آخر تحديث:12:53(بيروت)
السبت 09/01/2021
share

نجاة الهاشمي: مَغربية في كتالونيا.. كتالونيّة في إسبانيا

شادي لويس | السبت 09/01/2021
شارك المقال :
نجاة الهاشمي: مَغربية في كتالونيا.. كتالونيّة في إسبانيا
مَن هم مهاجرو الجيل الثاني؟ المولودون في المهجر، أم الذين هاجر آباؤهم؟ تقف الكاتبة الإسبانية مغربية الأصل، نجاة الهاشمي، في الوسط بين التعريفين، ولا يهم في الحقيقة ما تظنه هي عن نفسها، "فالهوية يفرضها عليك الآخرون" كما تقول. ولدت الهاشمي في مدينة الناظور شمالي المغرب العام 1979، وهذا يجعلها مغربية، وريفية كذلك. في كتابها الأول، السيرة الذاتية "أنا أيضاً كتالونية"(2004)، تسجّل تبرّم جدّتها من عجزها هي وأخوتها عن الحديث بالأمازيغية بطلاقة. تحمل الهاشمي بالميلاد ثلاث هويات. "ابنة الريف" "ابنة المغرب" و"الكاتبة الأمازيغية"، أو هكذا وصفتها الصحافة العربية قبل أيام، عشية فوزها بجائزة "نادال" للأدب الأسباني لهذا العام عن رواياتها الأخيرة "يوم الإثنين، سيحبوننا". يتقاطع في تلك الهويات، الإثني والوطني واللغة والجهوي والعابر للحدود الوطنية، لكن هذا ليس كل شيء. 

فعند بلوغها الثامنة، انتقل والدها عامل البناء مع أسرته، إلى مدينة بيك الكتالونية، وانتقلت هي بعد ذلك إلى برشلونة لدراسة الأدب العربي في جامعتها. تكتسب الهاشمي سلسلة من الهويات اللاحقة، "المهاجرة"، "الإسبانية"، "المسلمة"، "النسوية"، "العربية الأمازيغية" (كما تصفها جريدة إسبانية ببعض الالتباس الناتج عن محاولة تحري الدقة)، والأهم هويتها "الكتالونية".

"إن كانت الهوية فسيفساء من أجزاء مختلفة، فإن الكتابة هي الآلية التي تسمح لي بجمعها".. تكتب الهاشمي عن تجربة الهجرة والمرأة المهاجرة، كما هو متوقع، ولذا يمكن اتهامها بسهولة بتناول موضوعات نمطية، الموضوعات المتاحة للمهاجرة كحقل تخصص، فرعي ومغلق. روايتها الثانية "البطريرك الأخير"(2008)، الفائزة بواحدة من أهم جوائز الأدب الكتالوني، جائزة "رامون يول"، تعرضت لبعض من هذا النقد. تقدم الرواية صورة الأب الشرقي المحفوظة، المستبد والعنيف والمنافق أخلاقياً، وصراع ابنته معه لنَيل حريتها. لكن "البطريرك الأخير" تحيلنا إلى أكثر من ذلك، فالعلاقة مع رواية "خريف البطريرك" تتجاوز العنوان. بطريرك ماركيز، الطاغية الكاريبي، يشبه كثيراً بطريرك الهاشمي المنزلي، في علاقة مقارنة أو تراتبية، تضع السياسي مع العائلي داخل بنية السلطة الذكورية. وفيما تدور الأحداث داخل أسرة مغربية مهاجرة إلى إسبانيا، يمكن للقارئ العربي تبيّن العلاقة بين بطريركها وشخصية الأب في "الخبز الحافي" لمحمد شكري، لتمتد إحالات الرواية إلى المغرب الكولونيالي، وإلى مرجعيات أدبية شديدة التنوع والثراء.

لا تحصر الهاشمي نفسها في موقع المهاجرة دائماً. ففي رواياتها "صائدة الأجساد"(2013) تتحرر منه بالكامل، فبطلتها عاملة النظافة، إيزابيلا، تروى سلسلة من علاقاتها الشبقية مع الرجال، ليصبح الجنس ساحة لاكتشاف الوحدة في قاع الطبقة العاملة الإسبانية. ثم تعود إلى أصولها المغربية، في "الإبنة الأجنبية"(2015) و"أم الحليب والعسل"(2018)، لتروي قصة الهجرة، مرة من ناحية ابنة الجيل الثاني، ولاحقاً معكوسة، من وجه نظر أم الجيل الأول، وأخيراً في "يوم الاثنين، سيحبوننا" تتناول تيمات الهجرة والثقافة الإسلامية المحافظة، من زاوية الصداقة بين امرأتين تعيشان على "هامش الهامش" الكتالوني.

يعود جانب من الاحتفاء الواسع والمستحق بالهاشمي، إلى حقيقة أن أعمالها كلها مكتوبة بالكتالونية (باستثناء كتابها الأخير المكتوب بكلا من الكتالونية والإسبانية)، فالهاشمي كما أنها مغربية في كتالونيا، فهي بالقدر نفسه كتالونية في إسبانيا. والكتالونية التي يتكلمها أقل من عشرة ملايين نسمة، وتم أحياؤها مؤسسياً بعد زوال ديكتاتورية فرانكو، لا يعد إتقانها علامة على الاندماج في مجتمع المهجر فقط، بل إضافة لتعزيز الهوية الكتالونية، يتم توظيفها في إطار سياسات التمايز في الإقليم ومطالبات انفصاله عن إسبانيا. فاللغة الكتالونية هكذا تتوسع في إنتاج أدبها، وعلى الأخص أدب مهاجرين يكتبون بها، أي أنها لم تعد لغة مهددة تصارع طغيان الإسبانية عليها وثقل منافستها، بل لغة أدبية أولى لأجيال من المهاجرين، لغة تتمدد وتكتسب وتثريها روافد مستحدثة، وكذا لغة يترجم منها، وتفيض على الإسبانية واللغات الأوروبية الرئيسية الأخرى. جدير بالذكر أن كتب الهاشمي كلها تُرجمَت إلى الإسبانية، وكتابَين منها إلى الإنكليزية.

إلى جانب الهاشمي تقف ليلي قروش، ذات الأصول الأمازيغية المغربية-الجزائرية، صاحبة كتاب "من الناظور إلى بيك"(2004)، ومحمد شعيب، الكاتب والبرلماني الكتالوني من أصول مغربية، والأكاديمي والطبيب الفلسطيني صلاح جمال، كأبرز الأسماء بين الكتّاب بالكتالونية من أصول مهاجرة، واضعين الثقافة العربية في موقع مركزي بين الروافد المستحدثة للأدب الكتالوني. ينتمي هؤلاء إلى جيل جديد من كاتبات وكتّاب المهجر، يقوم بنقد مجتمعاته الأصلية ويقدم في الوقت ذاته تشريحاً ساخطاً لمجتمعه الجديد. جيل لم يعد يكتفي بالكتابة بلغات المركز الرئيسية، بل وجد طريقه عبر الاندماج، إلى لغاته وثقافاته الفرعية، ليصبح طرفاً فاعلاً في عمليات توسيع أفقها وتجذير تمايزها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري