آخر تحديث:17:13(بيروت)
الجمعة 04/09/2020
share

نَفَسنا الأخير في بيروت

رشا الأطرش | الجمعة 04/09/2020
شارك المقال :
نَفَسنا الأخير في بيروت ترقب رشفة حياة (غيتي)
منذ أن بث فريق الإنقاذ التشيلي أملاً في وجود حياة، أو بقية من حياة، تحت أنقاض مبنى في مار مخايل، واللبنانيون في معركة ضارية مع الغولة المسمّاة دولة لبنانية. وهذه المرة، انبرى اللبنانيون يقاتلون بأظافرهم، حرفياً، يحاربون بذخيرتهم الأخيرة: سواعدهم، هواتفهم، حناجرهم، منصاتهم الاجتماعية، وليراتهم القليلة. يستبسلون من أجل طرفة عَين ما زالت ممكنة، ودقائق ثمينة وحدهم الآن يدركون قيمتها، وهم المتروكون وحدهم لاستنفادها.


مساء الخميس، استكمل الناس رفع الحجارة، بعشوائية أبطال يحتضرون، بعدما قرر "خبراء" الجيش والدفاع المدني أن الأمر خطر، ويستلزم رافعة، ولا رافعة(!)، وحسموا من عنديّاتهم بالانتظار حتى صباح اليوم التالي، وكأنما على طريقة "من انتظر 29 يوماً يمكنه الانتظار يوماً إضافياً"! فقام الأهالي والناشطون إلى الركام ينبشونه بأيديهم، مُخاطرين بحيواتهم في مبنى آيل لمزيد من السقوط. تجمعوا هاتفين غاضبين، محروقين وحارقين، كما لو أنهم هم الذين يشهقون تلك الأنفاس المستحيلة، مُعدمة الهواء، ويتشبثون بها حتى الرمق الأخير. رمق صرخاتهم وحركتهم اللوجستية الأكثر فاعلية من مواطنيهم "المتخصصين" في الموقع المنكوب. باتوا جميعاً هكذا مختزَلين في بارقة حياة أرادوا ألا يكون مصيرها كمصير الموتى الذين لم يتسنّ لأحد أن يدافع عن حقهم في البقاء أمام تباطؤ لبنان الرسمي في البحث عنهم وانتشالهم، ومَنعِ الفرق الأجنبية من المساعدة بالقدر الذي كان ممكناً وموعوداً، لأسباب ما زالت عصية على الفهم، أو ربما هي جداً مفهومة على غرار ما يُفهَم الاحتلال.

وبضغط اليأس الأهلي المحض هذا، استؤنفت عملية الإنقاذ. وبعدما كان شبه مطرود من المكان، عاد الفريق التشيلي، مع خبراته ومعداته التي امتعضت عناصر إنقاذ لبنانية من أنها تعطي المنقذين الأجانب يداً ميدانية عليا.

تلك الأنفاس الضئيلة التي أحصتها آلات التشيليين المتطورة، تحت تلة الركام نفسها حيث وقفت رابعة الزيات بفستان الموت لتُلتقط لها صُوَر خيرية، وحيث لا يستحي "مُنقِذون" لبنانيون من التعبير عن غيرتهم وشوفينيتهم وعُقَد السلطة والتسلّط واختلاس الإنجازات أسوةً بالمال العام والحقوق والحُكم وجنى الأعمار الشقية...

مجرد احتمال أن يكون هناك بَعدُ مَن يمكن إنقاذه، لبنانياً كان أم أجنبياً، من قعر بيروت المتفحمة..

إنها حلاوة الروح التي تمسكت بها ثلة من اللبنانيين لتقول: لن نسمح لكم بإعادة استيلاد المأساة التي لا شك الآن في أنها ما كانت لتقتُل العدد الذي قُتل لولا أننا محكومون من فاسدين مُهمِلين متواطئين ومُجرمين، مع كامل ما تتمتع به كلمة جريمة من تعريفات في العلوم الجنائية والسياسية وساحات الحروب. قال الناس: هذه المرة، ولو فقط هذه المرة، سنتصدى لكم، ولو كان هذا فِعلنا الأخير من أجل هذا النَّفَس الأخير، وإن فشلنا وذَوَينا في شوارع الثورة، وإن بذلنا حواصل طاقاتنا في تنظيف وترميم كارثتكم وعلى مرأى من عساكركم ذوي الجدوى الوحيدة: أجساد تولف الجدران المُسلّحة لقمع أو منع أو فُرجة. سنجلب للتشيليين الرافعة و"الدرون" بجُهد شخصي ومن جيوبنا المثقوبة. وسننقل الحدث، نحن الأفراد، بهواتفنا المحمولة عبر "لايف فايسبوك". سنجبركم على الحد الأدنى من واجباتكم، ولن نرضخ لموت جعلتموه ديمومة عيشنا. لن نقبل، على الأقل في هذه اللحظة، أن تكونوا قَدَرنا. هذه لحظة لنا، أملها لنا، خيرها لنا، وَهمُها لنا، وأنتم الزومبي.

يقول الناس: سنحمي الفريق التشيلي من تشبيحكم الذي بدأ منذ سويعات الإنقاذ الأولى، وتكلل أخيراً بشرطة بلدية بيروت التي استفاقت فجأة من نوم عميق وقررت دخول موقع الإنقاذ والتدخل في عمل التشيليين، فلما رفض الأخيرون، رُفعت عليهم الأسلحة! هذا أكثر من كابوس لا يُصدّق، إنه العدمية السوداء الفاجرة. وهؤلاء هم التشيليون الذين يملكون من التقنيات والتدريب ما هو مُفتقد بالكامل في لبنان، والذين أتوا مشكورين متطوعين، لا يكبدون الدولة قرشاً. سنغضب ونفضح، فما عاد لدينا ما نخسره. يقول الناس: كنا أموات اليأس حتى ظهر هذا النَّفَس حياً في ماكينة الزلازل وحواس كلب تشيلي نحترمه، فيما نقاومكم اليوم، وإلى الأبد نلعنكم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب