آخر تحديث:10:59(بيروت)
الأحد 10/01/2021
share

وهم الاستثناء الأميركي

محمد صبحي | الأحد 10/01/2021
شارك المقال :
وهم الاستثناء الأميركي أحد انصار الحزب الجمهوري في اقتحام البيت الابيض
من السهل تخيُّل جو بايدن كحامٍ، كجنتلمان طيّب يعرف بالضبط ما يجب عليه فعله حتى تكتمل النهاية السعيدة، كما عوّدتنا الأفلام الرخيصة، حين ينتصر الخير على الشرّ دائماً. هذه السردية السائدة القائلة بأن "أميركا الجيدة" (good America) لا تزال حاضرة وقادرة على إظهار نفسها، حتى في أحلك الأوقات، حين يغزو جيش من النازيين الجدد ومحتقري الديموقراطية والمؤمنين بنظريات المؤامرة مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة، قدس أقداس "ثاني أقدم ديموقراطية في العالم". هذه السردية تقول بأن هذه الأمة العظيمة، أميركا، العائشة تحت ظلّ الربّ وبرعايته، معصومة وفريدة من نوعها. ولهذا السبب بالذات سوف يلتئم شملها مرة أخرى، لأن هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر في كافة الأيديولوجيات مجانية اليقين.


في خطابه القصير المتلفز مساء الأربعاء الماضي، استدعى الرئيس المستقبلي للولايات المتحدة جو بايدن فكرة الاستثناء الأميركي مرتين، لكن من دون استخدام الكلمة نفسها حول تفرُّد الأمة. استشهد (وإن بشكل خاطئ) بالمجاز الشهير حول أميركا كـ"منارة أمل"، حين قال إن الأمة "منارة نور وأمل للديمقراطية". في العام 1981 استخدم رونالد ريغان عبارة "الضوء الساطع في ظلام العالم" في خطاب تنصيبه الرئاسي، أيضاً بمعنى عودة الولايات المتحدة إلى وظيفتها الرمزية كقائدة العالم الحرّ. قال ريغان: "سنكون مرة أخرى نموذجاً للحرية ومنارة أمل لأولئك الذين لا يتمتعون بالحرية الآن". في مقطع آخر من خطابه، اقتبس جو بايدن أيضاً كلمات أبراهام لنكولن من خطابه أمام الكونغرس الأميركي في 1 مانون الاول /ديسمبر 1862 للدفاع عن قراره إلغاء العبودية: "سننقذ بشرف، أو نخسر بحقارة، آخر أفضل أمل على الأرض". مرة أخرى، الولايات المتحدة هي آخر أفضل أمل للأرض.

المشكلة الوحيدة هي أن التشبيه غير صحيح تماماً. فالترامبية ليست ظلاماً يمكن للمرء بعد انقشاعه إضاءة النور. الترامبية هي ثمرة ذلك الاستثناء الأميركي تحديداً، إنها جانبها المظلم. إذا كان لا يزال مستغرباً للبعض أن صانع صفقات نرجسي يرى في تلك الصفات قوته ولا يمكنه تقبُّل الخسارة حتى نهاية اللعبة، يغدو مركزاً لتمرُّد (أو إنقلاب كما وصّفه البعض) فاشي بمراجع دينية؛ فإن المرء يلاحق صورة ذاتية زائفة للولايات المتحدة، التي هي في حقيقتها قائمة على اقتناص الفرص واستغلال كل ما يمكن استغلاله بكافة السبل المتاحة، شرعية كانت أم غير ذلك. لا تزال هذه المغالطة المنطقية تتشكّل بالاستناد إلى حقيقة منقوصة تستعدي "الآخر" ولا ترى ما هو عليه حقاً، باعتباره غريباً ودخيلاً على البناء المنسجم الجميل، فيما هو في حقيقته مجرد مجموع احتمالات النموذج الأصلي المتطرفة.

هذه علامة ضعف واضحة للنموذج الأميركي، لذا فالمدافعون عن هذا النموذج كـ "أفضل خيار ممكن على الأرض" يعجزون غالباً عن تصديق الحقيقة الصارخة المتمثلة في أن شخصية غير سياسية في نهاية المطاف، مثل ترامب، تغدو مظهراً أصيلاً من مظاهر الولايات المتحدة الأميركية وإبناً شرعياً لهذا النموذج. من دون قناعات أو أجندة باستثناء المصالح الشخصية، كان ترامب قادراً على تأجيج وتطرُّف التوقعات الدينية والقومية والاقتصادية. لكن تشابك هذه التوقعات تحديداً هو ما ميّز الاستثناء كأيديولوجية يومية. القناعة بأن الولايات المتحدة لا يحقّ لها فقط أن تحتل وضعاً استثنائياً، بل كونها تحمل "ذلك الشيء" بداخلها على نحو ميثولوجي. وفقاً لهذا التصوُّر، يُسمح دائماً لهذه الأمة الاستثنائية بالسعي لتحقيق مصالحها الخاصة على كل المستويات في عالم مصممّ إدراكياً وفقاً لتلك المصالح دون غيرها. مَن يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية فقط لا يجب الاستياء منه في هذا البناء. فمَن يعش الحلم الأميركي يعيشه لنفسه وللآخرين.

لا علاج شافياً ضد هذه العقيدة المسمومة. كما أن العلاج البايدني المنشود سيدركه الفشل الأكيد إذا لم تتألق فيه "منارة الأمل" بطريقة الأفكار المتمحورة حول ذوات أصحابها. لكن هذا أصبح مستحيلاً الآن. مع النفط الهائل ورأس المال والموارد الطبيعية التي بدت غير محدودة، ربما يكون الحلم الأميركي قد صالح بين العديد من المصالح في القرن العشرين، من وعد الديموقراطية المثقل بالعاطفية في الكابيتول هيل، إلى العيش المميز والمريح في الريف، مروراً بإمكانية الحياة خارج صناديق المعايير القياسية في الزوايا النائية للجغرافيا الأميركية الشاسعة والمتنوعة جداً. ولكن كيف يفترض أن يعمل ذلك في أوقات ندرة الموارد والأزمات العالمية المطلة برأسها والأخرى المنتظرة في المستقبل القريب؟ كيف يُفترض أن ينجح ذلك في حين لم يعد من الممكن والمقبول تهميش المُهمَّشين؟ كيف يمكن لأميركا ضعيفة ومنقسمة (وستظلّ كذلك) إدامة الشعور بأميركيتها؟

لا يحتاج المرء، خصوصاً إن كان عربياً، الذهاب بعيداً إلى حدّ مطالبة الولايات المتحدة، بصفتها "بلداً قذراً" حالياً، إعادة اختراع نفسها في صورة ذاتية أقل استعلاء. لكن سردية جديدة هي ما تحتاجه الآن. فهناك، على أقل تقدير، شكوك وجيهة حول آمال نجاح عملية الاستشفاء والمصالحة في المشروع الأميركي بعد مغادرة ترامب، حتى في مواجهة أول أزمة كبرى يمكن نسبتها (صدقاً أو زوراً) إلى إدارة بايدن. تحتاج هذه السردية إطاراً جديداً على شكل نظام انتخابي جديد، فهي بحاجة إلى أبطال جدد وربما حزب جديد ليس حزباً متهدمّاً ومتحللاً مثل الحزب الجمهوري. وتحتاج أيضاً وقبل كل شيء إلى بداية جديدة. فكرة جديدة عن النور الذي تتشاركه مع بقية العالم بدلاً من العيش في ضلالات الوهم الذاتي إلى الأبد.

 

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها