آخر تحديث:14:11(بيروت)
الخميس 21/01/2021
share

المدينة الرياضية في تقلباتها...الجمهورية وبابا نويل وحرب وفضائح

محمد حجيري | الخميس 21/01/2021
شارك المقال :
  • المدينة الرياضية في تقلباتها...الجمهورية وبابا نويل وحرب وفضائح
    المديتة في بداية الستينيات
  • المدينة الرياضية 1972
    المدينة الرياضية 1972
  • الغارة الاولى
    الغارة الاولى
  • شارون مر من هنا
    شارون مر من هنا
  • إنها الحرب
    إنها الحرب
  • المدينة
    المدينة
  • شغب
    شغب
  • محمود درويش وماجدة الرومي وخلفهما رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان (2002)
    محمود درويش وماجدة الرومي وخلفهما رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان (2002)
لم يكن مستغرباً أن تتحول مستودعات المدينة الرياضية في بيروت، مادة للتهكم والطرائف في وسائل التواصل الاجتماعي... فدولة "العهد القوى"(العونية)، تركتْ المساعدة العراقية (الطحين) في المستودع حتى بلّله الدلف وتسرُّب المياه في زمن بحث المواطن عن رغيف، ودولة "المقاومة" (الثنائي الشيعي) أهملت المساعدة القطَرية (أجهزة تنفس) في حين يبحث غرقى الكورونا في لبنان عن قشة للنجاة... 

في الواقع، هذه الكتلة الصماء، المدينة الرياضية المحاطة بأحزمة البؤس والشقاء، تشكّل مرآة للحياة السياسية اللبنانية بين الأمس واليوم. فحين أنشأتها، أواخر العام 1957، الوزارةُ اللبنانية للشباب والفنون الجميلة في عهد الرئيس كميل شمعون، كانت تُعتبر، مع مجموعة من المنشآت (مصلحة الليطاني، كازينو لبنان، مهرجانات بعلبك) "البنية التحتية للجمهورية الأولى"، وكثيراً ما بدا نشر صور المدينة ونشاطاتها، في زمنها الأول، تعبيراً عن نوسالتجيا لتلك الجمهورية وزمن ما قبل الحرب. فلطالما تصفحنا في "فايسبوك" صوراً للمدينة وعلى أبوابها طوابير المواطنين يتهيأون لحضور حدث كروي أو ترفيهي، أو تُنشر صور لفرق دولية ونجوم عالميين (البرازيلي بيليه) زاروا المدينة ولعبوا على أرضها، أو حتى بابا نويل يهبط بالطائرة ويوزع هدايا على الجمهور في نشاط ضخم نظمته صحيفة "لوريان لوجور" الفرانكوفونية العام 1972.. ولم يمر زمن طويل حتى ظهر بابا نويل مسلحاً في الحرب، والمدينة مجرد أطلال.

ففي 4 حزيران/يونيو 1982، كانت الغارات الإسرائيلية على المدينة، بحجّة وجود مقاتلين فلسطينيين في منشآتها، شرارة اجتياح بيروت بعد يومين، إذ تبين أن الهدف من تدمير هذا الصرح كان القضاء على أطنان من المواد الغذائية المخزنة في سراديبها، بحسب جريدة "اللواء"، لتسهيل عملية حصار العاصمة الذي أعلن لاحقاً، وتقويض سبل صمودها. والغارة  الشارونية عاثت خراباً في المجمّع الرياضي لتخرجه من الخدمة بدما دمّرت معظم منشآته.


وتحول المكان، بعد تدميره، إلى مجمع يعج بمحال الميكانيك لتصليح الآليات، وتنامت في محيطه العشوائيات وغرف الصفيح والتنك، قبل أن يعيد إليه الرئيس رفيق الحريري، الحياة، بدعم سعودي وكويتي، فأزال منشآته المتهالكة بالكامل، للمباشرة في إعادة بنائه كواحد من أهم الملاعب في الشرق الأوسط. فاستضاف منافسات دورة الألعاب العربية العام 1997، ويومها قيل إن الحكومة أنفقت أموال الإعمار على منشآت غير انتاجية، وسرعان ما حصل اصطفاف طائفي حول اسم المدينة الرياضية، هل يبقى اسمها "مدينة كميل شمعون الرياضية"؟ كانت البلبلة الطائفية حول التسمية، جزءاً من التحول في السياسة اللبنانية في زمن الوصاية السورية، وشكّلت امتداداً للحرب الأهلية. فالمدينة الرياضية كانت على حدود "جمهورية الفاكهاني" العرفاتية في منطقة الطريق الجديدة، وتطلّ على الميدان الذي ارتُكبت فيه مجزرة صبرا وشاتيلا على إيدٍ إسرائيلية و"قواتية" (أنصار إيلي حبيقة وجيش لبنان الجنوبي)، في حين أن الشاهد الأبرز على "التحول السياسي" تجلّى في تسمية اوتوستراد المدينة الرياضية بـ"جادة حافظ الاسد" مع وضع مسلّة باسمه عند مستديرة السفارة الكويتية.

كان رفيق الحريري يعتبر المدينة الرياضية، من إنجازاته، وأنه لم يرمّمها، بل أعاد بناءها. وفي 12 حزيران/يونيو 1999، غنّى بافاروتي أمام 17 ألف شخص ملأوا المدرّجات، وكان برفقته كاميلا ريميجيو، وأوركسترا بودابست الفيلهارمونية، لتكون الحفلة الوحيدة واليتيمة لهذا التينور العالمي في الشرق الأوسط. وأقيمت في المدينة أيضاً، دورة الألعاب الفرانكوفونية 2009، ونهائيات كأس آسيا 2000.

وفيها، نظمت جريدة "السفير" العام 2002 نشاطاً ضخماً شارك فيه كل من الشاعر الراحل محمود درويش والفنانة ماجدة الرومي والموسيقي أحمد قعبور، دعماً لفلسطين، وشهد الحدث اختلاط الأعلام الفلسطينية بالأعلام اللبنانية، ورُفعت صُور ياسر عرفات في زمن الوصاية السورية، واختلطت المعاني بالمباني. فالفنانة فلسطينية الأصل، ماجدة الرومي، التي أتت لتغني فلسطين، ذكرت أنها استعارت "حاصر حصارك" من شِعر محمود درويش، لتغني مع إخوتها اللبنانيين حين كانوا محاصَرين يسعون إلى الحرية. وعندما أطلقت ماجدة أغنيتها، كادت الأغنية ان تتحول نشيداً عونياً، حتى إن محمود درويش اضطر للقول، خلال حضوره إحدى الحفلات في باريس، أنه لم يكتب هذه الأبيات كرمى لميشال عون، على ما ينقل الراحل سمير قصير في مقال له في جريدة "النهار". 

وعدا النوستالجيا والحرب والثقافة، تبقى المدينة الرياضية، الشاهد الأبرز على شغب الملاعب في لبنان. فمع نهاية كل مباراة بين بعض الفرق اللبنانية، كانت المدرجات الزرقاء تتحول حطاماً، كأن الذين يحضرون المباريات غرباء عن هذا البلد...
واليوم، في زمن كورونا، يرى اللبنانيون "أن المدينة تستخدم لكل شيء، عدا الرياضة"، اذ قررت الدولة تحويلها مستودعاً تنبعث منه فضائح يومية.

(*) صور المقال من الانترنت وفايسبوك ووكالة "فرانس برس".. وصورة بابانويل من صفحة "أرشيف لبنان".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها