آخر تحديث:12:18(بيروت)
الأحد 17/01/2021
share

أوهام البحبوحة... شيء من ذاكرة العشوائيات اللبنانية

محمد حجيري | الأحد 17/01/2021
شارك المقال :
أوهام البحبوحة... شيء من ذاكرة العشوائيات اللبنانية صورة أرشيفية لتل الزعتر
حين طلبتُ من أحد أصدقائي، أن يخبرني قليلاً عن حياته في الستينيات والسبعينيات، خلال سكنه لفترة وجيزة في مخيم تل الزعتر، ثم نزوله إلى المدينة(بيروت)، بداً متردّداً في البداية، ويحاول تجنّب هذا الحديث... قال إنه "ليس من المغرمين بنشر السيرة الشخصية"، وأردف "قرأتُ يوماً كلاماً للراحل منح الصلح، يقول فيه إن هناك نوعين من الكتابة: نوعٌ للنشر يعالج فيه قضايا عامة، ونوع يعبّر به عن نفسه وهو ليس للنشر". أضاف "من منا ليس لديه هذا الركن الحميم في نفسه الذي يعتبره حرمة خاصة أو شخصيّة ليس من شأن الأخرين أن يعرفوها، فمرحلة المراهقة عندي تضجّ بالحيثيات، ربما كغيري، لا أستسيغ الدخول في تفاصيلها. وعندما تتجاوز الجانب الشخصي، وهو التجربة الحقيقية، وتبدأ بالحديث عن العموميات المعروفة للجميع، يصبح الحديث كليشيهات محفوظة تجده في أي جريدة صفراء".

في المحصلة، أقنعت صديقي العزيز أني لا أريد أموراً شخصية أو ذاتية أو حميمة، بل أتوخى صورة عامة، أهدف من خلالها إلى بعض المعلومات والأرقام التي تعري "الزمن اللبناني الجميل" من البحبوبة المزعومة، بل تعري الاقتصاد اللبناني من تخاريف الرفاه الممجّد، والغاية كتابة نص روائيّ عن الحياة في تلك المرحلة. حينها لم يمانع الصديق في الإدلاء ببعض المعلومات المبسّطة، التي ربما تختصر الماضي والحاضر في الجمهورية اللبنانية... قال إنه أتى بيروت في منتصف الستينيات، قاصداً العمل في الصيف، هارباً من الفقر المدقع في المناطق المهمّشة في البقاع، ولم يجد مأوى غير مخيم أو عشوائية تل الزعتر في شرق بيروت، حيث كان سكانه خليطاً من اللبنانيين والفلسطينيين، من الفقراء والمهمّشين، من العمال والحزبيين، استأجر"غرفة"(تخشيبة) بعشر ليرات شهرياً، والغرفة عبارة عن خيمة تنك مستعمل، براميل قديمة وألواح خشب معاكس مجموعة بعدة مورينات على أرضٍ، أحياناً معبّدة بالباطون وأحياناً أخرى ترابية. في أيام الصيف تصبح فرناً، وفي الشتاء باردة ولا ترد المطر. كانت الحياة بسيطة والناس قنوعة، يكتفي الواحد منهم باللقمة إذا وُجدتْ. يضيف "كنتُ أعمل في ورشة بناء بنصف دوام، الأجرة اليومية لا تتخطى الليرتين ونصف الليرة يومياً (أجرة الفاعل خمس ليرات) وكان الخبز يباع على الوزن، الكيلو بنصف ليرة... أجرتي أنا الشاب العشريني والطالب الجامعي في اليوم تشتري خمسة كيلوات خبز"، أورد هذه الأرقام رداً على أولئك الذين يتغنون بـ"عودة لبنان أحسن مما كان"... أقول لهم "كان لبنان مزدهراً لأصحاب البنوك والشركات، أما أحزمة البؤس فهذه أحوالها. كان التلفزيون يفتح الساعة السابعة "كنا نسمع ونشاهد قناتين: القناة 7 تبث من تلة الخياط، والقناة 11 من الحازمية، فيقدّم التلفزيون نشرة اخبار ويتهافت ابناء المخيم إلى تخشيبة كما يسمونها، للحضور، تكون في النهار "قهوة"، وفي السهرة تتحول إلى قاعة تلفزيون بربع ليرة. نحضر حكايات أبو ملحم أو فرقة أبو سليم الطبل، ويقفل التلفزيون الساعة الحادية عشرة". ويورد الصديق "بعد أن استأجرت تخشيبة تنك(تحديداً عام 1966)، اقتنيت بابور كاز ومقلاة، وقررتُ أن أكون إدارياً لكي يكفيني مدخولي، فقبضت جمعيتي ونزلت إلى سوق الخضر، القريب من ساحة البرج، حيث الأسعار تكون أرخص، لأتموّن لبقية الأسبوع القادم، فاشتريت بطاطا وبندورة وباذنجان وخبز، علني أطبخ كما سيدات البيوت، فاكتشفتُ أن ما بقي معي، لا يكفي مواصلات، ناهيك عن ايجار الغرفة".

كان هذه الواقع في منتصف الستينيات، وتطورت الأمور في مخيم تل الزعتر إلى أن اصبح كارثة من كوارث الحرب الأهلية، ومات فيه العامل والمسلح والطفل، بل كان مقدمة لموت لبنان... كان مخيم تل الزعتر عشوائية واليوم يبدو لبنان كله عشوائية بل ان العشوائيات تمتّد من البحر المتوسط إلى بلاد ما بين النهرين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها