آخر تحديث:18:45(بيروت)
الثلاثاء 12/01/2021
share

"نار شاحبة".. فلاديمير نابوكوف بالعربية

المدن - ثقافة | الثلاثاء 12/01/2021
شارك المقال :
"نار شاحبة".. فلاديمير نابوكوف بالعربية
يصدر قريباً عن منشورات "الجمل" كتاب "نار شاحبة" لفلاديمير نابوكوف، ترجمة محمد جليد. هنا مقاطع من الكتاب، ننشرها بالاتفاق مع الناشر...

إلى 'فيرا'

يذكرني هذا بالتقرير المضحك الذي سلّمه للسيد 'لانغستون'، عن الحالة المزرية لنبيل شاب من أسرة كريمة. "سيدي، عندما سمعت عنه آخر مرة، كان يطوف بين أرجاء البلدة، يعدم القطط رميا بالرصاص." ثم تذكر قطّه المفضل، فيما يشبه حلم يقظة، وقال: "لكن 'هودج' لا ينبغي أن يقتل؛ لا، لا. يجب ألا يقتل 'هودج'".

'جيمس بوسويل'، حياة صامويل جونسون 


تـوطـئــــــــــــة
 

نار شاحبة قصيدة ذات مقاطع ملحمية ثنائية، تقع في تسعمائة وتسعة وتسعين بيتا، وهي مقسمة إلى أربع قطع، ألّفها 'جون فرنسيس شايد' (الذي رأى النور يوم خامس يوليوز 1898، وتوفي يوم 21 يوليوز 1959) خلال الأيام العشرين الأخيرة من حياته، ببيته في 'نيوواي'، بـ'أبالاتشيا' بالولايات المتحدة الأميركية. إذ يتألف المخطوط، ومعظمه نسخة منقحة استُنْسِخ منها هذا النص بأمانة، من ثمانين جذاذة مفهرسة متوسطة الحجم، احتفظ 'شايد' في أعلى كل واحدة منها بالخط الفوقي الوردي لتسجيل بعض رؤوس الأقلام (رقم القطعة، التاريخ) واستخدم الخطوط الزرقاء الفاتحة الأربعة عشر ليحرر نصَّ قصيدته، بريشة حادة وخط رقيق وأنيق وواضح بشكل لافت للنظر، تاركا سطرا فارغا بغية إظهار بياض مضاعف بين الأبيات، مستعملا جذاذة جديدة على الدوام ليستهل قطعة جديدة.

تشغل القطعة القصيرة (166 بيتا) الأولى، بكل ما تحتويه من تلك الطيور المدهشة والشموس الكاذبة، ثلاث عشرة جذاذة. وتبدو القطعة الثانية، الأثيرة عندك، والقطعة الثالثة، تلك الدالة على البراعة والألمعية بوقعها الصادم، متماثلتين من حيث الطول (334 بيتا)، وتغطي كل واحدة منهما سبعا وعشرين جذاذة. وتؤول القطعة الرابعة إلى الأولى، لتعتمد طولها، فتشغل مجددا ثلاث عشرة جذاذة، حيث تقدم الأربع الأخيرة منها، تلك التي استعمل يوم وفاته، نسخة مصححة بدل نسخة خالية من الأخطاء.

اعتاد 'جون شايد'، وهو رجل منهجي، أن ينسخ حصته اليومية من الأبيات التامّة عند انتصاف الليل، لكن وإن نسخها ثانية في وقت لاحق، إذ يخامرني شك أنه فعل ذلك أحيانا، فإنه وسم جذاذته أو جذاذاته، لا بتاريخ تعديلاته النهائية، وإنما بتاريخ مسودته المصححة أو النسخة الصحيحة الأولى. أعني أنه احتفظ بتاريخ الإبداع الفعلي بدل تاريخ الأفكار الثانية أو الثالثة. ثمة منتزه ترفيهي صاخب أمام بيتي الحالي مباشرة.

نملك في النهاية رزنامة كاملة لعمله. إذ بدأ القطعة الأولى في الساعات الأولى من صباح يوم ثاني يوليوز، وأنهاها يوم الرابع منه. وشرع في القطعة الموالية يوم عيد ميلاده، وأكملها يوم 11 يوليوز. وكرس أسبوعا آخر للقطعة الثالثة. وانطلق في القطعة الرابعة يوم 19 يوليوز، وتمدنا النسخة المصححة، كما سبقت الإشارة، بالثلث الأخير من نصها (الأبيات 949- 999). يبدو هذا الثلث من حيث المظهر غير مهذّب إلى حد كبير، حيث يعج بحالات محو أشعى وحشو فادح، ولا يقتفي نهج أبيات القطعة بصورة صارمة كما في النسخة المنقحة. في الواقع، يظهر في النهاية أنه دقيق على نحو جميل ما إن تغوص فيه وتجبر نفسك على أن تفتح عينيك على الأغوار الشفافة تحت سطحه المضطرب. إذ لا يحتوي على أي بيت به ثغرة، أو قراءة مبهمة. تكفي هذه الحقيقة لتبيان أن الاتهامات الواردة (يوم 24 يوليوز 1959) في حوار صحافي مع واحد من 'شايديينا' المدّعين- الذي أكد دون أن يطلع على مخطوط القصيدة أنها "تتألف من مسودات، لا تفضي أي واحدة منها إلى نص تام"- هي تلفيقات خبيثة من أولئك الذين لا يأملون كثيرا في أن يستنكروا الحالة التي أوقف بها الموتُ عملَ شاعر عظيم، بل أن يطعنوا في كفاءة محققها الحالي وشارحها، وربما في نزاهته.

يشير تصريح آخر أدلى به الأستاذ 'هورلي' وعصبته علنا إلى مسألة بنيوية. أقتبس من الحوار ذاته: "لا أحد بمقدوره التنبؤ بمدى الطول الذي خططه 'جون شايد' لقصيدته، لكن من المرجح أن ما خلفه يمثل جزءا صغيرا فقط من التأليف الذي رأى انعكاسه في المرآة على نحو غامض." سفاسف مرة ثانية! عدا الجهر الصادق بالحجة الداخلية الداوية عبر القطعة الرابعة، تجزم 'سيبيل شايد'، في تأكيد لها (ورد في وثيقة بتاريخ 25 يوليوز 1959)، أن زوجها "لم يعتزم أبدا أن يتخطى أربعة أجزاء." إذ مثلت القطعة الثالثة، في نظره، الجزء ما قبل الأخير، ومن هنا سمعته بنفسي يتحدث عن ذلك، أثناء نزهة قبيل الغروب، عندما بدا كأنه يفكر بصوت مرتفع، وأخذ يراجع عمل ذلك اليوم ويومئ إلى رضا ذاتي يستحق الصفح، بينما رفيقته الكتوم ظلت تحاول عبثا أن تضبط خطوات مشيتها المتأرجحة بساقيها الطويلتين مع مشية الشاعر الشيخ الأشعث الذي يجر قدميه المتشنجتين. كلا، بل سأؤكد (بما أن ظلالنا مازالت تسير من دوننا) أنه لم يبقَ سوى كتابة بيت واحد من القصيدة (أي البيت الألف)، من شأنه أن يماثل البيت الأول ويتمم تماثل البنية، إلى جانب جزأيه المركزيين المتماثلين، المتينين والمسهبين، اللذين يشكلان مع الجانبين القصيرين جناحين مزدوجين من خمسمائة بيت في كل واحد منهما.. يالخسارة تلك الموسيقى. ليس بمقدوري أن أتصور، وأنا أعلم بمزاج 'شايد' الذي درج على تلك التوليفات، وإحساسه المرهف بميزان الإيقاع، أنه نوى تشويه وجوه بلورته بالتدخل في تطورها المتوقع. وإذا لم يكن هذا كافيا- وهو كافٍ- فقد سنحت لي الفرصة المثيرة لأسمع صوت صاحبي المسكين يعلن، عشية يوم 21 يوليوز، أنه انتهى من عمله، أو أوشك على النهاية. (انظر تعليقي على البيت 991.)

ربطت حزمة الجذاذات الثمانين هذه برباط مطاطي، وهأنذا أعيده الآن بعناية شديدة بعد أن فحصت محتوياتها الثمينة لآخر مرة. ثمة دزينة أخرى من الجذاذات، أضأل بكثير، شُدَّت معا ووضعت في مظروف مانيلا كما الحزمة الأساسية، وهي تحمل بعض المقاطع الثنائية الإضافية التي تجري مجراها القصير، والداخن أحيانا، وسط فوضى المسودات الأولى. كان 'شايد'، على جري عادته، يتلف المسودات ما إن تكفّ حاجته إليها؛ مثلما شاهدته من شرفتي، ذات صباح مشرق، يلقي بكومة كاملة منها في النار الشاحبة داخل الفرن، ثم وقف أمامها، حاني الرأس مثل مشيع رسمي بين الفراشات السوداء المحمولة على جناح الرياح في تلك المحرقة بالفناء الخلفي. لكنه أبقى على تلك الجذاذات الاثنتي عشرة بفضل العبارات غير المألوفة التي تسطع بين مسودات الصيغ المستعملة. ربما توقع بصورة غامضة أن يستبدل بعض المقاطع في النسخة المنقحة ببعض العبارات الجميلة المرفوضة في أضابيره، أو استحثه، على الأرجح، ولع خفي بهذا الزخرف أو ذاك، كَتَمَه لاعتبارات بنائية، أو لكونه أزعج السيدة 'ش.'، على تأجيل التخلص منها حتى يحين الوقت الذي ستؤكد فيه مخطوطة مصححة مطبوعة بالآلة الكاتبة اكتمالها المصقول، أو تجعلها الصيغة البديلة الأكثر إبهاجا تبدو مستثقلة ولاحنة. اسمحوا لي أن أضيف، بكل تواضع، أنه ربما نوى أن يطلب مشورتي بعد أن قرأ قصيدته على مسامعي، بما أنني على علم بأنه عقد النية على أن يفعل.

سيصادف القارئ، في تعليقاتي على القصيدة، هذه الأبيات الملغاة. تحدد مسوداتُ الأبيات النهائية مواضعَها، أو تقترحها على الأقل، في حواشيها المباشرة. ويكتسي الكثير منها، بمعنى ما، قيمة فنية وتاريخية أكبر من بعض أفضل المقاطع في النص النهائي. يجب الآن أن أشرح كيف انتهيت إلى تحقيق قصيدة نار شاحبة.

بعد أن توفي صديقي العزيز مباشرة، انتصرت على أرملته الذاهلة لأتربص بالأطماع التجارية وأهزم المكائد الأكاديمية التي لم تكن لتتوانى عن أن تحوم حول مخطوط زوجها (الذي نقلته بنفسي إلى مكان آمن قبل أن يوارى جثمانه الترابَ) بأن وقعت على اتفاق يشهد بأنه سلمني المخطوط؛ وأن أنشره دون تأخير، مرفقا بتعليقي، ضمن منشورات دار من اختياري؛ وأن جميع الأرباح، ما عدا نسبة الناشر، ستؤول إليها؛ وأن يسلم المخطوط يوم صدوره لمكتبة الكونغرس بغية حفظه إلى الأبد. أتحدى أي ناقد جادّ أن يجد هذا العقد مجحفا. ومع ذلك، وُصِف (على لسان محامي 'شايد' السابق) بأنه "مزيج رائع من المكر"، بينما تساءل شخص آخر (هو وكيله الأدبي السابق) بسخرية إن حُرِّرَ توقيع السيدة 'شايد' المضطرب "بنوع خاص من المداد الأحمر." لن تقوى مثل هذه القلوب، وهذه الأدمغة، على إدراك أن ارتباط المرء بتحفة قد يكون غامرا تماما، خصوصا عندما يكون وجه النسيج الداخلي هو الذي يخلب لبّ ناظره ومصدر إلهامه الوحيد، الذي يتواشج ماضيه الخاص هناك مع قدر المؤلف البريء.

كما أشرت، حسب اعتقادي، في تعليقي الأخير على القصيدة، فجرت قذيفة الأعماق المتمثلة في وفاة 'شايد' هذه الأسرار، ودفعت العديد من الحيتان الميتة إلى أن تطفو على السطح، إذ اضطررت إلى مغادرة 'نيوواي' بعيد مقابلتي الأخيرة مع القاتل المسجون. كان لا بد من تأجيل كتابة التعليق إلى أن أجد قناعا جديدا في محيط أكثر هدوءا. لكن لا بد من تسوية مسائل عملية متعلقة بالقصيدة على الفور. ركبت طائرة إلى نيويورك، واستنسخت المخطوط، وتوصلت إلى اتفاق مع أحد ناشري 'شايد'، وكنت على وشك أن أحسم الصفقة عندما قال مخاطبي، عَرَضا تماما، لحظة غروب هائل، (ونحن جالسان في حجيرة من خشب جوز وزجاج على علو خمسين طابقا فوق حركة الخنافس)، ملاحظا: "سيكون من دواعي سرورك بأن تعلم، يا دكتور 'كينبوت'، أن البروفيسور فلان الفلاني [وهو عضو من أعضاء لجنة 'شايد'] وافق على أن يكون مستشارنا في تحقيق هذا العمل".

صارت كملة 'سرور' تعني الآن فعلا ذاتيا للغاية. يقول مثل من أمثالنا 'الزمبلية' السخيفة: القفاز المفقود مسرور. أحكمت فورا إغلاق قفل محفظتي، ثم لجأتُ إلى ناشر آخر.

تخيل عملاقا لطيفا وأخرق؛ تخيل شخصية تاريخية تقتصر معرفتها بالمال على المليارات المجردة لديْن وطني؛ تخيل أميرا منفيا جاهلا بالمنجم الغني الكامن في أزرار أكمامه! أسوق هذا لأقول- آه، مطنبا- إنني أقل الناس إفادة في العالم. تصير العلاقات، بين شخص كهذا وثعلب كهل متمرس في عالم نشر الكتاب، مبهجة وحميمة على نحو مؤثر في البداية، تصاحبها مزحات غير متحفظة وجميع آيات الود. لا يراودني أي داع يدعو إلى افتراض ما من شأنه أن يمنع هذه العلاقة المبدئية مع 'فرانك' الشيخ الطيب، ناشري الحالي، من أن تبقى راسخة على الدوام.

أقرّ 'فرانك' باستلام مسودات الطبع التي سبق أن أرسلها لي هنا، وطلب مني أن أشير في تمهيدي- وأنا أفعل هذا عن طيب خاطر- إلى أنني أتحمل المسؤولية وحدي عن أي خطأ ورد في تعليقي. كان عليّ أن أضيفها قبل أن يتحقق منها مصحح محترف. أعاد مصحح محترف مراجعة نص القصيدة المطبوع بدقة، مقارنا إياها بنسخة المخطوط، فعثر على أخطاء مطبعية لم أنتبه إليها. وهذا كل ما تلقيته من مساعدة خارجية. لا داعي للقول كم كنت أتطلع إلى أن تمدني 'سيبيل شايد' بمعطيات سيرية غزيرة؛ ولسوء الحظ، غادرت 'نيوواي' حتى قبل أن أغادرها، وهي تقيم الآن مع بعض أقاربها في الـ'كيبيك'. لربما كنا سنتبادل، بالطبع، مراسلات مثمرة للغاية، لكن لم يكن ليتزحزح آل 'شايد' عن موقفهم. إذ توجهوا إلى كندا في حشود لينقضوا على السيدة المسكينة ما إن فقدتُ الاتصال بها وبمزاجها المتقلب. بدل أن ترد على رسالة أرسلتها منذ شهر من مغارتي في 'سيدارن'، أوردت فيها قائمة ببعض استفساراتي الملحة، مثل الاسم الحقيقي لـ'جيم كاوتس' وغيره، أرسلت لي فجأة برقية، تطلب مني أن أقبل البروفيسور 'هـ.' (!) والبروفيسور 'س.' (!!) شريكين في تحقيق قصيدة زوجها. كم فاجأني وآلمني هذا الأمر! بالطبع، حال ذلك دون التعاون مع أرملة صديقي الضالّة

'تشارلز كينبوت'

19 أكتوبر 1959، 'سيدارن'، 'أوتانا' 

  

نـــــــار شاحبـــــــة

قصيدة في أربع قطع

  

القطعة الأولى:

 

كنت ظلَّ شمعيِّ جناح، اغتالهْ                            1

اللازوردي الزائف على زجاج النافذهْ

كنت لطخةَ خملٍ رماديٍّ

ثم حييتُ، وحلّقتُ، في السماء المنعكسة

ومن الداخل، أيضا، تضاعفت

أنا، قنديلي، تفاحة في طبَقٍ

تركت الزجاج الداكن، وأنا أزيح ستار الليل

وعلقتُ كل الأثاث على العشب،

وكم كان بهيجا عند سقوط الثلج

حجبَ نظرتي إلى المرج وامتدّ              10

حتى يتماسك الكرسي والسرير تماما

على ذلك الثلج، في تلك الأرض البلورية!

 

أستعيد الثلج المتساقط؛ كل ندفة منقادة

وئيدة بلا شكل، متداعية عاتمة

ذات بياض أقتم باهت عكْسَ بياض النهار الشاحب

وأرْزات مجردة في النور المحايد

ثم الأزرق المتدرج والمزدوج

حين يوحّد الليلُ الرائي والمرأى،

وفي الصباح، ماسات الصقيع

أطرقت من الدهش: أي أقدام دابرة عبرت           20

من اليسار إلى اليمين صفحةَ الطريق البيضاء؟

وأنا أقرأ من اليسار إلى اليمين في شِفْرة الشتاء:

نقطة، سهمٌ مصوب إلى الخلف؛ أردّد:

نقطة، سهم مصوب إلى الخلف... قدما درّاجٍ

جمال طوقي، والقطا المتسامي،

يعثر على صينِك خلف منزلي تماما.

هل كان في 'شيرلوك هولمز'، هذا الخَدِين الذي

دلّت آثاره إلى الوراء عندما قلَب حذاءه؟



[1] The Halley Valley.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها