آخر تحديث:11:54(بيروت)
الأربعاء 09/09/2020
share

نزار آغري... شهرزاد في القامشلي(*)

المدن - ثقافة | الأربعاء 09/09/2020
شارك المقال :
نزار آغري... شهرزاد في القامشلي(*) نجلاء فتحي
ليست المرأة التي في ألف ليلة وليلة. بل دار السينما. سينما شهرزاد، الصيفية، التي تقع بين محل أبي خالد والمركز الثقافي. معلقة بين الأرض والسماء. هي سينما مكشوفة ليس لها سقف وتعرض الأفلام في الصيف وحده. مقابلها، في الجانب الآخر من الشارع، جدار تهدمت  جوانبه. نتسلقه، عازار وأنا، كي نشاهد الفيلم الذي تتلاحق مشاهده على الشاشة. هو فيلم لنجلاء فتحي تؤدي فيه دور شاب يلعب الكاراتيه اسمه حميدو. هي تنكرت في هيئة شاب كي تهرب مع من تحبه إلى بيروت. والدها عماد حمدي يحاول العثور عليها. في الباخرة تلتقي بسعيد صالح وحسين فهمي…إلى آخره.

لا نرى سوى رؤوس أبطال الفيلم. لكننا نضحك كثيراً، ليس للفيلم بل لأننا نتدافع ونتبارز لإحتلال أفضل موقع للتفرج. يدفعني عازار من كتفي فأقع. أتسلق الجدار من جديد وأدفعه من كتفه فيقع. أمسك بيده وأساعده على التسلق من جديد. هكذا نقضي وقت الفيلم كله، لا في مشاهدة الفيلم بل في صنع فيلمنا الخاص. نشوة اللحظة ليست رؤية الفيلم بل شقاوتنا.

***
وقفنا، كالعادة، أمام الباب، إلى جانب عمود الكهرباء. ضوء المصباح ينزل من عليائه وينشر النور مثل ذرات من الغبار الأصفر يغطي الشارع والباب ووجهينا. وجه عازار يلمع مثل قمر خرج من وراء الغيم. الشارع خالٍ وسكون ثقيل يخيم على كل شيء. 

نشارك في هذا السكون بصمتنا. نكتفي بأن نحدق في بعضنا البعض كطائرين سَئما الشدو. غير أن الصمت بيننا لا يطول. هناك دوماً أشياء نقولها. هناك دوماً ما نتناقش بشأنه. وإذ أفكر، مرة ثانية، بأني أقف مع عازار، ينتابني، كما في كل مرة، شعور كبير بالفرح. وأحس، كما في كل مرة أيضاً، بالاعتزاز، إذ اختارني، من بين كل الناس، ليتحدث إلي. ليكون معي، ليقف أمامي، وجهاً لوجه. هل هناك بهجة أكبر من هذه؟

***
بعد أيام ستنتهي المدرسة. 
هذه ربما آخر ليلة نقف فيها معاً أمام باب بيتهم. سأودعه، سأودع أهله. سأودع إيفون. سأودع والده ووالدته وإسحق وبنيامين. ستكون نهاية عام كامل عشناها معاً، يوماً بيوم، كصديقين، كأخين، كحبيبين، جمعهما القدر مرة فالتحمت روحهما مرة وإلى الأبد.

حلقت في سماوات بعيدة ورأيت نفسي أعيش في عالم آخر، مع عازار، نمضي بعيداً من هنا، نسير في دروب غريبة ونركض في بساتين سحرية ونقفز نحو نجوم ضاحكة ونشرب من جداول ملونة.

أنظر إليه، أحدق في ملامح وجهه، في تفاصيل جسده، كأنني أحاول أن أرسخ في ذاكرتي كل شيء منه، كل جزء، كل خلية، كأنني لن أراه بعد الآن. كأنني لن أعود بعد انقضاء شهور الصيف لألتقي به من جديد ونبدأ سنة جديدة معاً. نبدأ مشواراً جديداً من الصداقة العميقة، الرائعة، اللذيذة التي نسطر فصولها معاً.

أرى ابتسامته وأكاد أقطفها من وجهه. أكاد ألمس شفتيه كي أنتزع ضحكته وأحتفظ بها. أكاد أتلقفها، بأصابعي، بعيني، علها تنطبع في روحي وتتسرب إلى قلبي وتبقى هناك إلى الأبد، فلا تضيع أو تختفي أو تضمحل.

أفكر فيه، أفكر في اليوم الأول الذي رأيته فيه، حين جاء به أمين السر ووقف أمام الصف وطلب إلينا أن نرحب به. أتذكره حين وقف، بهياً كملاك، ولفظ اسمه الثلاثي، الذي يشبه مقطوعة موسيقية باذخة. أتذكره حين جاء ليجلس فاختار المقعد الذي كنت أنا فيه، ولم يجلس في المقعد الأمامي، الذي كان يجلس فيه بيير. لو أنه جلس هناك لربما ما أصبحنا صديقين أبداً. لربما ما تعلقت به إلى هذه الدرجة. لما ارتبطت حياتي به كما هي الآن.
كان يتكئ على عمود الكهرباء. قال لي: ـ أتعرف؟ ثم سكت.

انتظرت أن يتكلم، لكنه غرق في الصمت. ثم انتبه إلى أنني سكتت أيضاً وأنني أنتظره.
ـ أعرف أنك تتحدث مع أختي إيفون.
فلم أتردد. 
ـ نعم، وماذا في ذلك؟
ـ لا، بالعكس، أحب أن تتحدث إليها. وهي تحب أن تتحدث إليك.
للحظة شعرت بالفرح. أولاً لأن عازار يعرف علاقتي بإيفون ويشجعني على تلك العلاقة، وثانياً لأنه قال أنها تحب أن تتحدث معي.
لكنني شعرت بالحزن أيضاً. هو لم يقل أنها تحبني أو أنني أحبها. بل قال أنني أتحدث معها وأنها تتحدث معي. نعم نحن نتحدث معاً، لكننا نفعل ذلك لأننا نحب. أنا أحبها وهي، أعتقد، تحبني.

سكت عازار مرة أخرى. نظر إلي بإمعان، ثم تحرك. ترك عمود الكهرباء واقترب مني. اقترب حتى كاد يلتصق بي. وقف أمامي. وجهاً لوجه. بدأت أنفاسه تضرب وجهي. اعتقدت أنه سيصفعني. غير أنه قرب وجهه مني وقبلني. قبلني على شفتي.
ـ أنت تعرف أنني...
صعقتني الدهشة. أصابني الذهول. أغمضت عيني وغرقت في التيه. ثم سمعته يتحدث إلي. شردت بعيداً. حلقت في فضاء سرمدي. سمعت صوت الباب يفتح ويغلق. ثم خيم الصمت. فتحت عيني. كان عازار ذهب وكنت لوحدي. كان المكان الذي يقف فيه، إلى جانب عمود الكهرباء، خالياً.

انتظرت هناك وحدي. انتظرت أن يخرج، أن يعود لنكمل ما كنا نتحدث فيه. أردت أن يأتي لأقول له عما في قلبي نحو إيفون. نحوه. 
انتظرت، لكنه لم يخرج. تحركتُ بهدوء وسلكتُ الطريق إلى البشيرية. في الطريق صرت أتحدث إليه.  
ـ عازار، أنت تعرف أنني...

***
أنزل في المحطة وأسير مشياً باتجاه ساحة سعد الله الجابري. أمر من أمام الحديقة العامة وأرى تمثال أبي فراس الحمداني من الخلف. قال لي أخي أن عليّ أن أسلك الشارع  المستقيم الذي يمتد من ساحة سعد الله الجابري في اتجاه الجميلية. في آخر الشارع، في ملتقى الإسماعيلية والفيض، تقع البناية التي يسكن فيها. أول شيء فعلته كان الذهاب إلى الفندق، فندق البارون، لأسأل عن أهلك. كنت أحمل حقيبتي على كتفي فبدوت مثل سائح جاء ليحجز غرفة في الفندق.

حين جئنا، أنت وأنا، إلى حلب، لم نذهب إلى الفندق على الفور، بل تجولنا في الشوارع، في باب الفرج والتلل والعزيزية ثم دخلنا باراً ليلياً وشربنا البيرة قبل أن تطلب إمرأة منا الخروج لأننا صغيران في العمر كما قالت. هل تتذكر حين قلت لي أنك كنت هنا في الفندق مع أهلك في المرات السابقة فقلت لك: أنا أيضاً أهلك. استدرتَ وقلت لي: نعم، أنت أخي. تلك الكلمات حملتني إلى السماء ووضعتني في قلب النعيم. أنت منحتني بتلك الكلمات أروع إحساس وأجمل شعور. في تلك اللحظات أردت أن أضمك إلى صدري، أن أردد أمامك عشر مرات، عشرين مرة، ألف مرة: نعم، أنت أخي يا عازار، أنت أخي وستظل أخي إلى الأبد وسأحتفظ بك في قلبي. لن يأخذك أحد مني، لن يسرقك أحد مني.

حين وقفنا معاً، وأخذنا ننظر من النافذة إلى الشارع، لمس كتفك كتفي، وكاد وجهك أن يلتصق بوجهي. كانت رائحة العرق، من السفر بالقطار، تلفنا، كلينا. غمرتني رائحة عرقك، كانت أزكى من رائحة كل زهور الدنيا.

نمنا لوحدنا، في غرفة واحدة، على سريرين متقابلين، في فندق غريب، في مدينة غريبة، ومع هذا كان يسيطر علينا شعور هائل بالأمان والألفة والحنان. لم أشعر في حياتي كلها، قبل تلك الليلة وبعدها، بمثل ذلك العمق من الهناء. ربما انتابتك الأحاسيس نفسها. لا أعرف. غير أني كنت أرى فرحاً سرياً يشع من وجهك. كنا ننظر إلى الشارع، في عتمة الليل ونرى مصابيح الكهرباء تلقي بظلالها من حولها ونرى السيارات التي تمر والناس الذين يعبرون.

في تلك الليلة كنتَ، كلكَ، في حوزتي. كنتَ لي، وكنتُ سعيداً ومطمئناً وممتلأً بالشكر للقدر. كانت تلك ليلة قدري، وليلة القدر بألف ليلة وليلة إن كنتَ تعلم. كانت سعادتي ألف سعادة وكان فرحي مليون فرح.

كنا لوحدنا، منفصلين عن العالم، وكان قلبي يخفق مع قلبك وعيناي تغرقان في عينيك وروحي ترفرف مع روحك وجسدي يرتعش من نشوة الحضور إلى جانب جسدك.
لم أجد أياً من الوجوه التي كنت رأيتها في المرة السابقة. موظف الاستعلامات، البارمان، العمال، وجوه جديدة. سألني الموظف عما إذا كنت أريد شيئاً. لم أعرف ماذا أقول. بالفعل ما الذي أريد أن أقوله؟ هل أقول له: أنا أبحث عن عازار؟

يجب أن أسأله عن صاحب الفندق، صديق والد عازار، ذاك الذي استقبلنا بحفاوة وقال أن والد عازار اتصل به بشأننا ثم طلب منا أن نكتب شيئاً في دفتر الزوار مثل الشخصيات المهمة. 
لقد أقمنا، عازار وأنا، في هذا الفندق الذي كان أقام فيه ديغول وأتاتورك وجمال عبد الناصر  وأغاثا كريستي. لكن ما اسم صاحب الفندق؟ أنا لم أسأل عازار عن اسمه ولم يكن يهمني اسمه في أي حال فماذا أقول لموظف الإستعلامات؟

بقيت صامتاً. سألني الموظف من جديد:
ـ كيف يمكنني أن أخدمك؟
ارتبكت ولم أعرف ماذا أقول. لكن يجب أن أقول شيئاً. يجب أن أقابل صاحب الفندق. سيتعرف علي بكل تأكيد حين يراني. بصوت مخنوق بالكاد يسمع قلت:
ـ هل يمكنني مقابلة صاحب الفندق؟
تطلع الموظف في باستغراب. بدا له الأمر طريفاً من دون شك فقد علت وجهه ابتسامة صغيرة. لا بد أنه يتساءل عن السر الذي يدفع بهذا الولد الواقف أمامه بارتباك إلى مقابلة صاحب الفندق.
ـ تريد مقابلة السيد…
ـ نعم، نعم، أريد مقابلته.
قلت ذلك بحماسة لدرجة أنني لم أدعه يلفظ إسم صاحب الفندق، وقد غمرني فجأة فرح لا نهائي وبزغ أمامي أمل هائل. وللحظة رأيت عازار أمامي، وجهاً لوجه. رأيته يربت على كتفي وهو يبتسم.
ـ لقد غادر منذ فترة. سافر إلى أرمينيا.
لم أستوعب ما قاله باديء الأمر. وبقيت أنظر إليه مشدوهاً، فاغر الفم. ثم فهمت.
ـ متى سيرجع؟
ـ لا أعرف. لا أظن أنه سيرجع في وقت قريب. لديه أعمال هناك. 
سكت الموظف وبقي ينظر إلي بتمعن من قمة رأسي إلى قدمي.
ـ ولكن لماذا تريد أن تقابله؟

توقعت أن يسألني عن ذلك. كنت توقعت أن يسألني من البداية ولهذا لم أنتظر لحظة كي أرد.
ـ جئت إلى هنا قبل أكثر من عام. جئت مع صديقي. جئنا من القامشلي. والد صديقي هو صديق السيد صاحب الفندق. أريد أن أقابله كي أسأله عن والد صديقي الذي رحل.
رفع الموظف حاجبيه وقد فتح فمه واسعاً. لم يفهم شيئاً مما قلته. ضحك قليلاً وقال:
ـ إذا كنت تقيم في حلب يمكنك أن تأتي إلى هنا بين الفترة والأخرى. ربما يكون قد عاد.
هكذا دفعة واحدة اختفى الفرح الذي كان غمرني وهبطت علي، من جديد، غيمة من الحزن والترقب. عدت إلى المربع الأول يا عازار. إلى الصفر.

(*) فصل من رواية بعنوان "البحث عن عازار"، تصدر قريباً عن دار  الكتب خان في القاهرة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها