آخر تحديث:18:21(بيروت)
الأحد 27/09/2020
share

رياض الريس... الموعد الاخير

يوسف بزي | الأحد 27/09/2020
شارك المقال :
رياض الريس... الموعد الاخير رياض الريس في زمانه
يوسف بزي
كان موعدي الأخير مع رياض الريس في الساعة السابعة والنصف، مساء يوم 4 آب. انفجرت بيروت عند الساعة السادسة وثلاث دقائق، وتبددت مواعيد المدينة كلها. احترق الزمن وانتصر الموت.

أظنها النهاية الملحمية والصاخبة للمدينة. لحظة ختامية كان لا مفر منها، بكل ما فيها من مهابة مأتمية سوداء، "تليق" بسيرتها وعظمتها وانكسارها التراجيدي الأخير.

لكن لنعد إلى البداية. إلى الموعد الأول مع رياض الريس. في العام 1990، وبالكاد مضت أشهر على انتهاء الحرب، وصل رياض إلى بيروت. طلب أن يلتقي بنا يحيى جابر وأنا (وكنت في الثالثة والعشرين من عمري). يقول: سأنقل كل شيء إلى بيروت. هذه هي اللحظة لنبدأ العمل، لا رصيف ولا مقهى ولا مطبعة ولا مسرح للثقافة العربية إلا هنا. بيروت هي الرصيف العربي، لا لندن ولا باريس.

بدا كلامه جنونياً. بلد مدمر لا شيء فيه يعمل. وكانت لندن تحتضن نجاحه الباهر في تأسيس دار نشر من نمط لم يعهده العالم العربي من قبل، طباعة ومضموناً وترويجاً. وفيها يستضيف واحداً من أندر المهرجانات الأدبية العربية أهمية وأثراً في تلك الحقبة، ويصدر مجلة "الناقد" التي من عددها الأول بدت المنبر المنتظر والمفقود منذ السبعينات. وهناك يتحلق حوله "عمالقة" الأدب العربي ويطلق جائزتين في الشعر والرواية، كانتا التدشين الفعلي لفكرة الجائزة الأدبية المرموقة في العالم العربي. فما الذي أصابه ليقرر "العودة" إلى بيروت الخربة؟ والأسوأ أن يقول لنا: "يحيى وأنت ستعملان معي وتتوليا معاونتي في كل شيء. الدار، المجلة، الجوائز...". لقد رسم مصيرنا هذا الرجل بجملة واحدة، وما زلنا نتحمل تبعاتها حتى اليوم.
هكذا كانت انطلاقة ورشة رياض الريس، بالتزامن مع بدء ورشة إعادة البناء والإعمار. حركة مدوخة في الانتقال من يوميات المتاريس إلى إحياء عاصمة وبلد. كان كل شيء جديداً. العالم العربي وتحولاته الهائلة بعد حرب الكويت. أجيال جديدة وظواهر مدهشة في الكتابة والأفكار والسجالات. لغة أخرى مفارقة لزمن الستينات والسبعينات. سقوط الأيديولوجيات.وصول التكنولوجيات. كان كل شيء واعداً والجميع في حماسة الاكتشاف والمغامرة. والثقافة العربية مستنفرة في المقدمة مع الصدامات الأولى بوجه الإسلام السياسي التحريمي والأصوليات القاتلة. وبوجه نزعات العسكريتارية وموجات القمع من أنظمة ارتعدت مع النسائم الأولى للدمقرطة التي "تغزو" أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وأفريقيا، وتقف مستعصية عند أبواب العالم العربي.

وكان رياض يفتخر: ست دول عربية فقط تسمح بدخول "الناقد" إليها، ومعظم الأحيان، قد يدخل العدد إلى هذه الدولة أو تلك ممزقة بعض صفحاتها. كان يفتخر أن كتبه تهرّب كالمخدرات إلى أغلب الدول العربية، حيث "الرقابة" حريصة على إبقاء الناس أقل معرفة. 
في خمس سنوات، غيّر رياض الريس تقاليد نشر الكتب في بيروت ثم في العالم العربي. السخاء والأناقة وأنماط غير مألوفة من التسويق والدعاية والعلاقة مع الصحافة الأدبية. بل كرس تقاليد جديدة حتى في معارض الكتب. الأهم أن داره ومجلته وجوائزه جعلت معظم الكتّاب العرب كأنهم في نادٍ واحد. ومن دون أي مبالغة، هناك جيلان أدبيان عربيان (شعراً ورواية) مدينان لمؤسسة رياض الريس، اكتشافاً وتشجيعاً وترويجاً وتكريساً.

خمس سنوات هي النواة الصلبة لذاكرتي الثقافية ولسيرتي. 
والأجمل، أن تلك الصداقة بين واحد من كبار الصحافيين العرب وناشريهم، والشاب العشريني الذي كنته لم تنقطع يوماً. لم أعرف صاحب عمل غيره كشريك ومتواطئ وأب ونديم سهر وكاتم أسرار. فما منحني إياه منذ لقاءنا الأول ذاك القبول الرحب بالجديد والنضر والمجهول. البقاء شاباً وحراً ومغامراً وعابثاً. 

رياض الريس "السوري" الأصل، اللبناني عيشاً وخياراً وإقامة، كتب عن كل دول العالم ولم يكتب أبداً عن سوريا. كان جرحه السوري القديم منذ أن غادر دمشق في الخمسينات لغزه المكتوم وقهره المكبوت.

عام 2011 كانت الثورة السورية، وكان رياض الريس متحرقاً كل يوم وعلى مدار الساعة للحظة الخلاص. وما أن بدأ الموت والتوحش، في لحظة تدمير حمص ومجازر حماة، حتى سقط رياض وهوى. أصيب بالمرض والعجز. انكسر جسمه وصوته وتحول إلى مُقعد كئيب، حبيس مواعيد غسل الكلى المضني. سحقته الهزيمة. 

نذهب وضاح وأنا ونبدأ تسجيلات معه: سيرته وذكرياته. تسجيلات لكلام مبعثر وذاكرة خؤونة وثقوب في الحكايات. كان تعبه أقوى من أن يستعيد ما عاشه.

في أشهر العزلة والحجر ومنع التجول، كان الهاتف اليومي ليلاً مع زوجته فاطمة وهو. قطع كورونا تقليدنا الأسبوعي: يحيى، وضاح، محمد، ريم، خولة، عبد الرحمن، فواز.. وسعاد عندما تأتي من دمشق، في أمسيات كل ثلاثاء بضيافة فاطمة ورياض.

في تموز الماضي، كسرنا ريم وأنا "الإجراءات". لا بد من زيارة رياض وفاطمة: "يا يوسف، أجمع مسودات قديمة من قصائدي. أريدك أن ترتبها". أتى آب بعصفه. وجاء أيلول موته.
المعذرة، تأخرت عنك هذه المرة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب