آخر تحديث:12:07(بيروت)
الأحد 03/01/2021
share

"الماسونية في عماء التاريخ"..والحاضر

محمد حجيري | الأحد 03/01/2021
شارك المقال :
  • "الماسونية في عماء التاريخ"..والحاضر
    من الصور المنسوبة الى الماسونية
  • شمس وقمر
    شمس وقمر
في اليوم الذي قرأت فيه كتاب "الماسونية في عماء التاريخ"(*)، للباحث صقر أبو فخر، انتبهت إلى خبر كتاب في أحد المواقع، بعنوان "الاسطورة الماسونية" للكاتب الأميركي، غي كيني، يميط اللثام عن المنظمة التي حيّرت الكثيرين في نفوذها. وما لفتني في استنتاجات الكاتب، وهو أن أحد شروط الانضمام إلى الماسونية أنه يجب على الشخص بداية أن يكون (ذكراً)... والحال أنه نادراً ما يرد اسم أنثى من بين المنتسبين إلى الماسونية، ولكن حتى هذه الخبرية اخترعوا حولها بعض الأساطير الهذيانية، فنقرأ عناوين مثل: "هل كانت مي زيادة ماسونية ويهودية لاوية؟" وهناك عشرات الاستنتاجات والكتب عن المرأة والماسونية، و"خطر الماسونية على المرأة"، ومقولات خرافية تفيد أن السيدة أليزابث اولدورث (1639 - 1773) شاهدت عن طريق الصدفة من خلال ثقب في الباب الطقوس الكاملة لاعتماد عضو جديد وعندما اكتشف أمرها تم القرار على ضمها للمنظمة للحفاظ على السرية... أمر مضحك بالطبع... فيلم ساذج... على أن علاقة الماسونية بالمرأة، وهي جزء ضئيل من بحر خرافات، تشكل مرآة لواقع الماسونية، الجمعية العالمية والغامضة صاحبة الجسم اللبيس، في مجتمعات تستهوي الوهم والتخريف والمؤامرة والشائعة، أو هي في أسرها.

ثمة عوامل كثيرة، جعلت الماسونية حركة عصية على الفهم، والاستعصاء مرده، أنه لا يوجد تعريف متفق عليه للماسونية حتى بين الماسونيين أنفسهم، فكل واحد منهم يتحدث عنها بطريقته الخاصة، او بحسب البلد الذي يعيش فيه أو الدين الذي ينتمي اليه. وليس هناك تعريف متفق عليه بين الماسونيين عن علاقة الحركة بالدين، كما أنه ليس للحركة أدبيات كثيرة تحظى بشرعية علمية يمكن للباحثين الاعتماد عليها في الفهم والتأريخ للنشأة والتكوين، فكل محفل يغني على ليلاه. ويزيد الاستعصاء لكثرة من ينسبون إلى الماسونية من أفعال وقدرات، يحسبها المرء أقوى من أميركا والحلف الاطلسي، بمعنى أنها قادرة على تحريك العالم، واشعال الحروب، وتوزيع الأسلحة، وتغيير الانظمة، ونشر الافكار، وادارة الانتخابات والاستحواذ على النخب والمطربين والزعماء والمفكرين... وأحياناً تنسب للماسونية حركات عمرانية يحسبها المرء أهم من أهرامات مصر، أو عجائب الدنيا السبع...


وفي كتابه، يفنّد صقر ابو فخر الأغاليط المتراكمة في شأن الماسونية وتاريخها ونشأتها وأفكارها وأسرارها، ويدحض، في الوقت نفسه، الخرافات الماسونية نفسها، ولاسيما تلك المعلومات الشائعة عن تأسيسها والمؤسسين الأوائل، وما يقدمه يختلف كثيراً عن عشرات الكتب العربية السائدة(وحتى الأجنبية)... وغايته، أي الكتاب، هي إيضاح ما استشكل في شأن الماسونية، وبالتحديد الماسونية العربية، التي لم يكن لها أي شأن فكري أو سياسي مهم في التاريخ العربي الحديث، ثم تفنيد النصوص الهذيانية التي تعيد كل مصائب العرب إلى الماسونية "صنيعة اليهودية وربيبة الصهيونية".

يربط صقر ابو فخر بدايات ظهور الماسونية بالفكر الربوبي الأوروبي وبالأفكار التأليهية التي مهدت الطريق أمام انبثاق عصر الأنوار وفلاسفته وأدبائه ومفكريه، وكانت جزءًا مهمًا من عصر النهضة، وملهمة للثورات الراديكالية وللتيارات العَلمانية، التي غمرت أوروبا منذ القرن الرابع عشر فصاعدًا.

 يوثق أبو فخر منشأ الماسونية في اسكتلندا ثم إنكلترا في عام 926 وأجريت التعديلات على دستورها في عام 1350 وازدهرت بقوة في عام 1535 ويسميها الكاتب الماسونية العملية. ولكنه يعتبر أن التأسيس الرمزي الفعلي لها هو في عام 1717 على يد جوزف لافي وأن واضع دستورها هو جيمس أندرسون عام 1723.  

ويعقد المؤلف مقارنة تاريخية بين الجمعيات الحرفية الأوروبية والطوائف الحرفية العربية، ويعيد تأسيس تلك الجمعيات إلى نشوء المدن في العصر الاقطاعي الأوروبي، التي شهدت سباقًا على بناء الكاتدرائيات والكنائس والقصور والجسور والقلاع والحصون ومراكز الفنون والمكتبات والمتاحف. أما الأسلاف الفكريون للماسونية فيمكن العثور عليهم بين أعلام التيار الربوبي وأصحاب فكرة الدين الطبيعي، وفي الفكر التأليهي وآراء جوردانو برونو، وهؤلاء أسسوا تياراً كاسحًا لنقد الكتاب المقدس، ورفض معجزات الأنبياء وألوهية المسيح، وأقاموا صرحهم الفكري على النظريات العلمية وعلى الفلسفات العقلية معًا. 


وإذا كانت الماسونية في أوروبا وارثة الفكر الربوبي والتأليهي الذي كان له الأثر الكبير في انبثاق عصر التنوير، فإنه لم يكن للماسونية في بلادنا غير أثر بسيط لدى الكتاب المتنوّرين أمثال جرجي زيدان، وفارس نمر، ويعقوب صرّوف، أما المؤكد فإن الأمير عبد القادر الجزائري هو الماسوني المكرس في محفل الأهرام 1854 وأسس أول محفل في بلاد الشام 1864. وفي لبنان تأسس أول محفل ماسوني في 1862 برئاسة موريس داتا ومعه حسين بيهم وجرجي سرسق وإبراهيم المنذر وفليكس فارس والأخطل الصغير وحليم دموس وخليل سعادة ونجيب عازوري ومارون عبود وأنيس الخوري المقدسي وسامي ورشيد الصلح وعيسى إسكندر المعلوف وإيليا أبو ماضي وشارل سعد وأنور الخطيب وكاظم الخليل وجوزف سكاف وأديب الفرزلي وغيرهم. ومع تصاعد وتيرة الصراع العربي الاسرائيلي بعد حرب 1948، وتنامي التيار القومي (الناصري) بدأت الماسونية في العالم العربي بالانحسار أو المنع، اذ أُقفلت المحافل الماسونية في مصر (1964) وكذلك في سوريا (1965)، وهذه المرحلة تحتاج قراءة مفصلة، إلى جانب الدوافع التي جعلت بعض الشخصيات العربية تنتمي اليها أمثال عبد القادر الجزائري، والإمام محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وعبد الرحمن الشهبندر وبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وابراهيم اليازجي وخليل مطران. فما الذي تقدمه جمعية حرفية عمرانية لمثل هؤلاء؟ هل استهوتهم شعاراتها؟ وهل هناك أدب ماسوني؟ وكذلك تحتاج الماسونية الى تفسير عن نسيجها الاجتماعي، ما الذي يجعل مواطنا دمشقياً أو بيروتياً ينتسب الى المحفل الماسوني؟ وفي العمران، وما حقيقة علاقة الماسونية بالعمران الاندلسي والاسطنبولي والاموي والبغدادي؟! وهل هناك من يخرّف وينسب كل عمران جيد الى الماسونية؟ اسئلة كثيرة تحتاج ابحاثاً تعيد الأمور الى نصابها الحقيقي.


(*)«الماسونية في عماء التاريخ» بيروت ـ رياض الريس للكتب والنشر، 2020

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"