتقة من الرعب، ولا ُتعنى بالأمان إطلاقاً في قاموس شريعة البعث،
وكلما ارتفع منسوب الرعب والوحشية والأساليب الإجرامية يرتفع منسوب الولاء للقائد المفدى، الملهم، حبيب الشعب، بالمسخ السفلي للإنسانية بتحويل البشر إلى أشياء، بدم بارد يغدو الموت رحمة، لا تستطيع النظر لأعلى، تكتسب رقبتك ميزة الانحناء تحت، لا تشاهد حتى لمبة (بيكاسو) في لوحة (غرنيكا) وكل ذنبك جرم تأخير عن الخدمة..." (ص11)

لكن، يمكن لقراءة من زاوية أخرى، أن تكشف خللاً ما، في مقترح عيسى الصيادي الفني، وهو يمضي فيه، للتعبير عن تجربته الشخصية، قوامه أن هذا النوع من التدوين، يقوم بإنشاء فضائه الخاص، من خلال قوة اللغة، وبنيانها الصلب، فيتحول بذاته إلى سلطة، يمكن لقارئ ما أن يشعر تجاهها بعدم الارتياح، أو بالتململ على الأقل، وقد يجد قارئ آخر نفسه مجلوداً بسياط الكلمات التي توصف مأساة متكررة!

وفي كلتا الحالتين السابقتين، يمكن تبصر أسباب وجود مبالغة في استخدام اللغة، أو صياغتها كجرعات عالية التركيز في سبيل حض القارئ على المضي إلى أقصى درجات رفض الواقع وكراهيته، بعد المرور بالخوف والشفقة! من خلال مراجعة وقائع التجربة ذاتها، فالمرور في الخدمة الإلزامية في الجيش الأسدي، لا يمكن لأحد الحديث عنها في الأوقات العادية بشكل طبيعي، بسبب من قدرتها على تدمير كل ما هو إنساني للمجندين، فكيف يكون الحال في الأوقات غير العادية، لا سيما منها تسخير هؤلاء في سبيل قتل مواطنيهم وتدمير مدنهم وقراهم، مروراً بمحاسبة جزء من مكونات الجيش الذين ينتمون للطوائف الأخرى، على أنهم أعداء محتملون لفئة الضباط وصف الضباط والمجندين العلويين!؟

الأمر يشبه وضع الكائن البشري في طنجرة ضغط، تحيط به في مجمل يومياته، فلا يستطيع الانفكاك منها إلا عبر حديثه الصامت مع ذاته، ضمن ممكنات عقله، أو محاولة تدوين ما ينتج عن هذا واخفاء الأوراق في ماسورة مياه مهملة، كما فعل المؤلف!

رمزية عبارة "ساعة الذئب" والتي تتحدث عن الوقت الذي يرحل المرء فيه من الحياة إلى الموت، ورغم أن النص الأخير في الكتاب كان هاجسه الموت، إلا أن الصيادي نجا من خدمته الإلزامية بشكل أو بآخر، واستطاع أن يكتب نصوصه القاسية والجارحة، لتكون صوت أولئك الآخرين الذين أُخذوا بجريرة قادتهم إليها الصدفة، فكانوا عسكراً في جيش النظام، ولم يستطيعوا الانفكاك عنه، لكنهم كانوا يهجسون في دواخلهم بما يتحدث عنه هو، أصيبوا في وقت ما، كما حدث معه، وربما قتلوا في المعارك، من دون أن يعرف أحدٌ حقيقة موقفهم من الحرب التي يشاركون فيها تحت تهديد القتل بذريعة مخالفة الأوامر أو الشروع بالانشقاق!

غير أن السؤال الذي لا بد من طرحه، حيال مثل هذه النصوص الموغلة في قسوتها وهي تعبر عن فداحة ما جرى ويجري مع أولئك الذين لم يتمكنوا من النجاة، إنما يدور حول مدى الاعتداد بالنصوص الأدبية كوثيقة، ولاسيما منها تلك التي يكتبها أصحابها كيوميات؟!

ربما، لا يمكن إحالة النص إلى ملفات محاكم جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، لكن ما يمكن قراءته في "ساعة الذئب"، لا بد سيكون متفرداً في مسار سردية المقهورين في سوريا، عن فظائع ارتكبت بحقهم، على مدى عقود، ونسيت حتى جاءت الثورة فنكأت كل الجراح!


(*) "
ساعة الذئب، مسكوكات" لعيسى الصيادي، 301 صفحة، قطع متوسط، الطبعة الأولى، 2021، إصدار دار موزاييك للدراسات والنشر، إسطنبول، تركيا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها