آخر تحديث:12:49(بيروت)
الإثنين 18/01/2021
share

ساندي شمعون في "أحلام الخيال"..تحية للحالمين في الجبهات الأمامية

حسن الساحلي | الإثنين 18/01/2021
شارك المقال :
  • ساندي شمعون في "أحلام الخيال"..تحية للحالمين في الجبهات الأمامية
    تصميم باسم سعد
  • احلام
    احلام
بعد سبع سنوات من الغناء في "مترو المدينة"، حيث عُرفت بشكل خاص بأعمال الشيخ إمام وريبرتوار الثمانينات والسبعينات، أطلقت ساندي شمعون أول تراك منفرد لها، تحت عنوان "أحلام الخيال" (ضمن ثلاثية تتمحور حول انتفاضة 17 تشرين).

تولت شمعون بنفسها، جوانب الإنتاج المختلفة للأغنية المنفردة، من تصميم الصوت إلى الموسيقى والغناء، خارجة بذلك عن صورتها المعتادة كمؤدية حصراً لأعمال مغنين معروفين (ميكسينغ مع خيام اللامي وماسترينغ Modular Mind)، مع أن هذا التحول لم ينحصر في دورها وموقعها الوظيفي، بل أيضاً في المفهوم الذي تتبناه للموسيقى، والتي لم تعد محدودة في ما هو موسيقي أو هارموني حصراً، بل تتخذ منظاراً أكبر، يلجأ إلى هامش واسع من أدوات التعبير والإمكانات التي تقدمها برامج الكومبيوتر من تصميم وتحويل للأصوات الحية والالكترونية في آن.


تتناول المقطوعة لحظة 17 تشرين 2019، محاولة توثيق ما تبقى من ذلك الإحساس الذي اختبرته شمعون مع آلاف غيرها من اللبنانيين. من أجل الوصول إلى هذا الهدف استندت إلى مقاطع صوتية وفيديوهات سجلتها في تلك الليلة، توثق إيقاعات وأصوات وهتافات تم تحويلها وتغيير هويتها، مع إضافة عينات من إيقاعات شعبية لنعيم الشيخ، ومقاطع بصوتها، تبدأ بابتهال لمحمد عمران، قبل أن تذهب إلى أمكنة أخرى، لا تبتعد كثيراً عن الأداء الديني.

تبدو الخلطة، للوهلة الأولى، غريبة إلى حد ما، خصوصاً أننا نتحدث عن حدث ثوري وسياسي في الأساس. فما الذي تفعله إيقاعات نعيم الشيخ الحزينة، مع ابتهالات محمد عمران المتضرعة لله، وهتافات الثوار الحماسية في الشارع؟

ربما المشترك الأبرز بين العناصر التي تولّف "التراك"، هو أنها مأخوذة من أعمال تمتلك أثراً تخديرياً أو "سايكودليك" بالتعبير المتعارف عليه موسيقياً، ما ينطبق على إيقاعات نعيم الشيخ المهلوسة في كآبتها "أنا رايح طق" (يصف موقع "ويكيبيديا" نمط نعيم الشيخ بالسايكدليك فولك) والابتهال الديني الذي يعطي شعوراً بالخشوع والتخدير الصوفي. أما المقاطع المأخوذة من الشارع، حيث نسمع أصوات الجماهير بشكل متزامن، فهي بلا شك، لا تقل تخديرية، وربما تفوق جميع الأمثلة السابقة من ناحية أثرها في الفرد الذي يذوب بين الجموع ويتحول إلى جزء من ذاتٍ أكبر، تَخلق، في لحظة معينة، عوالمها المتخيلة وأحلامها الموحدة.

في وصفها لما حصل في ليلة 17 تشرين 2019، تقول ساندي شمعون: "مثل فاقدة للوعي، مشيت في الشوارع بلا هدف محدد. المسافات بدت قريبة، رغم بُعدها، ونبع من اليوفوريا بدأ يتدفق في جسدي، على إيقاع الغضب والنيران المشتعلة في كل مكان. سريعاً، شعرتُ بالعطش بسبب كم الطاقة والحماس العارم، وهي عوارض شبيهة بالتي يختبرها الذين يأخذون الحبوب المخدرة في الحفلات. حتى حين اضطررت للذهاب إلى المستشفى مع صديقة كسرت يدها، بعد منتصف الليل، وجدت نفسي غير قادرة على التوقف عن المشي بينما كل شيء في داخلي يشعر بالإنشداد إلى هناك، حيث الحياة كانت كحلم يقظة صعب التحقق".

تُذكّر شهادة شمعون، خصوصاً الجزء الذي يظهر الخلط بين الواقع والحلم، بحديث ميشال فوكو عن الثورة الإيرانية العام 1979، وتحديداً إحالته إلى المشاعر القيامية أو الرؤية الدينية الأخروية التي دفعت الجماهير للنزول إلى الشارع ومواجهة الموت. وقد استُعيد فوكو مع بداية الثورات العربية، لأن البعض رأى أن تناوله لدوافع نزول الجماهير في إيران، يمكن أن نجد صداه في سوريا مثلاً، لتفسير اللحظة الثورية التي جمعت الناس في مواجهة نظام المجزرة.

من ناحية أخرى، أي شخص نزل إلى الشارع في 17 تشرين 2019، لا بد لمس سلوكيات تبدو شبيهة بالطقوس أو الشعائر، لا سيما في علاقة الناس مع النار التي ملأت الشوارع أياماً  وليالي متتالية. من دون شك، لم يكن هناك اي تصور فعلي لما أراده اللبنانيون يومها، والمشاعر المتضاربة التي خلطت الخيال بالواقع طغت في البداية على أي تفكير سياسي واقعي، لكنها، في الوقت نفسه، هي التي جعلت كل شيء ممكناً في أذهان الناس، مؤكدة قدرتهم على إزالة السلطة وتغييرها، وهي الأحلام والتخيلات نفسها التي جعلت السلطة في لبنان تحسب حساباً للانتفاضة، في تلك اللحظة، وربما خافت فعلاً، لأن الجميع فهم يومها أن الخيال يمكن أن يصبح حقيقة.

تقول شمعون إن "أحلام الخيال" هي محاولة لتوثيق المشاعر التي اختبرتها في تلك الليلة، والتي تعجز عن قولها بالكلمات. في الوقت نفسه، يبدو استخدامها لإيقاعات نعيم الشيخ، وتسمية الثلاثية "فتى 17 تشرين"، بمثابة تحية لأولئك الذين كانوا في الجبهات الأمامية، ولولاهم لما كان شيء ممكناً. لذلك لا بد من قراءة النَّفَس الديني والهلوسي في الأغنية، كإحالة إلى المشاعر التي اختبرتها واشتركت فيها شمعون، مع اولئك الذين واجهو الموت، وكجزء من التوثيق لتلك الحالة السابقة على السياسة، والسياسية في آن، التي مر بها آلاف اللبنانيون عندما حلموا بواقع آخر وبديل عما يعيشونه وعاشوه منذ عقود.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها