آخر تحديث:13:44(بيروت)
الجمعة 08/01/2021
share

"خزانة العجائب": ماريكا بيروت، تبغ اسطنبول، وتذكارات القدس

حسن الساحلي | الجمعة 08/01/2021
شارك المقال :
  • "خزانة العجائب": ماريكا بيروت، تبغ اسطنبول، وتذكارات القدس
    معرض الثقافة الاستهلاكية في مدن السلطنة العثمانية
  • صندوق الفرجة
    صندوق الفرجة
  • صندوق الفرجة
    صندوق الفرجة
  • صندوق الفرجة
    صندوق الفرجة
بعد "مداد" الذي قدم مجموعة مخطوطات تاريخية توثق تطور الخط واللغة في العالم الإسلامي، ينظم "دار النمر" المعرض الثاني من مجموعة رامي النمر (صاحب المؤسسة ورئيس مجلس إدارة مصرف "فرست ناشونال بنك") الذي يضم أغراضاً متنوعة كانت تستعمل خلال القرنين الماضيين، من أدوات منزلية وقطع معدة للإستهلاك اليومي بالإضافة إلى ملصقات، صور، هدايا تذكارية، ألعاب، أعمال فنية تخبرنا عن الحياة في السلطنة العثمانية ومدن المشرق.

قبل الوصول إلى القاعة التي تضم غالبية المقتنيات، يمر المتفرج في غرفة بداخلها أعمال ذات طابع غرائبي، تشترك في إثارة الريبة والفضول، من بينها مجموعة رؤوس ضخمة وبالقرب منها مقصلة تحمل توقيع الفنان السوري محمد علي، بالإضافة إلى جمجمة بقرة مزخرفة ومنحوتة بشكل احترافي، صنعتها قبيلة من بالي، كنوع من رد الجميل للفوائد التي تقدمها البقرة للإنسان.

تختلف المقتنيات القليلة الموجودة في هذه الغرفة عن غالبية أغراض المعرض من ناحية غرائبيتها، ويمكن اعتبارها الأقرب إلى نموذج "خزانة العجائب" Cabinet of Curiousities التي تشكل نمطاً من الجَمع سابقاً على ظهور المجموعات المتخصصة في الأنتيكا والأعمال الفنية خلال القرن السابع عشر. اختار القيمون على المعرض عنوان Cabinet of Curiousities ليكون عنواناً رديفاً بالانكليزية، لكن من دون الذهاب بعيداً في الإنتماء الى هذا النموذج الذي يغلّب الإثارة والسحر والإكزوتيكية على القيمة الفنية والتاريخية والعلمية.



ارتبط هذا النمط من التجميع، والذي كان سائداً خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بالرحلات الاستكشافية الأوروبية الى العالم الجديد، التي نُسجت حولها قصص خرافية، وضمت المجموعات يومها، حيوانات محنطة، لم تكن معروفة بعد في أوروبا، نباتات عجيبة، جماجم وهياكل عظمية، أدوات شعوذة بالإضافة إلى مقتنيات خاصة بالسكان الأصليين. شكلت هذه المجموعات نواة المتاحف التي ستبدأ بالظهور مع انبثاق عصر النهضة (وسترتكز بجزء كبير منها على الأغراض والآثار المسرورقة من حول العالم بعد الصعود الامبريالي لفرنسا وبريطانيا)، كما انها ستساعد بعد حين في دعم سياقات البحث العلمي، ولو أنها لم تكن علمية إلى هذه الدرجة في ذلك الحين.

لكن المعرض بشكل عام لا ينضوي في خانة هذا النمط من التجميع، بل هو أقرب إلى النمط الذي بدأ يسود مع بداية الثورة الصناعية وازدهار الحياة الاستهلاكية، وهو ما زال بشكل أو بآخر مستمراً حتى يومنا هذا. فالأغراض الموجودة، بأغلبها، تكتسب قيمتها من ارتباطها بمرحلة تاريخية معينة من التطور التكنولوجي والاستهلاكي والعلمي كما من الأسلوب الفني الذي يظهر في التصميم والقدرة على خلق سبل جديدة للإستهلاك. بالإضافة إلى استنادها على العامل الاهم في تحديد سعرها في السوق، وهو قيمتها كغرض نادر لا مثيل له (الندرة لم تكن مهمة بالنسبة لخزانة العجائب).

يقول رامي النمر أن اهتمامه بالتجميع بدأ حين اكتشف مجموعة من الوثائق العائلية في نابلس، التي يفترض حفظها والاهتمام بها، لكن هذا الاهتمام تطور اكثر مع تعرفه على التنوع الذي حكَم السلطنة العثمانية ثقافياً، وإيمانه المتزايد بضرورة حفظ التراث الفلسطيني والعربي السابق على إنشاء دولة إسرائيل. لهذا السبب قرر إنشاء دار النمر، التي تعنى أساساً بعرض هذه المجموعة، التي يضاف إليها عدد ضخم من المخطوطات والأعمال التشكيلية.



يضم المعرض قرابة 250 قطعة قسّمت إلى الثيمات التالية: الحياة والموت، الزفاف، السينما، الترفيه، الأدوات العلمية، التذكارات، الألعاب، التذكارات العسكرية، الأدوات المنزلية، القطع الدينية والتبغ. جزء كبير من الأغراض يبدو بلا جدوى، إن لم نقرأ النصوص المرفقة في الكاتالوغ، خصوصاً البطاقات والتذاكر وأغلفة المنتجات التي من الصعب تمييز وظيفتها.

تخبر نصوص الكاتالوغ جزءاً من تاريخ المنطقة، من زاوية أنماط الانتاج والاستهلاك، خصوصاً في أسواق المدن الرئيسية في السلطنة العثمانية التي اهتم بها جامع الأعمال الفنية رامي النمر، مثل بيروت (المنتجات الترفيهية)، القدس (التذكارات الدينية)، اسطنبول (منتجات السلطنة العثمانية) وغيرها.

غالباً، سينتبه كل متفرج إلى أغراض معينة، بحسب اهتماماته الشخصية. من ناحيتي توقفت مثلاً عند مجموعة التبغ التي تضم أغراضاً كانت تنتجها الدولة العثمانية بعد احتكار انتاج وتصدير التبغ إثر حرب القرم (اكتشف الباب العالي اهميتها التجارية وإمكانياتها في مساعدته لسداد ديون السلطنة). من تلك الأغراض، مجموعة ضخمة من السجائر، تمثل جميع الأنواع التي سبق وأنتجتها السلطنة، بالإضافة إلى مجموعة من ماركات ورق اللف والغليون وعلب التبغ، التي كانت مستعملة بشكل كبير قبل رواج السجائر الملفوفة سلفاً، وأغراض اخرى تتعلق باستهلاك التبغ.

واستُغلّت أغلفة هذه الأغراض لتكون مساحة للإعلان، التي يحمل بعضها طابعاً استشراقياً إلى حد كبير، مثل إعلان سجائر فاطمة التي تصدرت المبيعات في الولايات المتحدة بين العامين 1910 و1920، علماً أن هناك إعلانات استندت إلى الموروث الديني والثقافي المحلي، ورغم أن التبغ حُرِّم في فترة من الفترات، قبل تحليله مجدداً عندما اكتُشِفت أهميته التجارية. تسرد النصوص المرافقة لهذه المجموعة، قصصاً وطرائف مرتبطة باستعمال هذه الأغراض، مثل الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا والسلطنة التي أثارها امتناع السلطان عن منح السفير الفرنسي فرصة لتدخين النارجيلة معه، رغم أن نراجيل ذلك الزمن كانت تمتلك نباريج عديدة.



من المقتنيات الأخرى التي تثير الانتباه في المعرض، تلك التي تظهر العلاقة مع الزمن والمكان والمادة، والتي لم يعد لها اي وظيفة اليوم مع التطور التكنولوجي وتغير أنماط الحياة، ما بدّل بالتالي من طريقة رؤية العالم. من هذه الأغراض مثلاً، الساعة الشمسية التي ظلت مستعملة حتى القرن التاسع عشر، الدليل التقويمي الذي يحدد التواريخ والأيام حتى 28 عاماً إلى الأمام، البوصلة الشمسية المخصصة لمعرفة الإتجاهات والتي ضمت في الوقت نفسه ساعة وقت، الميزان المحمول المخصص لمعرفة وزن النقود الذهبية، الاسطرلاب الربعي لقياس ارتفاع وبعد الشمس والنجوم وحساب وقت النهار والليل وموقع القِبلة (استخدَم هذه الأداة، بالاضافة لعلماء الفلك والمنجمين، المهندسون المعماريون).

يضم المعرض ايضاً مجموعة متنوعة من التذكارات الدينية التي أنتجت في القدس وبيت لحم، والتي تشكل عينة عن اقتصاد كامل أصبح سائداً بعد تسارع الحملات الدينية وزيادة أعداد الحجاج (إثر تطور شبكات القطار والطرق في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، كما مجموعة كبيرة من الأغراض والملصقات المتعلقة بالحياة الترفيهية في لبنان خلال الخمسينات والستينات، تضم ملصقات وإعلانات، ولافتات، واحدة منها مرفقة بطبعة شفاه "ماريكا" (فتاة الهوى اليونانية الشهيرة في شارع المتنبي البيروتي البائد)، وأخرى تظهر شخصيات عرفت في عالم الترفيه مثل اندري اريدجيان مؤسس مقهى المودكا في بيروت. كما ضم المعرض لوحات تؤرخ لأحداث مهمة مثل غرق السفن البريطانية أمام السواحل اللبنانية التي ألهبت مخيلة اللبنانيين لعقود، وبورتريهات لأشخاص مؤثرين في الحقل الثقافي مثل ناضيف اليازجي، أحد رموز النهضة (اللوحة لحبيب سرور).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها