آخر تحديث:12:24(بيروت)
الإثنين 04/01/2021
share

وحيد حامد.. آخر الرجال المحترمين؟

محمد صبحي | الإثنين 04/01/2021
شارك المقال :
وحيد حامد.. آخر الرجال المحترمين؟ صاحب رأي وضمير يحدث أن تتلاقى رؤيته، في مرحلة انتقالية ما، مع رؤية السلطة الحاكمة
لم تكن لوحيد حامد، الذي رحل قبل أيام عن 76 عاماً، علاقة بالسينما، ولم يخطط ليصير كاتباً يوضع اسمه على أفيشات الأفلام، ولم يكن حتى يعرف كيف يُكتب السيناريو، فقد كانت حياته وعالمه كله بين كتابة المسلسلات الإذاعية والمسرحيات. في العام 1975 كتب للإذاعة مسلسل "طائر الليل الحزين" وحقق به نجاحاً كبيراً عند عرضه. بعدها فوجئ بالمنتج السينمائي مخلص شافعي يطلبه ويخبره برغبته في شراء قصة المسلسل لتحويلها إلى فيلم، بعد الإستعانة بسيناريست محترف لتكييفها للسينما.

في لحظة مغامرة، اندفع وحيد حامد بالقول إنه على استعداد لكتابة السيناريو، فسأله الرجل بلا مواربة: "هو أنت تعرف تكتب سيناريو؟"، وردّ عليه حامد "خليني أكتب السيناريو، إذا أعجبكم كان بها، وإذا لم يعجبكم فهاتوا كاتب سيناريو آخر". وبعد لحظات من التردد والتحجج بأنه سيكون سبباً في تأخير المشروع، قال المنتج وكأنه يعجّز الكاتب الذي لم ينجز سيناريو واحد قط: "أمامك شهر واحد تسلّمني فيه السيناريو".

مرّ 29 يوماً ولم ينجز حامد شيئاً بعد إصابته بنزلة برد شديدة، وفي اليوم الثلاثين حمل حلقات المسلسل ونزل ليجلس في مقهى هادئ بحيّ مصر الجديدة، وبدأ في كتابة سيناريو الفيلم من العاشرة صباحاً حتى السادسة مساء، حتى أنجز جزءاً كبيراً منه، فأخذ الأوراق وذهب بها للمنتج الذي سأله "أين الباقي؟"، فأجابه بارتباك "غداً". في اليوم التالي سلّمه السيناريو. نجح الفيلم، الذي أخرجه يحيى العلمي وأدّى بطولته محمود مرسي وعادل أدهم، وتغيّرت تماماً حياة الشاب الريفي الذي زحف للقاهرة مطارداً حلمه بالكتابة المسرحية ثم الإذاعية. ما حدث بعد ذلك صار تاريخاً. وككل تاريخ، تتنازعه الآراء ويختلف فيه الناس.
**

لم يكن وحيد حامد مناضلاً، ولا مثقفاً مدجّناً كذلك، بل صاحب رأي وضمير يحدث أن تتلاقى رؤيته، في مرحلة انتقالية ما، مع رؤية السلطة الحاكمة. بهذا المعنى، يُفهم الاحتفاء به من طرف الإعلاميين "المخبرين" (أو "الوطنيين الشرفاء" في الرواية الرسمية)، فوصفته القناة الأولى الحكومية بـ"فارس القوة الناعمة وجندي التنوير السينمائي" حين استضافته في مقابلة طويلة قبل خمسة أشهر. وفي لقاء آخر قبل ست سنوات، احتفت إسعاد يونس "بنبوءته الفنية" بعد إطاحة حُكم الإخوان المسلمين. تلقفته الإذاعات والقنوات والمطبوعات الرسمية والموالية، ليحكي عن "أسلمة مصر" بالأموال الخليجية وجناية السادات بحق "التنوير المصري" وأهمية الحفاظ على "الوطن"، بل وحتى أهمية الرقابة في منع الانحطاط السينمائي في بلد كمصر.

لكن يبقى غير مفهوم، تناسي هؤلاء، قبل أي شيء، أن كل احتفاء بمنجز حامد ينبغي أن يصبح احتفاءً بما صار ذكرى بعيدة في الراهن المصري البائس، فلا هوامش للحرية ولا مكان للتفكير خارج السرب ولا سبيل أمام السخرية السياسية ولا المشاغبات المتمرّدة. نظرة سريعة على الحالة المصرية، وفي القلب منها السينما المصرية، كافية لإدراك الحقيقة المفزعة المتمثلة في استحالة إنجاز أفلام وحيد حامد حالياً، الأفلام نفسها التي هي إرثه الباقي وجوهر تأثيره وعلّة تكريمه في مهرجان الدولة السينمائي في دورته الأخيرة قبل شهر. أحوال مضحكة ومبكية، فسقف الحريات الذي ظننّاه منخفضاً في عهدي السادات ومبارك (حينما صنع وحيد حامد أمجاده)، يتراءى لنا الآن سماء سابعة بعدما كاد سقف حريات اليوم يسحق الرؤوس.

في مقلب آخر، التعمية المتواطئة والتجهيل المجرم لقيمة أفلام وحيد حامد، بما فيها من كشفٍ لفساد السلطة وظلم لأحلام البسطاء، واقتصار الحديث عن منجز الرجل في أفلامٍ ومسلسلات بعينها، يراها فصيل سياسي معادية له أو غير أمينة في رسم صورته، ليس سوى دفن للرؤوس وتغابٍ تام من خصمٍ حبيس استيهاماته الذاتية في خضم صراعه مع توأمه المضاد على سلطةٍ لطالما وقف الرجل منها موقفاً معارضاً. لم يبع الرجل نفسه لأحد، ولم يتبنّ في أعماله السينمائية والدرامية ما لا يؤمن به، حتى في مرحلته المتأخرة التي شهدت تقاربه مع النظام الحالي تزامناً مع نشاطه الكتابي في توثيق رؤيته الخاصة لجماعة الإخوان المسلمين وتاريخ مؤسسها حسن البنّا وتأثير الحركة في مصر، لم يحظَ سيناريو الفيلم الذي كتبه عن حياة عبد الفتاح السيسي وصعوده لحكم مصر بإعجاب الأخير. لماذا؟ لأن فيلسوف الرؤساء وحكيم القادة لا يرضى إلا بالانحطاط التام وإفناء الكاتب لذاته وفكره ورأيه فداءً لروح القائد المخلّص مبعوث العناية الإلهية.
**

النقاش حول إرث وحيد حامد دخل للأسف في الدوامة المفرغة المسيطرة على المشهد المصري منذ العام 2014، فاستحال مناوشات استقطابية حول موقفه من الإسلام السياسي وتبنّيه اتجاهات يمينية سلطوية في سنواته الأخيرة. بالطبع ثمة تناقض واضح بين رؤية الرجل أثناء عصر مبارك وأفلامه التي هي بمثابة صرخة تنادي بضرورة التغيير، وبين إيمانه المتأخر بالمستبد المستنير وأهمية استقرار الدولة. لكن البشر ليسوا شخصيات بالأسود والأبيض. كان وحيد حامد "صنايعياً" في مهنته، حرفياً لغوياً، برع في تطوير شخصياته درامياً ورفد أعماله بصياغات شعبية توسّع دائرة الجمهور، وكان قارئاً نبيهاً لتفاصيل المجتمع المصري في سنوات ما بعد الانفتاح الساداتي وتوحُّش السلطة. لكنه أيضاً إنسان محكوم بتجارب وخبرات شخصية وانحيازات خاصة قد لا تتماشى تماماً مع مبادئ حقوق الإنسان وحرياته في عالم جديد ومتغيّر. هذا لا ينفي كامل عمله ولا يلغي تأثيره المهم و"الإيجابي"، إن جاز التعبير، غير أن موقفه من نظام السيسي (وكذلك موقف السيسي منه) تذكير إضافي بالآثار الجانبية لأزمنة رديئة مطبوعة بالتسلّط وغياب العدالة وإجهاض الحرية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها