آخر تحديث:17:21(بيروت)
الثلاثاء 08/09/2020
share

عندما قال أنور وجدي لـ"ملك الترسو": إدفع لتُمثّل!

وجدي الكومي | الثلاثاء 08/09/2020
شارك المقال :
عندما قال أنور وجدي لـ"ملك الترسو": إدفع لتُمثّل! فريد شوقي.. بطل البسطاء من رواد درجة "الترسو" في صالات سينما الخمسينات في مصر
يدفع به يوسف بك وهبي إلى خشبة المسرح، وبعدها إلى دور صغير في منتصف الأربعينيات، ويستغله أنور وجدي ويوقع معه عقوداً بخسة، ويقول له: أنت الذي يجب أن تعطيني أجراً لأنك تمثل أمام أنور وجدي وليلى مراد، وسيمنحه زكي طليمات دوراً مهماً في مسرحية بعنوان "الجلف" يحضر عرضها الملك فاروق وكبار المخرجين، مما يؤهله بعدها للانطلاق في طريق المجد. أنه فريد شوقي.. ملك الترسو، الذي صدر عنه في القاهرة كتاب بعنوان "بطل للنهاية" للناقد السينمائي المصري سامح فتحي، يتناول فيه بالتفصيل سيرة حياته من البداية للنهاية، متوقفاً عند أفلامه بالتحليل، حاكياً قصة كل فيلم، وكيف تطور أداء فريد شوقي من عام إلى عام، ومن عقد إلى آخر.


يبدأ سامح فتحي كتابه عن فريد شوقي، بمقدمة محللاً فيها أسبابه لوضع الكتاب، مشيرا إلى المحطات الفاصلة في حياة فريد شوقي، التي جعلته يتربع على قلوب المشاهدين، ومنها فيلمه "الفتوة" العام 1957 التي جسد فيها الإنسان المصري البسيط، من صعوده من الفقر، مرورا بالتاجر البسيط، ثم الرجل المخادع الذكي، وصولا إلى احتلاله مكانة القطب الأوحد في السوق.
وهكذا تشبه هذه الرحلة كما سنقرأ في كتاب سامح فتحي، رحلة صعود فريد شوقي، من الشاب البسيط، الطالب في دبلوم الفنون التطبيقية، الذي نشأ في حي البغالة بالسيدة زينب وسط القاهرة، ليصبح ملك الترسو، وحش الشاشة، ماراً بالعديد من المحطات، التي اتسمت كلها بالطموح والعمل الدؤوب لتحقيق الهدف، رغم الاستغلال والحرب على فنه، وتأخير أفلامه عمداً كما فعل أنور وجدي في عبث طفولي ومنافسة غير شريفة وغيرة سوداء.

مشوار حياة فريد شوقي كما يرتبه سامح فتحي في الكتاب، يبدو للمرة الأولى حاضراً أمام عيوننا بمشاهد مثيرة، وبدايات تشهد العديد من المواقف الطريفة والحكايات الصعبة. يتوخى مؤلف الكتاب أن يجعل قارئه يمضي في الرحلة ببساطة، منجذباً ومتتبعاً مشوار حياة الملك، فنعرف أنه وُلد ومات في يوليو/تموز، إذ وُلد في الثلاثين منه العام 1920، ورحل عن عالمنا في السابع والعشرين من تموز 1998.

والده محمد عبده شوقي سليل العائلة التركية – جد فريد شوقي هو عبده بيك شوقي كان موظفا بقصر عابدين وهو من أب تركي- هذا الوالد سيكون بطل حياته الأول، الذي يغذي فيه حلم أن يصبح ممثلاً، فعندما لم يلتفت فريد الطفل لامتحان من الامتحانات، وكان يقضي الوقت في نقل رواية، بدلاً من مراجعة دروسه للامتحان، ينصحه الأب أن يلتفت للمذاكرة، ويفكر في التمثيل بعد الحصول على الإبتدائية.

أول واقعة ستشي بنبوغه، حينما كان في السابعة من عمره يجمع أطفال الشارع في السيدة زينب، ويدعوهم لحديقة منزله ليلقي عليهم المحفوظات، وكان يدفع لهم ليحضروا هذه الأمسيات، وفي يوم من الأيام غاب أصدقاؤه، فعرف أن سبب ذلك هو الحزن الذي عم البلاد حين مات سعد زغلول العام 1927.
يصحبه الأب إلى المسارح في شارع عماد الدين، ويتابعان سوياً روايات مسرح يوسف وهبي، ثم بعد ذلك يقدمه أبوه إلى يوسف بك نفسه، نظراً لأنهما كانا جيران، فمنزل أبي يوسف وهبي في حي المنيرة يواجه بيت خالة أم فريد شوقي، ومن هنا نشأت الصداقة بين العائلتين.
بعد حصوله على الإبتدائية يلتحق الفتى بمدرسة الفنون التطبيقية بعدما قرأ على بابها أن المدرسة تقبل من لديه موهبة التمثيل، فيؤدي امتحاناً أمام الممثل والمخرج الشهير عزيز عيد، فيعجبه تمثيل فريد، وينصحه بأن يثقل موهبته ويتثقف في مجالي الشعر والمسرح.

لكن حُلمه بالالتحاق بفرقة يوسف وهبي لم يزل يراوده، ويفاتح الأب لتحقيق وعده بأن يعرفه على يوسف بك، فيدعوه أولاً إلى الحصول على الدبلوم، ومن ثم يذاكر فريد شوقي ويحصل على الدبلوم، وحسبما يشير سامح فتحي في الكتاب، ينجح فريد بكل المواد إلا في مادة الرسم، وهي مادة أساسية في المدرسة، يطلب منه الأب أن يجتهد في تخطي المادة، على أن يمثل مساء لدى يوسف وهبي، وهكذا يحصل على الشهادة، ويمضيان سويا إلى مسرح يوسف وهبي، الذي يرحب بالوالد، ويدعو فريد لأداء اختبار بسيط، فيقلد فريد البك، وهو ما يغضبه، ويدعوه إلى أن يختار أداء شيء يمنحه شخصيته المستقلة.

يلتحق فريد شوقي بفرقة يوسف وهبي، ويلعب دور عسكري يقف في قفص الاتهام في رواية اسمها بنات الريف، ويتقاضى ستة جنيهات من عمله في الفرقة، بعدها يلتحق فريد شوقي بالمعهد البريطاني بعدما عرف أن فيه مسرحاً، ويكوّن فيه فرقة العشرين ينضم لها سيد بدير وصلاح منصور وحمدي غيث، وفي المعهد يدرس اللغة والأدب الإنكليزي، ويحضرون محاضرات مجانية يلقيها عليهم يوسف وهبي وزكي طليمات.


يأتي العام 1935 وتقرر الدولة إنشاء الفرقة القومية للتمثيل، وافتتاح المعهد العالي للتمثيل، بعدها بعشر سنوات يتقدم فريد شوقي للمعهد، ويجد معه ألفي طالب يرغبون في اجتياز امتحان القبول. يكشف سامح فتحي أن الدفعة الأولى للمعهد كان عددها خمسة عشر طالبا، وقُبل فيها فريد شوقي وصلاح منصور وشكري سرحان وفاتن حمامة وحمدي غيث.

تبدأ حياة فريد شوقي السينمائية العام 1946، حينما يحضر الصحافي إبراهيم الورداني أحد امتحانات المعهد، يعجب بفريد شوقي وفاتن حمامة في إختبارات الأداء، فيكتب عنهما في مجلة الاثنين، مع صورتيهما، ويزكي إبراهيم الورداني فريد وفاتن ليوسف وهبي، الذي كان وقتها يعد فيلما باسم "ملاك الرحمة"، من إخراجه وإنتاجه وبطولته، فيرسل لهما يوسف وهبي ليعملا معه في الفيلم، وهكذا يظهر فريد شوقي على محبيه للمرة الأولى من شاشة السينما.

يلفت سامح فتحي إلى أن الطريق لم يكن ممهداً تماماً، إذ إن الفرص تظهر وتتراكم، لكنها لا تُولد مصادفة، بل يصنعها ملك الترسو، ففي العام نفسه الذي يظهر في فيلمه الأول، كان يمثل مسرحية لزكي طليمات بعنوان "الجلف" وكانت ستفتتح عرضها الأول في دار الأوبرا، بحضور الملك فاروق، فأخذ فريد شوقي دعوات مجانية لحضور المسرحية، وأرسلها لكبار المخرجين، مثل بركات وأحمد كامل مرسي، وأحمد بدرخان، وبعد العرض، فوجئ بالمخرجين يهنئونه على أدائه، ويطلبون رقم تلفونه للتواصل معه، وهكذا يجد نفسه لأول مرة بالقرب من الحصول على دور رئيسي في فيلم "غروب" أمام زكي رستم، لكنه يفاجأ بتنحيته لصالح محمود المليجي، يطلب منه المخرج أحمد كامل مرسي أن يأخذ دوراً صغيراً، ويتعلم من تمثيل المليجي، الذي سيواجه العملاق زكي رستم. يحزن فريد شوقي، ويكاد يترك التصوير، لكن فطين عبد الوهاب يعيده، طالبا منه أن يقف خلف محمود المليجي، ويتعلم.

الحكاية الأخرى التي يرويها سامح فتحي، هي عن دوره في فيلم "ملائكة في جهنم"، إذ يمنحه حسن الإمام سيناريو الفيلم، ويخبره أن التصوير سيكون بعد شهر، لكن ينقضي الشهر من دون أن يستدعيه الإمام، وحينما يذهب للإمام ليستفسر عن أسباب التأخير، يخبره أن المنتج أحمد الكاشف لا يريده في الفيلم، فيذهب إلى هذا الأخير، فيدعوه الكاشف إلى منزله، ويطلب منه الإنزواء في حجرة من الحجرات، ويحضر في نفس الساعة حسن الإمام وفطين عبد الوهاب، ويتحدثان عن فريد شوقي، ويسمعهما ملك الترسو ويعرف أن حسن الإمام هو من يرفضه، بينما يصفه فطين عبد الوهاب بأنه كان كـ"اللوح" خلف محمود المليجي في فيلم "غروب" وحينما يواجههما فريد، يطلب منهما أن يعقدا له اختبارا في الاستوديو. 

في الوقت نفسه، يتعرض "وحش الشاشة" للاستغلال من أنور وجدي، إذ يرسل له ليمثل معه، ويعرض عليه خمسين جنيها، فيطلب فريد مائة وخمسين، يباغته أنور وجدي قائلاً: "أنت الذي يجب أن تعطيني أجرا، لأنك ستمثل أمامي أنا وليلى مراد". فيكاد يغادر غاضباً، إلا أن استيفان روستي وكمال الشيخ يقنعانه بالعودة، ويوم التصوير، يقول جملة واحدة في المشهد المقرر له في الفيلم، يوقع معه أنور وجدي بعدها خمس عقود، من فئة المائة جنيه والمائة وخمسين جنيها، وآخر فئة المائتي جنيه، والرابع فئة المائتي وخمسين جنيها، والخامس فئة الثلاثمائة جنيه، ويوقع فريد شوقي مدهوشا، غير متوقع الفخ الذي يوقعه فيه أنور وجدي، ويذكر له هذا أنه رأى فيه قدرة فنية، وسيجني الآلاف بعد فترة بسيطة، وتتحقق نبوءة أنور وجدي، إذ كان فريد شوقي يمثل بعض الأفلام بأجر ألف جنيه، بينما لم يزل يمثل مع أنور وجدي بمائة وخمسين جنيها.
يتخرج فريد شوقي في المعهد العالي للتمثيل عام 1947، ويُعين في الفرقة القومية ضمن ستة اختارهم زكي طليمات، هم حمدي غيث، وصلاح منصور، وعمر الحريري وشكري سرحان ونعيمة وصفي، براتب قدره اثنا عشر جنيها، وتتاح أمامه كل الفرص، فيدخل الخمسينيات وقد مثل ثلاثين فيلما، وهكذا يصبح العام 1950 مؤهلا لمرحلة الأفلام المشتركة، ففيه يرشحه صلاح أبو سيف ليلعب دور في فيلم "الصقر" وهو أول تعاون فني بين استوديو مصر واستوديو روما، ويركب فريد شوقي إلى الطائرة، ويبدأ مرحلة التمثيل أمام الممثلين الأجانب.
ينجح فريد شوقي في خطف إعجاب الإيطاليين، ولفت أنظارهم، ويكسر هو في نفس الوقت رهبته وخوفه من التمثيل أمام الأجانب، مما يؤهله بعد ذلك بسبعة عشر عاما للسفر إلى تركيا وعمل أفلام مشتركة.

في العام 1950 يمثل دور سنيد بجانب أنور وجدي في الفيلم الشهير "أمير الانتقام"، وتتولد رغبته في أن يلعب دور البطولة في القصة نفسها، فيقدم الفيلم باسم "أمير الدهاء" العام 1964.

قبل أن ينتهي الفصل الأول من الكتاب، يفرد سامح فتحي صفحات للحديث عن زيجة فريد شوقي من هدى سلطان، التي التقاها في فيلم "حكم القوي" سنة 1951، نعرف أنها ليست زوجته الأولى، بل سبق وأن تزوج من زميلته في المعهد، ثم يحكي المؤلف عن ألقاب فريد شوقي المتعددة، ومنها لقبه الذي اخترناه " ملك الترسو" وله قصة، إذ كانت دور السينما المصرية تُسم إلى ثلاثة أماكن الأول منها كان يطلق عليه "بلكون" وهو المكان الأكثر تميزا في السينما، والأغلى، والثاني هو الصالة، التي تقل أسعار مقاعدها عن البلكون، والثالث هو "الترسو" أو الدرجة الثالثة، وهي الأرخص سعراً والمناسبة للبسطاء ومحدودي الدخل من العمال والحرفيين، وكان معظم روادها من الطبقات الشعبية، وكانت أفلام فريد شوقي تمثل لأبناء هذه الطبقة معزة خاصة نظرا لأنه البطل الشعبي الذي كان يحقق أحلامهم حينما يحقق أحلامه على الشاشة، وهكذا كانوا يحضرون لمشاهدة البطل الذي يضرب كل من يعترض طريقه، وينقذ ابنه أو حبيبته من أيدي رجال العصابات، وهو ما أجاد ملك الترسو تقديمه في العديد من أفلامه مثل "الأسطى حسن" و"جعلوني مجرما" و"فتوات الحسينية" و"رصيف نمرة 5".

عاش فريد حياته عاشها ممثلا ومنتجا ومشاركا في كتابة السيناريوهات، وممثلا مسرحيا، قدم العديد من المسلسلات منذ العام 1976، وخارج مصر مثّل في ثلاث مسرحيات في لندن مع مديحة كامل، وفي الإمارات مع سمير غانم، وفي الأردن مع ليلى حمادة، وفي الستينيات مثّل أفلاما في تركيا ولبنان. يورد سامح فتحي أرشيفاً مرتباً ومنظّماً لكل الأفلام التي مثلها فريد شوقي، ما يجعل كتابه كنزاً حقيقياً في مكتبة السينما المصرية والعربية، ومرجعاً لا غنى عنه لكل من يرغب في الرجوع لتاريخ الملك، بل إن نصف الكتاب خصصه لأفيشات أكثر من ثلثي أفلام فريد شوقي، ملحقاً بكل أفيش مقالاً عن الفيلم، وعن أداء فريد شوقي فيه، وتطوره وصعوده، ومعلومات عن الدور، وكاست الفيلم. 

(*) صدر الكتاب عن دار كنوز السينما للنشر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها