آخر تحديث:18:06(بيروت)
الجمعة 08/01/2021
share

عونيّون في الكابيتول

رشا الأطرش | الجمعة 08/01/2021
شارك المقال :
عونيّون في الكابيتول
قد يبدو مفهوماً "تشفّي" جمهور الثنائي الشيعي، وخصوصاً "حزب الله" وإعلامه، في "الديموقراطية الأميركية الهشة" وترامب. شماتة كاريكاتورية وفاقعة، كونها تصدر عن "حزب ولي الفقيه" وذراع إيران، حيث ملامح أي شكل من أشكال الديموقراطية شبه معدومه، بل ومُعاقَبة إلى حدّ الإعدام، بدءاً من الحريات الشخصية، وصولاً إلى السياسية وحرية التعبير. وكون التشفي هذا، خطابَ حزبٍ ديني، يكمّم أي رأي مغاير في بيئته التي يسيطر عليها بصورة أقرب إلى الشمولية، وهو حزب القائد الواحد منذ نحو 30 عاماً. لكن الشماتة الممانعاتية، تندرج في سياق صراعي تاريخي (من أيام الخميني وشعار "أمريكا الشيطان الأكبر)، وراهن أيضاً (العقوبات على إيران وحزب الله وشخصيات شيعية، وعلى مؤسسات ومسؤولين سهّلوا للحزب شؤوناً مالية، إضافة إلى الملف النووي، والنفوذ الإقليمي الإيراني). ولـ"حزب الله" ماكينة بروباغندا وجيش الكتروني، اشتغل على هذا الحدث الأميركي، كما يشتغل على أي حدث محلي أو دولي يراه على تماس مع إيديولوجيته المعروفة ومصالحه، كمليشيا مسلّحة ذات تمثيلٍ طائفي وأبعادٍ اقتصادية واجتماعية وعسكرية في لبنان وخارجه.

لكن ما لا يقصر عن إثارة العجب، هو ردّ الفعل العَونيّ. فباستثناء الصفعة الأميركية المباشرة مؤخراً، بوضع الوزير السابق جبران باسيل في لائحة العقوبات (ليس لأي سبب متعلق بحزب الله بل بتُهم فساد طبقاً لقانون ماغنيتسكي)، يُفترض أن "التيار الوطني الحر" ليس معادياً لأميركا، بل بالعكس. لعله دأب، قبل إعلان معاقبة باسيل، على محاولة تصدير "تمايزه" عن حليفه "حزب الله"، في موضوع التطبيع مع إسرائيل مثلاً، ومكافحة تمويل المنظمات المعاقبة أميركياً وتبييض الأموال. وطمح التيار، من ضمن طموح باسيل إلى رئاسة الجمهورية، إلى دور صِلة الوَصل وقناة المراسلات، سواء عبر وزارة الخارجية أو رئاسة الجمهورية أو حتى العلاقات الشخصية. والأهم أن المشترَك الشعبوي بين التيارين الترامبي والعوني أكثر بكثير من الانتقام كتفسير لخطاب مدوّنين وناشطين عونيين شبّهوا "غزوة الكابيتول" الأخيرة بتحركات ثورة 17 تشرين اللبنانية التي ناصبوها العداء والتخوين منذ اليوم الأول.

فالعونيون، مثل الترامبيين، لديهم رئيس منفصل عن الواقع، متشبث بموقعه حتى الرمق الأخير، رغم أن نصف اللبنانيين على الأقل يطالبه بالرحيل. رئيس محاط بأفراد عائلته المزروعين في مواقع رسمية لصيقة به، وعلى رأسهم جبران باسيل الذي بات يُعتبر الرئيس التنفيذي للجمهورية. ومثل الترامبيين اللاهجين بجعل "أميركا عظيمة مجدداً"، يهذر العونيون بـ"العهد القوي" المخلّص.. ولا يهمّ إن كان واحداً من أسوأ العهود الرئاسية في تاريخ لبنان. العونيون أيضاً ضد "الاستابلشمنت"-دولة اتفاق الطائف، وما انفكوا يحاولون الالتفاف عليها وإفراغها من معناها، منذ وصولهم إلى السلطة. وإن كانت مناطحة المؤسسة المُكرِّسة والمُكرَّسة، كمفهوم وأداء، ليست في حد ذاتها رذيلة، بل ربما تضمن عدم تغولها أو تحولها إلى صنم، فإن الشعبويين، من أفضال ترامب وعون/باسيل، يذهبون في تكسيرها إلى إلغاء كل ما لا يخدم تجذّرهم في السلطة ومصالحهم في سدّتها. وعلى طريقة "فيها أو أُخفيها"، إما أن يسودوا بشروطهم، وإما الفراغ في لبنان، أو الفوضى والعنف في أميركا. هذا يدّعي أنه لبنان، تمثيله كامل وناجز لقاعدته (المسيحية) ولعموم شعبه، وذاك يدّعي أنه أميركا الحقيقية. وكل من لا ينضوي، خائن، والفساد دوماً عند الآخرين. هُم بالضرورة على حق، طوال الوقت وكل مرة، وحقّهم نزق وبذيء.

العونيون أيضاً محاربو "المؤامرة"، سواء أتت في سردية "كورونا" ولقاحه، أو الثورة على الطبقة الحاكمة، أو اللاجئين "الغرباء" كشرّ مطلق لا بد من التخلص منه بعد احتقاره. الفشل الترامبي في إدارة جائحة كورونا، والفشل العوني في السلطة عموماً، لا يزيد جمهورهما إلا عصبية لهما، والحق دوماً على مَن عرقل العمل، ودوماً هناك معرقلون. والزبائنية، محاباة الموالين في التوظيفات والتعيينات، ليست مذمّة، بل واجب المُختارِين المعصومين، لبقائهم من أجل مَن يقودون. أما رايات التفوّق الأبيض على سائر الأعراق وأعلام الكونفيدرالية المقيتة التي رُفعت في داخل الكابيتول، ولطالما رفرفت في مسيرات الترامبيين فأعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية الأميركية التي اندلعت على خلفية تمسك أهل الجنوب بـ"حقهم" في استعباد الأفارقة، فلا تضاهيها إلا "الجينات اللبنانية" التي تغنّى بها جبران باسيل باعتبارها متفوقة على باقي العرب، خصوصاً السوريين والفلسطينيين... وهذه الأعلام وتلك الجينات براهين الوطنية الفائقة لحامليها.

فلماذا، إذن، يسخر العونيون من رعاع ترامب الذين اقتحموا المبنى-الرمز لأكبر الديموقراطيات في العالم؟ بلدهم حيث ينجح "السيستم" في تنظيف نفسه بنفسه، والأرجح أن يطرد ترامب طرداً ولو لم يتبقّ له في قصر الشعب الأبيض سوى بضعة أيام؟ ألم يروا بين الجموع طيف شربل خليل وسمير صفير؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها