آخر تحديث:12:33(بيروت)
الإثنين 07/09/2020
share

حامد آرأغون بدرخان الكردي

بشير البكر | الإثنين 07/09/2020
شارك المقال :
حامد آرأغون بدرخان الكردي حامد بدرخان
حامد بدرخان، شاعر كردي، ولد في إحدى قرى منطقة عفرين في سوريا العام 1924، وحين كان طفلاً فرت عائلته للطرف الآخر من الحدود إلى عنتاب في تركيا، وكبر هناك ودرس حتى نال الثانوية، وبعدها أكمل تعليمه العالي في جامعة اسطنبول، حيث تعرف على الحركة الثقافية والسياسية في جو اليسار التركي الذي كان يدور في الفلك السوفياتي، ولهذا السبب لم ينشغل بمسألة الهوية القومية الكردية كثيراً. يعرفه البعض بأنه كردي تركي، وبعض آخر كردي تركي سوري، أما هو فلم يكن يكترث كثيراً لهذه التصنيفات، وكان على الدوام لا يرتاح حين يجد أن التصنيفات تذهب في منحى قومي هوياتي متعصب. وأهم محطات حامد في الشطر الأول من حياته في تركيا، الدراسة الجامعية والانتماء الشيوعي، والتعرف إلى الشاعر ناظم حكمت، والرسام عابدين دينو، والروائي عزيز نيسين، والعمل في الصحافة وكتابة الشعر، وحين جاء إلى سوريا في الخمسينيات من القرن الماضي فاراً من السجن التركي، فإنه عاد ليعيش في قرية شيخ الحديد في منطقة عفرين، وهناك أقام بيته الذي صار عنوانه وأطلق عليه صومعة الفكر، بينما كان يرتحل في كل سوريا، وخصوصاً حلب القريبة، ودمشق التي ارتبط فيها بعلاقات واسعة في وسط الحزب الشيوعي السوري والمركز الثقافي السوفياتي، ومن بعد ذلك اختلط بالمثقفين السوريين والفلسطينيين من أمثال سعيد حورانية، شوقي بغدادي، سعيد مراد، معين بسيسو، علي الجندي، نبيه ارشيدات.

تعرفتُ الى حامد بدر خان في حلب ذات ليلة عاصفة وباردة من شتاءات 1976، وكنا في دعوة عشاء أقامها الشاعر سعيد رجو الذي كان يعمل في فرع اتحاد الكتاب في حلب، وهو شيوعي من الرعيل القديم الذي عرف السجن في شبابه بسب انتمائه السياسي، لكنه طلق العمل الحزبي، وفي نفسه جرح عميق وندم لا ينتهي من التجربة ونقاء لا ينفد. دعانا سعيد إلى أحد مطاعم ساحة باب الفرج، وامتدت السهرة حتى ساعة متأخرة، وحين انفضت لم تكن هناك سيارات أجرة في شوارع حلب. ووجدت أن حامد لا يستطيع الذهاب للنوم عند الأصدقاء الذين يسكن لديهم عادة، حين ينزل من القرية إلى حلب، فدعوته للمبيت عندي، حيث كنت أقيم قريباً من وسط المدينة في محطة بغداد، مسافة 10 دقائق مشياً على الأقدام. ورافقني إلى الغرفة التي أصبحت مفتوحة أمامه كلما أراد أن يهرب من صخب وسط المدينة ليرتاح. لكنه كان يرفض أن ينام في السرير الوحيد في الغرفة، وكنت أتنازل له عنه كي يرتاح، إلا أنه يفضل النوم على نصف كنبة في وضعية هي ما بين الجالس والمتمدد. وهذا يعني أنه كان متأهباً على الدوام، وهو ما يفسر علاقته بالمشي لمسافات طويلة.

وحين استيقظت صباح تلك الليلة، وجدته يجلس على الشرفة الصغيرة المطلة على نهر قويق، يدخن ويتناول القهوة مع السيدة صباح صاحبة الغرفة التي اسكنها، والتي تعيش في الشقة المجاورة. وبعد هذه الليلة توطدت علاقتنا وصار يزورني كلما نزل إلى حلب وأحياناً يمضي الليل عندي. اتركه جالساً يقرأ أو ينقح مقالات وقصائد، وحينما استيقظ لا أجده، يتسلل من البيت فجراً ليمشي في شوارع حلب، بانتظار أن يفتح مقهى القصر الذي ترتاده فئة من المثقفين في شارع بارون، حيث يتناول القهوة ويدخن أول سيكارة. وكان النادل الفلسطيني، نمر، يصل في الوقت ذاته. ويحرص على خدمة حامد الذي يبدي تعاطفاً معه، إذ لطالما اعتبر هذا الرجل الخمسيني لاجئاً بلا بيت في حلب، لديه ما يقربه من الفلسطينيين.

وفي حلب، لدى حامد ملاذ خاص في بيت كردي على قدر من الوجاهة، يتحدث عن أهله بتقدير وحب واحترام، وقد خص أهل هذا البيت، الشاعر، بكل ما يحتاج إليه في حلب حين ينزل من القرية إلى المدينة، لكن الشاعر يودع حقيبته الكبيرة هناك، ويتوجه إلى وسط البلد حيث ملتقى الكتاب والصحافيين والفنانين الذين ينتظرون قدومه من القرية، فهو رجل يتحلى بكاريزما ولطف غير معهودين لدى كتّاب ومثقفي المدينة الذين كانوا يعيشون وسط جزر تفصل بينها حروب صغيرة. وهو حافظ، دائماً، على مسافة مع الآخرين، وعلى تفهم وانفتاح على الجميع. وفي إحدى المرات دخلنا مقهى القصر، فوجدنا الفنان التشكيلي لؤي كيالي، منزوياً في ركن غير الذي اعتاد الجلوس، وقد أدار ظهره لكل رواد المقهى ولم تعجب حامد هذه الحركة، وانتظر حتى حان موعد السهرة، فطلب منا أنا والشاعر رياض الصالح الحسين، والفنان صلاح الدين محمد ابن عفرين، والناقد نذير جعفر، أن نرافقه للبحث عن لؤي كيالي، وبالفعل وجدناه في أحد النوادي الذي يقدم فقرات فنية ترفيهية يتابع البرنامج الليلي. وحين رآنا ندخل، وقف ودعانا إلى طاولته، فأمضينا السهرة معه حتى الفجر، وحين افترقنا أسرَّ لنا لؤي بأن حضورنا أزاح عن صدره غيمة سوداء، وبعد تلك السهرة أدركت أن بدرخان يمتلك كيمياء خاصة تتيح له التسرب بخفة وحب إلى قلوب الآخرين. وهذا أمر لاحظته في لقاءات واستقبالات حصلت له في حلب ودمشق واللاذقية من قبل فئات متنوعة، ليس من طرف الكتّاب والصحافيين فقط.

يظهر بدرخان ويختفي فجأة، وحين يرحل عن حلب يكون قد ضجر من روتين المدينة وخصومات الكتاب والصحافيين، فيعود أدراجه نحو شيخ الحديد الضيعة التي زرع فيها أشجار الزيتون، وعندما يرجع بعد حين إلى حلب فأول من يفتش عنهم هم الكتّاب الشباب، ولا يكترث كثيراً بالكهول والأسماء المكرسة. وذات مرة، وفي صباح نهاية العام 1976، زارني حامد، وكان يحمل لي هدية ثمينة من عفرين، تنكة من زيت الزيتون. وبعدما شكرته، مازحته، وقلت له: يا صديقي أنا مفلس سأذهب لبيع هذه الهدية كي أمضي سهرة راس سنة لطيفة. ولم تعجبه هذه الدعابة. لكنه دعانا إلى سهرة رأس سنة في بيت أحد أصدقائه، وكان برفقتي الشاعر رياض الصالح الحسين.

حين يذهب حامد إلى دمشق يستقبله الكتّاب والصحافيون بطريقة مختلفة عن القادمين إلى العاصمة من كتاب المحافظات الأخرى. لديه دائرة معارف واسعة وحضور مرحب به من قبل المنابر الثقافية. وهو لا يبدو زائراً لدمشق، بل يتنقل فيها مثل مقيم قديم، وإحدى محطاته كانت "كوخ البؤساء"، وهو بيت عائلة كمو، الذي زرناه سوية مراتٍ عديدة، ننشد مكاناً للنوم، بعيداً من الفنادق. وهناك يستقبلونه مثل صاحب طريقة، وكان ذلك عبارة عن تقدير واحترام لهذا الشاعر.

وبيت كمو من البيوت الكردية السورية التي هاجرت من الجزيرة إلى دمشق، وسكنت في البداية في حي السويقة حارة المغاربة خلف باب الجابية، ومن بعدها اشتروا منزلاً في ركن الدين. كنت على علاقة صداقة مع الابن الأكبر، الفنان التشكيلي فؤاد، وأعرف أهله جيداً وسبق ان زرتهم مرات عديدة، فهم أسرة جاءت من ريف الحسكة إلى دمشق، وكانت قرية آل كمو قريبة من قرانا التي تقع قريباً من تل براك بينما هم أقرب الى عامودا. وفؤاد فنان ضمن مجموعة من التشكيليين المتميزين في محافظة الحسكة مثل عمر حمدي، حنا الحايك، بشار العيسى، وعمر حسيب.

كان بدرخان نقدياً تجاه خالد بكداش بسبب علاقته الخاصة مع النظام السوري من جهة، ومن جهة ثانية قيادته الفردية للحزب الشيوعي الذي تعرض لأكثر من انشقاق، وكان على المسافة ذاتها من الاتحاد السوفياتي، الأب الشرعي لمدرسة عبادة الفرد، وصاحب حق الملكية الفكرية لأجهزة القمع والاستخبارات التي نسخها في أوروبا الشرقية، وصدَّر آليات وأدوات قمعها وتعذيبها للبلدان العربية التي ارتبطت معه بعلاقات خاصة مثل سوريا. ورغم أن حامد كان يعتز بقوميته الكردية إلا انه لم يكن حزبياً، بل كان يرى القضية الكردية في إطار قضايا المنطقة، وبقي يعتبر أن الديموقراطية هي المفتاح والعلاج لكل تعقيدات وتداخلات وإرث المنطقة.

على مستوى الكتابة كان حامد كاتباً صاحب بصمة خاصة وصوت مختلف، وشاعراً متميزاً وناثراً استثنائياً، لكن مشكلته تكمن في الترجمة من التركية الى العربية. وحين كان يتوافر له مترجم جيد فإن نصّه يصل إلى القارئ. أما حين يكتب هو بالعربية التي تعلمها بصورة جيدة في وقت متأخر، فإنه يعبّر بها جيداً، إلا أنه لا يحسن أن يقول كل ما يريد، وفي أحيان كان يخونه التعبير، ومع ذلك ترك نصوصاً رائعة، غنائية وملحمية ذات بعد وجداني حميم. وكانت فترة النصف الثاني من عقد السبعينيات الأكثر نشاطاَ في حياته، وبرز بقوة في المشهد الثقافي السوري. كتب عن السفر والتشرد والسجون والغربة والحب والنضال والفرح وعن آسيا المرأة الحلم. كان من أولئك الشعراء الذين يتحلون برؤية انسانية بعيدة من سطحية الشعراء الشيوعيين العرب. هو أقرب للشعر الأوروبي، آراغون وايلوار، وكان يروي أنه تعرف على آراغون في باريس مع صديقه الذي سافر برفقته للعاصمة الفرنسية، الرسام عابدين دينو، الذي أصبح لاحقاً أحد رموز الحياة الثقافية في فرنسا حتى توفي العام 1993. وفي جلساتنا كان حامد يروي لنا انه التقى مرات عديدة مع الشاعر آراغون وزوجته الروسية ايلزا، وكان يتحدث عنها بإعجاب شديد، ويسرد بتأثر مدى هيام آراغون بهذه المرأة، وكثيراً ما ردد مقطعاً من قصيدة لآراغون يقول فيها لايلزا "أجلس عند قدميك مثل كلب أسود". وفيما، بعد صار البعض يلقبه حامد بدرخان بحامد آراغون، تيمنا بلويس آراغون.

مع حامد كنا نتقاسم كل شيء، النقود ، الخبز، السجائر، المأوى، الكآبة والأمل، وعاش إلى جانبنا مثل شقيق كبير يحس بمسؤولية تجاه اخوته الذين كانوا في أول الطريق، الذي كان واسعاً، ومن ثم بدأ يضيق حين تحولت حلب إلى ساحة مواجهة بين النظام والإخوان المسلمين، وغطى الرصاص فوق كل الأصوات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها