آخر تحديث:12:19(بيروت)
الثلاثاء 12/01/2021
share

تأميم الثقافة: مبدعون تحت الطلب يواجهون أعداء الدولة!

شريف الشافعي | الثلاثاء 12/01/2021
شارك المقال :
تأميم الثقافة: مبدعون تحت الطلب يواجهون أعداء الدولة! تدجين
المعنى الكامل لعُقم الأفكار هو أن يقترن تكرارها واجترارها بإهدار البُعد الزمني، فتصير هناك مأساتان معًا من المُضْحِكات المُبكيات التي صادفها المتنبي بمصر. الأولى: الحرص على استنساخ أمر ما ثبت فشله في حينه؛ حال ميلاده الأول. والثانية: تجاهل ظروف العصر وملابساته المختلفة، والتحولات المجتمعية والإقليمية والعالمية الشاملة، خصوصًا على مستوى التقنيات والاتصالات والتقارب الإنساني، وأن تصورّات الأمس ومعطياته ومخططاته لا تصلح (كما هي) لليوم كمبدأ عام، فما بال الكليشيهات المقترح فرضها على اللحظة الراهنة؛ ولم تكن صالحة في الماضي أصلًا؟!

لا تزال مؤسسة الثقافة الرسمية بمصر (الوزارة وقطاعاتها وهيئاتها)، والمبادرات والكيانات المتحدثة بلغة السلطة، تواصل إصرارها الفج على إفراز معانٍ ومفاهيم وسياسات تكرّس لتوجيه الآداب والفنون المتنوعة، أو بالأدقّ: تسييسها بمفردات النظام بمعنى تأميمها! فيصير هناك: إبداع إيجابي حميد (مَرضيٌّ عنه) تنتجه الشخصيات الوطنية الجديرة بالحظوة، وآخر سلبي خبيث بالضرورة ينتجه الفاسدون والمغضوب عليهم، ويستلزم الفصل بين السمين والغث وجود قوى علوية وكائنات فوقية متحكمة، تمتلك الذائقة الأرقى والعقل الأرشد والقدرة العمليّة على الفرز واتخاذ القرار بالتمرير أو المنع، حرصًا على مصلحة "الجماهير"!

"الكاريكاتير في مواجهة الإعلام المُعادي"، عنوان حماسي إرشادي لمسابقة فنية ليست في العهد الناصري الذي كانت وزارة الثقافة المصرية فيه تسمّى صراحة "الإرشاد القومي" إمعانًا في إثبات دورها التلقيني الانتقائي، وليست حتى في زمن وزارة فاروق حسني (1987-2011) المعروفة بـ"حظيرة التدجين" لتلميع المُوالين والممالئين ونبذ المعارضين والمستقلين، وإنما جرى الإعلان عن هذه المسابقة على نحو دعائي غير مسبوق في سائر الصحف ومنابر الإعلام الرقمية في يناير/كانون الثاني 2021، كباكورة إرهاصات العام الجديد الحالي.

وفصّلت المسابقة حيثياتها وشروطها وأهدافها، فهي مفتوحة للمحترفين والهواة وطلاب الجامعات على السواء، وهي حلقة أولى في سلسلة فعاليات ذات صلة يلعب خلالها مشاركون مصريون من مختلف القطاعات دورهم في مواجهة "الاستهداف المتصاعد" ضد الدولة المصرية ومؤسساتها ورموزها من قبل "إعلام مُعَادٍ وجماعات إرهابية وقوى مصالح"، وهو الاستهداف الذي تُستخدم فيه كل الوسائل غير التقليدية للحروب الموجهة للمواطن بشكل أساسي، بحيث يأتي التأثير في استقرار الدولة وأمنها القومي من الداخل وليس الخارج.

‎من هنا، وفق المنظّمين، جاءت فكرة دعوة كل أصحاب الريشة التي لطالما لعبت دورها كاملًا "في الفعل الوطني ودعم الدولة" ضد المعتدي أيًّا كان، للتصدى لهذه المحاولات الآثمة التى تستهدف زعزعة استقرار الوطن. وأعلن قوميسير المسابقة الرسّام هاني شمس أنه ليس مسموحًا بمشاركة أي محتوى مبتذل أو ينتهك الأخلاق والعادات الاجتماعية مثل المواد الإباحية والمحرضة على العنف والمقامرة والجرائم غير المشروعة وغيرها.

ولا يهم إن كان الكاريكاتير أصلاً وظيفته النقد والسخرية وكسر المحظور لتوسيع أفق الأفكار والنقاش العام. فمصر السيسي، بل دولة السيسي، ليست مصر بهجت عثمان وأحمد حجازي ومحيي الدين اللباد وصلاح جاهين وسواهم من عمالقة الكاريكاتير والرأي الحر.

الجهة التي أطلقت المسابقة تحمل اسمًا مشابهًا، هو "مرصد الإعلام المُعادي"، وقد جرى تدشينه منذ أيام قليلة بوصفه "مبادرة وطنية لمواجهة الحملات الممنهجة ودعم مصر"، تضم مجموعة من المثقفين والمبدعين والفنانين والباحثين المتخصصين والإعلاميين والشخصيات العامة، بهدف المساهمة في التصدي للحملات التي تتعرض لها الدولة، وكشف الأهداف الحقيقية لها، والمشاركين فيها، والأدوات والأسلحة الناعمة المستخدمة، والوسائل غير التقليدية مثل مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. ويتولى المرصد، الذي يضم متطوعين، مسؤولية "حماية المواطن من كل الجوانب التي قد يظن أنها في صالحه"!

المثير للفضول، وللدهشة أيضًا، اضطلاع مَنْ يبدون أفراداً مثقفين مستقلين بهذه "المهامّ" ذات الطبيعة المؤسسية، وانتهاج مثل هذه اللهجة الصارمة الصادمة من امتلاك الحقيقة، وهي اللهجة التي يصعب تداولها في مثل هذا التوقيت خارج حوائط الوزارات الرثّة المحنّطة والهيئات المندثرة. على أنه بالتزامن مع إطلاق هذا المرصد، أقدمت وزارات وجهات أخرى رسمية على خطوات غير منقطعة الصلة، ما يشي بتوجه عام أو بتقعيد مؤسسي ممنهج.

في هذا السياق، على سبيل المثال، أعلنت في يناير/كانون الثاني الجاري أيضًا، دار الإفتاء المصرية إطلاق مبادرة لإنشاء "وحدة إنتاج فني" ضمن خطتها للسنوات الخمس المقبلة، وهي وحدة متكاملة متخصصة، تؤمن بضرورة الإبداع والتجديد في تبليغ الرسالة الإفتائية، وتهدف إلى التفاعل إيجابيًّا مع عصر الصورة والتواصل الاجتماعي، بالتعاون بين علماء الإفتاء والفنانين والإعلاميين، وتسعى إلى تقديم أعمال فنية احترافية "ذات رسالة قيمية أخلاقية"، من قبيل: الأفلام القصيرة، الموشن غرافيك، المواد التفاعلية من ألعاب ومسابقات، وغيرها من المستجدات.

ومنذ فترة غير بعيدة، أسست دار الإفتاء المصرية كذلك "مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة"، وهو الذي بدأ تدريجيًّا يخوض بفتاواه وبياناته في مجالات إبداعية، أدبية وفنية، بأسلوب ينبني على تقييمات مجتمعية وأخلاقية ودينية ووطنية، خارج المفاهيم والمعايير الجمالية المجردة بطبيعة الحال. وقد أقرّ هذا المرصد مثلًا باستحقاق فيلم "الممر" السينمائي الحربي المصري (2019، تأليف وإخراج شريف عرفة) العلامة الكاملة، لأنه "أذكى الروحَ، وحرر الذاكرة الوطنية من زيف الإعلام المُعادي، ووجَّه ضربة قاصمة للمخرّبين ومروجي الشائعات وقادة حروب الجيل الرابع الذين يستهدفون تثبيط الهمم ونشر الفرقة والاختلاف ويكيدون لمصر".

لم تأتِ مسابقة الكاريكاتير لـ"مرصد الإعلام المُعادي" من فراغ، فهي وليدة تراث غير هيّن من ترسيخ الثقافة المؤدلجة والفنون والآداب المسيّسة الموجّهة، واستقطاب "مبدعين تحت الطلب"، جاهزين دائمًا للاستنفار والاستنهاض تحت عناوين وشعارات برّاقة، كتلبية نداء الوطن، وإنقاذ المجتمع، ومواجهة الأعداء بالأسلحة الناعمة، شأن الجنود المرابطين على الحدود، وفي جبهات النزال.

وليس من شك في جدوى أسلحة الشؤون المعنوية في الحروب النفسية، في ميادين القتال، لما لها من تأثير على جيوش الأعداء، وقد كان لها بالفعل دور وطني ملموس في انتصار أكتوبر 1973. وقد حكى فنانو الكاريكاتير، ومنهم الراحل محمد عفت (1948-2019)، لـ"المدن"، كيف كان يُطلب من الفنانين المجنّدين وقتها عشرات الرسوم واللوحات يوميًّا لهدم الطموح لدى العدو الإسرائيلي وقتله، وإشاعة الثقة بين الجنود المصريين. لكن تبقى مثل هذه الأعمال الفنية المصنوعة حالات بالغة الخصوصية، فهي دائمًا رهينة وقتها وظرفها، ويجري توظيفها واستخدامها لأغراض محددة، في دوائر بعينها، شأن الفنون التعليمية والبرامج التثقيفية والتنويرية مثلًا، ومنشورات وزارة الإعلام، والخطب السياسية والبيانات العسكرية الموجّهة، أما اتخاذ هذه المعايير دون غيرها كمبادئ لمسابقات فنية وتنظيرات إبداعية وقياسات جمالية حرة، فهو أمر بعيد عن المنطق، ومجافٍ تمامًا لفلسفة ديمقراطية الثقافة في أبسط صورها الأولية.

إن الخطورة في التعاطي مع روافد الثقافة والإبداع وفق جرعات التغني والفخر والدعوة إلى المقاومة والصمود وبثّ الروح الوطنية وإبراز الملاحم والبطولات والتضحيات وتعزيز قيم الفداء والهوية والثقة في الذات، وما إلى ذلك، هي ليست في انطواء "الإبداع" على هذه المُثُل الرفيعة وغيرها بطبيعة الحال، لكن في تفريغ هذا الإبداع من إبداعيته في الكثير من الأحيان، وتقزيم وثباته وانطلاقاته، ووضع شروط قاسية أمام حريته وتمرده وتجاوزه وانفلاته الوثّاب، ما يخنقه في مناطق ضيقة، ويوقعه في فخ التلقين والمباشرة، ويقرنه بالثابت المستقر وباللحظي الزائل، فيما على الإبداع الخالد أن يتصل بالإنساني العام، ويتخطى الأمكنة والأزمنة بما هو جمالي صرف في الأساس.

من دواعي الخطورة كذلك، وضع مقاليد تقييم هذا الإبداع، وتصنيف قامات المبدعين، في أيدي مسؤولين إداريين أو موظفي دولة من خارج الاختصاص الفني، وتلك هي الطامة الكبرى التي وصلت بمؤسسات الثقافة الرسمية وهيئاتها، في مصر والعالم العربي، إلى هذا التدني والابتذال والروتينية والتكلّس، إذ صار هرمها الوظيفي، من قمته إلى قاعدته، يجري ترتيبه وفق ثقة السلطة والعلاقة المباشرة مع ذوي النفوذ وأصحاب السيادة والقرار، وليس وفق أهلية أو كفاءة، ما جعل الثقافة برمتها ظلًّا تابعًا باهتًا، لا شعاعًا هاديًا في الظلمات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها