آخر تحديث:13:08(بيروت)
الأربعاء 13/01/2021
share

خذني واترك قاسم سليماني

محمد حجيري | الأربعاء 13/01/2021
شارك المقال :
خذني واترك قاسم سليماني تمثال لسليماني في طهران
اعترف المستشار العسكري للمرشد الإيراني، اللواء يحي رحيم صفوي إن قائد فيلق القدس قاسم سليماني أسّس 22 لواءً للحشد الشعبي في العراق، و60 "لواءً شعبياً" في سوريا. وأوضح صفوي أن الميليشيات الـ60 التي أسّسها سليماني في سوريا تضم 70 ألف مقاتل من قوات ما تعرف بـ"التعبئة الشعبية السورية"، ودافع عن دور بلاده في إنشاء "مدرسة سليماني" في المنطقة، ووصفها بـ"تحويل التهديدات إلى فرص"، معتبراً وجود هذا العدد من الميليشيات المسلحة إلى جانب الجيشين التقليديين السوري والعراقي "أمراً صعباً ومهماً".

والحق أن أفعال قاسم سليماني لا تحتاج إلى اعتراف إيراني، فهي ليست سرّية، ومتداولة في وسائل الإعلام المرئية، وعلى الملأ... وطوال سنوات الحرب السورية وحتى العراقية، حين كانت تحتدم المعارك وتدمّر مدينة من المدن الكبرى، وبعد الانتهاء من المعركة، غالباً ما يكون توقعنا أن يأتي قاسم سليماني موقعاً على تدمير مدينة أو منطقة بالظهور في شوارعها، اي موقعاً الحرب والتهجير بصورته، إذ كان يطل بين المقاتلين بشعره الأبيض، ولحيته المشذبة جيدًا، وعينيه المشعتان "تحفظًا وحذرًا"، وهو بحسب توصيف مجلة "نيويوركر" يتمتع بحضور مذهل. يكون في الغرفة عشرة أشخاص، وعندما يدخل سليماني، لا يأتي ويجلس معك، بل يجلس وحده بكل هدوء في الجهة المقابلة من الغرفة. لا يتكلّم ولا يعلّق. يكتفي بالجلوس والإصغاء. لذلك يبدأ الجميع التفكير فيه".

وبحسب الباحث آراش عزيزي في مقابلة أجراها مايكل يونغ لموقع "كارينغي"، روّج سليماني "سياسات شيعية ازداد طابعها الطائفي في أنحاء المنطقة". ومنذ تسلم قيادة فيلق القدس، سعى "إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط بما يتناسب مع مصالح إيران. فعمل كوسيط داعم وقوة عسكرية. وشملت مناوراته اغتيال الخصوم، تسليح الحلفاء، وتوجيه شبكة من المجموعات المقاتلة، طوال عقد تقريبًا، لقتل مئات الأميركيين في العراق". وبدا أن صيت التنظير للفوضى في الشرق الأوسط، لأميركا، والفعل لسلماني، فهو بحسب "نيويوركر": "شجّع، في مطلع الحرب على العراق، رئيس استخبارات نظام الأسد، على تسهيل حركة المتطرفين السنّة في سوريا بهدف محاربة الأميركيين. حتى تنظيم القاعدة حظي في حالات كثيرة بحرية أكبر في إيران أيضاً". والدور السليماني في الشرق الأوسط شبيه بدور اللواء غازي كنعان في لبنان، فالأخير كان قائد الرصد والاستطلاع في القوات العربية السورية العاملة في لبنان، في زمانه "لم تبقَ جماعة لم تنقسم على نفسها تدريجاً وبطيئاً، الا إذا كان انقسامها يعود على "الراعي السوري" (وهذا من أسماء السياسة السورية الحسنة) ضرراً وخسراناً"(وضاح شرارة_ "أحوال أهل الغيبة") و"أرجع القوات السورية الى بيروت بعد تمهيده الطريق بواسطة اقتتال درزي – شيعي، وشيعي – شيعي، وشيعي – شيوعي، وسني – شيعي، على فصول متناسلة. وبينما كان يمهد لـ"إصلاحات دستورية" في ختام 1985، فجمع أطراف "الاتفاق الثلاثي" الذي شق "القوات اللبنانية" والمسيحيين عموماً، رعى هو و"الحرس الثوري" الإيراني بلورة "المقاومة الاسلامية"، قوة عسكرية وأمنية مهيمنة، وذراعاً لـ"حزب الله" المنظمة السياسية والايديولوجية والاجتماعية، ونواة طبقة حاكمة مذهبية".

وكل هذا السلوك الكنعاني الأسدي صدع لبنان لكنه انتهى في لحظة، ولا ندري إن كان الدور السليماني الباسيجي سيكون مآله كمآل قرينه السوري في الوقت القريب. فسليماني، الذي اغتالته أميركا بطائرة من دون طيار في قلب بغداد، كان يرمز صعوده إلى "مستوى التهميش الذي تمارسه قوات حرس الثورة الإسلامية بحق المؤسسات الرسمية"(الإيرانية). ويُعد سليماني من الرجال الأكثر نفوذًا في إيران، لكن منصبه الرسمي غير وارد في الدستور، ولا في هيكليات السلطة الرسمية. وبعد وفاة خامنئي، قد تصبح قوات حرس الثورة الإسلامية صانعة ملوك.

لكن هذا المصير ليس حتميًا، إذ أثبتت إيران مرارًا وتكرارًا مدى صعوبة التنبؤ بأفعالها"(آراش عزيزي). ودور سليماني وحرسه الثوري في إيران والشرق الأوسط، هو مثيل دور حسن نصرالله وحزبه في لبنان. فصناعة السياسة المحلية اللبنانية، باتت منوطة بما يمليه الأمين العام في خطابه، وما يقرره، وما يسعى إليه، وهو(أي سماحته) بمكان ما، منذ تزايد صعود دور حزبه بعد انسحاب القوات السورية، فرض مع "حلفائه" سياسات جديدة تخطت قواعد الدستور، وأرسى التعطيل ركناً في حياة اللبنانيين...
 
وإذا كانت التحولات سوريا الأسد، دفعت غازي كنعان الى "الانتحار بخمس رصاصات"، فالتحولات الأميركية - الترامبية أفضت الى اغتيال سليماني بعد تضخم أدواره وتزايد أذرعه في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين. ومع أن سليماني ترك الشرق الأوسط مسرحاً للتراجيديا والمآسي والتهجير والنزاعات، لكنه في "وجدان" مَن يعتبره قائد "محور المقاومة"، تحول مقدساً، ليصبح درساً وامتحاناً (حرفياً) في بعض المدارس التابعة لحزب الله، وينسب الى مجموعة إيرانية في مدينة دير الزور السورية أنها استولت على منزل صلّى فيه سليماني وحولته مزاراً... ونصبت له عشرات التماثيل في المدن الإيرانية وغيرها، الكثير منها صار موضع سخرية بسبب قبحه وفقدانه لأي ذوق فني أو نحتي، وبعضها تحول الى محجة، إذ توقف بعضهم لتقبيل جبين تمثال سليماني الشمعي.

وتبقى أبلغ تعبير عن التقديس، مقتطفات من مقابلة مصورة مع نصر الله، افترض خلالها حضور ملك الموت إليه، ليخيره ما بين قبض روحه أو روح سليماني، فقال: "كنت لأقول لملك الموت قطعاً: خذني واترك قاسم سليماني". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها