آخر تحديث:12:48(بيروت)
الإثنين 28/09/2020
share

صفعة ماكرون التي لن ينساها

أسعد قطّان | الإثنين 28/09/2020
شارك المقال :
صفعة ماكرون التي لن ينساها يعرف هذا تماماً من تجربته وتجربة أصدقائه الأوروبيّين مع إيران (غيتي)
الرئيس نبيه برّي هو أكثر العارفين بشؤون البلد وشجونه. لطالما كان يردّد: ليس في لبنان عداوات، بل مجرّد خصومات ومخاصمات. لقد اتّفق الخصوم مجدّداً على إسقاط ما سمّي المبادرة الفرنسيّة. قفز "الرباعيّ" السنّيّ فوق الدستور عبر تسميته، قبل الاستشارات، دكتوراً في العلوم السياسيّة يتّسم بالضعف وبعدم قدرته على خوض المعارك. ما سمّي بالثنائيّ الشيعيّ تمترس خلف "حقوق" الطائفة كي يمعن في سطوته المسيّجة بالسلاح ويحمي مصالح بائع السجّاد الإقليميّ. ورئيس الجمهوريّة تلكّأ كعادته في اتّخاذ قرار جريء يدفع في اتّجاه تشكيل حكومة مستقلّة، فراكم خسارةً جديدةً تضاف إلى رصيده المثقل بالوعود التي لم تتحقّق. ومن وراء هؤلاء أسراب الردّيدة: طلال أرسلان الذي لا يفكّر إلاّ طائفيّاً رغم أنّه يكره الطائفيّة إلى أبعد حدود، وحزب الطاشناق الذي يمثّل نموذجاً فريداً لاختلاط القوميّة الأرمنيّة بالطائفيّة اللبنانيّة.

اللافت أنّ هؤلاء جميعهم يدعمون المبادرة الفرنسيّة ويتّفقون على إفشالها. عجب عجب عجب عجبُ! قديماً كانوا يعيثون فساداً في الأرض تحت مظلّة الدستور، وكلّ واحد يفسّر الدستور على ذوقه. واليوم يعيثون فساداً تحت مظلّة المبادرة الفرنسيّة، وكلّ واحد يفسّرها كيفما اتّفق.

هل صدّق الرئيس ماكرون فعلاً أنّه يمكن فصل المسارين السياسيّ والاقتصاديّ بعضهما عن بعض؟ هل صدّق فعلاً أنّه يستطيع إصلاح الاقتصاد وترك السياسة إلى وقت لاحق؟ يا للسذاجة! وإذا لم يكن ساذجاً كما قال في مؤتمره الصحافيّ، هل كان ينصب فخّاً للمنظومة السياسيّة الفاسدة؟ كيف زيّنت له نفسه أنّه يستطيع خداع هذه المنظومة عبر جرّها إلى الإصلاح من خارج الاعتبارات السياسيّة؟ في أيّ حال، لم تنطلِ اللعبة على السياسيّين اللبنانيّين المتّصفين بالمكر والدهاء. فهم يعرفون تماماً أنّ سحب البساط الاقتصاديّ من تحت أقدامهم سيقود حتماً إلى المحاسبة السياسيّة، وإلى خسارة ما تبقّى لهم من رصيد لدى من تبقّى لهم من مناصرين.

لا استمرار للنفوذ السياسيّ في لبنان من دون التلاعب بالاقتصاد والتلاعب بالمال. هذا هو سرّ عدم إصلاح قطاعات الطاقة والاتّصالات والتربية، وهذا هو سرّ المرافئ السائبة والحدود المفتوحة للتهريب والقضاء المعطّل. لكنّ سياسيّي المنظومة الفاسدة محنّكون. ولقد أدركوا بحسّهم الثاقب أنّ سحب الغطاء الاقتصاديّ عنهم سيجرّ عليهم وبالاً وحجارةً من سجّيل في السياسة: محاسبة ومقاضاة وتراجع نفوذ وسقوط مريع في الانتخابات المقبلة. فالتقوا على إفشال المبادرة الفرنسيّة عبر دعمها، كلّ واحد على طريقته، وعبر تفسيرها، كلّ واحد على هواه، وعبر تفخيخها المبطّن، كلّ واحد بما أوتي له من مهارة. وبعد تراجع مصطفى أديب، الذي لم يفشل في خوض معركة فحسب، بل في مصارحة الناس أيضاً، راحوا يتبادلون التهم من جديد، ولم يخبرنا أحد ما هي خطّته لما بعد مرحلة التشكيل الفاشل. طبعاً، لأنّ الخطّة لم تتغيّر: المراهنة على الوقت والسهر على أن تبقى الخصومات مجرّد خصومات. فلا أحد يريد أن يخوض معركةً حقيقيّةً في هذا البلد. على هذا الصعيد، كلّهم يشبهون مصطفى أديب عبد الواحد. ولعلّهم لهذا أتوا به.

لقد صفع السياسيّون اللبنانيّون الرئيس ماكرون صفعةً "حرزانة"، ولقنّوه درساً لن ينساه في كيفيّة عدم انفصال الاقتصاد عن السياسة. طبعاً، هو يعرف هذا تماماً من تجربته وتجربة أصدقائه الأوروبيّين مع إيران. فلماذا يكون الأمر مختلفاً في لبنان؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها