آخر تحديث:13:23(بيروت)
الأربعاء 27/01/2021
share

مَن أصيب بالطاعون والتجأ إلى مار روكز.. نجا

محمود الزيباوي | الأربعاء 27/01/2021
شارك المقال :
  • مَن أصيب بالطاعون والتجأ إلى مار روكز.. نجا
    القديس روكز في ثلاث لوحات: بارتوليميو ديللا غاتا، 1479. بارتوليميو فيفراني، 1480. كارلو كريفيللي، 1493.
  • الملائكة مع مار روكز خلال احتضاره في سجنه
    الملائكة مع مار روكز خلال احتضاره في سجنه
  • زيارة الملائكة إلى سجن مار روكز
    زيارة الملائكة إلى سجن مار روكز
  • القديس روكز في منمنمة من نهاية القرن الخامس عشر، مكتبة ليون، فرنسا.
    القديس روكز في منمنمة من نهاية القرن الخامس عشر، مكتبة ليون، فرنسا.
  • روكز في لوحة أنجزها جيورجيون في القرن 16، ولوحة صوّرها بياترو باولو أغابيتي في 1528.
    روكز في لوحة أنجزها جيورجيون في القرن 16، ولوحة صوّرها بياترو باولو أغابيتي في 1528.
مع استمرار تمدد جائحة فيروس كورونا المستجد في أنحاء العالم، عادت إلى الواجهة أعمال فنية تصوّر "الطاعون الأسود" الذي عصف بأوروبا في الماضي، ومنها زيتية لرسام البندقية الأعظم جاكوبو تنتيريتو من منتصف القرن الخامس عشر، وتصور القديس روكو مواسياً مجموعة من المصابين بالطاعون.

جاء هذا الوباء من آسيا، كما تقول المصادر التاريخية، وخلال بضع سنوات، اجتاح تباعاً الأراضي الإيطالية والإسبانية والفرنسية، وقضى على جزء كبير من سكان هذه الأراضي، ثم وصل إلى أوروبا الوسطى، واجتاح الأراضي البلجيكية والألمانية والجزر البريطانية، وذلك قبل ان يبتعد في اتجاه دول البلطيق. هكذا اجتاح الطاعون الأسود أوروبا، بين العامين 1346 و1353، وطبع بقساوته نفوس شعوب هذه القارة، وأدى إلى انهيار ديموغرافي كبير فيها، وابتعد عنها من دون أن يغيب، اذ ظل يعود بشكل موسمي حتى نهاية القرن الخامس عشر، وأحدثت هذه العودة حالة من الهلع الجماعي بقيت حية في العقود التالية.

في تلك الحقبة بالذات، ذاع في أنحاء الأراضي الأوروبية اسم القديس روكو، المعروف في بلادنا باسم مار روكز، ويلقّب بشفيع المرضى بالطاعون، وقد تشكّلت سيرته بعد رحيله بزمن طويل، وحملت تفاصيل جديدة على مدى أكثر من خمسة قرون، فباتت أقرب إلى السيرة الأسطورية التي تزخر بالعجائب والخوارق. تعود أقدم هذه الروايات بحسب أهل الاختصاص الى العام 1430، ومصدرها إقليم لومبارديا في شمال إيطاليا، وكاتبها مجهول الاسم. في دير من أديرة باريس، استعاد هذه السيرة راهب دومينيكاني يُدعى جوهان فيليبو، ونُشرت هذه الاستعادة في 1494، وتبعتها إصدارات متتالية ساهمت في شيوعها الكبير. بحسب هذه السيرة، وُلد روكز من أبوين شريفين تقيّين في منتصف القرن الثالث عشر، في مدينة مونبلييه في مقاطعة لونغدوك، جنوب فرنسا، ونشأ في موطنه، وعُرف بتفانيه في محبة الآخرين. وحين توفي والداه وهو في ريعان الصبا، وزّع امواله على الفقراء، وترك لعمّه أملاكه من اراضٍ واسعة وقرى عديدة، ولبس لباس الفقراء والمعوزين، وهجر موطنه قاصداً روما، "المدينة الأبدية". وما ان دخل الأراضي الإيطالية حتى رأى مرض الطاعون يفتك في أكثر مدنها، فشرع في خدمة المصابين ودفن الموتى. وكان هذا الوباء يومذاك على أشدّه، فكان يفتك بالمصاب به "خلال بضع ساعات، وكانت العدوى سريعة لدرجة ان رؤية المريض وحدها كانت تؤدي للإصابة به"، كما يقول الراوي.

واصل مار روكز هذا الكفاح، والتقى بالبابا، وقضى سنوات ثلاث في روما، ثم قصد مدينة بياتشنزا في إقليم ايميليا رومانيا، شمال ايطاليا، واستمرّ في الإشراف على معالجة المصابين بالوباء الخبيث، وأصيب هذه المرّة بدوره بهذا الداء، ولازمه وجع مؤلم في أعلى ساقه نتج منه جرح لا يندمل، فأوى الى غاب حيث قاسى آلاماً مبرحة، ويُحكى أنه بقي حياً بفضل كلب كان يسرق الطعام من مائدة سيده ويأتي به إليه. وبعدما تحمّل مرّ الاوجاع، مَنّ الله على مار روكز بالشفاء، واوحى اليه بالرجوع الى موطنه الأول، وكانت الحروب الاهلية تمزّق تلك البلاد. سار روكز إلى بلاده، وحين دخلها ظنّوه جاسوساً، فألقي القبض عليه وألقي في سجن مظلم. قضى روكز في هذا السجن خمس سنوات صابراً على بلواه، وقبل أن يسلم الروح، بحسب الرواية، تجلّى أمامه ملاك أرسله الرب إليه، وأشرق نور ساطع في السجن، وإثر رحيله، عُثر في زنزانته على لوح كُتب عليه "من أصيب بالطاعون، والتجأ الى عبدي روكز، نجا بشفاعته". وقيل أنه "بشفاعة روكز"، نجت مدينة كونستانس من الطاعون الذي انتشر فيها سنة 1414، وتقع هذه المدينة في أقصى جنوب ألمانيا، على الحدود مع سويسرا، وفيها انعقد المجمع الكاثوليكي الشهير الذي يحمل اسمها. وإثر هذه "الأعجوبة"، انتشر تكريم روكز في فرنسا، ثم عمّ بسرعة أوروبا، فبات أشهر القديسين في المجتمعات القروية بوجه خاص.

يصعب إحصاء الصور الفنية التي تمثّل روكز، وهي من مختلف الأنواع والتقنيات المتّبعة. تعود أقدم هذه الصور إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وفيها يظهر القديس بلباس السائح البسيط برفقة الكلب الذي أمدّه بالطعام، معتمرا قبعة كبيرة، حاملا عصا طويلة، كاشفا عن الجرح الذي احدثه المرض في أعلى ساقه. تتكرّر هذه الصورة في اعمال عديدة تعود إلى بدايات عصر النهضة، منها لوحة أنجزها بارتوليميو ديللا غاتا في 1479، ولوحة أنجزها بارتوليميو فيفراني في 1480، ولوحة أنجزها كارلو كريفيللي في 1493. في مطلع القرن السادس عشر، صوّر مؤسس مدرسة البندقية جيورجيون هذا القديس وهو يتطلّع في اتجاه مريم العذراء والطفل يسوع، كذلك صوّره بياترو باولو أغابيتي في 1528 وسط الغابة التي لجأ إليها، وظهر في هذه اللوحة منحني الرأس، كاشفاً عن الجرح الذي أصاب أعلى ساقه.

في تلك الفترة بالذات، بدأ العمل على تزيين مجمّع القديس روكز في البندقية، وهو المجمّع الذي أنشئ بعد نقل رفات القديس من موطنه إلى البندقية في 1484، وذلك لمكافحة الطاعون بأشكاله المختلفة، ومساعدة السكان على مواجهته، وقد ضمّ هذا المجمّع كنيسة كبيرة ومبنى عُرف باسم "المدرسة الكبيرة". تحمل كنيسة هذا المجمع اسم القديس روكز، وتحوي لوحة زيتية يبلغ طولها زهاء سبعة أمتار، تمثّل هذا القديس وسط جمع من المصابين بالطاعون.

تعود هذه اللوحة إلى العام 1549، وهي من توقيع ياكوبو تينتوريتو، أشهر وأعظم فناني مدرسة البندقية في القرن السابع عشر. يحتلّ القديس وسط الصورة، منحنيا في اتجاه مريض عارٍ يرفع بيده اليسرى رجله نحو الأعلى. عن اليمين، نرى حشداً من المرضى، يتقدّمهم رجل عارٍ يجلس على الأرض، وهو يتطلّع في اتجاه روكز، وتظهر عن يساره جثّة رجل ممدّدة خلف قدمي القديس. في الجهة المقابلة، يحضر حشد آخر من المرضى تتوسّطه امرأة ممدّدة على فراش أبيض. يتطلّع هؤلاء المرضى في اتجاه القديس كأنّهم يستغيثون به، وتبدو عليهم سمات الألم والسقم والوهن الشديد.

في العام 1567، عاد تونتريتو إلى هذا المجمّع وأنجز لوحة من الطراز نفسه تمثّل روكز في السجن وسط مجموعة من الأسرى المكبّلين في الأصفاد. يتمدّد القديس في الوسط، وينحني من خلفه شيخ مسنّ يساعده على النهوض، ويحضر في القسم الأعلى من التأليف ملاك يحلّق في اتجاه القديس. يتحوّل جمع الأسرى إلى جمع شهود تتجّه أنظارهم في اتجاه الملاك المرسل، وتبدو إمارات الدهشة والذهول على وجوههم. عن يمين القديس، يقف أسير يرفع يديه نحو صدره مبتهلاً، وعن يساره، يجلس أسير آخر يضمّ يديه نحو الأعلى مصلّيا.

بحسب السيرة المتداولة، قبل أن يلفظ القديس أنفاسه الأخيرة ويسلم روحه إلى الله، تراءى له ملاك الرب، وسطع نور ساطع في الزنزانة، وقد استمدّ الرسام موضوع اللوحة من هذه الحادثة، وترجمها بلغة تشكيلية بديعة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها