آخر تحديث:12:30(بيروت)
السبت 26/09/2020
share

غلاف "عالم الكتاب": من الأدب إلى الصناعة

شادي لويس | السبت 26/09/2020
شارك المقال :
غلاف "عالم الكتاب": من الأدب إلى الصناعة غلاف المجلة
الاتفاق غير المكتوب بين وزارة الثقافة والعاملين في الحقل الثقافي في مصر، ينص على أن تدعم الدولة الفنون والآداب "الجادة"، وفي المقابل تتولى النخبة الثقافية إنتاجها. ذلك الالتزام المؤسسي يقر ضمناً بحاجة الثقافة النخبوية لخط دائم للحياة، من دونه لن تصمد أمام الجماهيري والتجاري.

تبدلت السياقات السياسية والاقتصادية وتغيرت بنية المشهد الثقافي جذرياً. لم تعد الدولة اللاعب الوحيد على الساحة، أو يمكن القول بأنها لم تعد معنية بالثقافة أو في حاجة للمثقفين بالقدر نفسه كما في الماضي. فبالإضافة إلى صناعة ترفيه يسيطر عليها القطاع الخاص، باتت الهيئات الخليجية وجهات التمويل الغربية تلعب دوراً متعاظماً في ترسيم الحقل الثقافي. لكن، ومع هذا، ظل الاتفاق الضمني سارياً، مؤسسات وزارة الثقافة بديل واحد بين بدائل في لائحة التمويل، أما ما تقدمه حقاً فهو الاعتراف، هندسة هيراركية للقيمة وغير مدفوعة بحسابات الربح. جوائز الدولة وتغطية الدوريات المتخصصة، هي آليات تضمن إبداعاً متحرراً من التزامات التجاري ومساحة مريحة ولو ضيقة، للتواصل مع الجمهور.

خرجت مجلة "عالم الكتاب" في عددها الأخير عن ذلك الاتفاق. غلاف المجلة الذي حمل صورة للروائي وكاتب السيناريو، أحمد مراد، بدا للكثيرين تجاوزاً للحدود المرسومة بين التجاري والجاد، وخيانة من الدورية الممولة من الدولة لدورها، بانجرافها لتبني معايير السوق والجماهيرية. التكوين البصري للغلاف كان دافعاً للمزيد من الامتعاض، فالصورة الفوتوغرافية للكاتب والتي تمت معالجتها فنياً من قبل المجلة، ليست إحدى صُوره الأمامية المعتادة، "شبه الرياضية" برأس حليق ووجه ينظر مباشرة إلى الخارج، بل صورة جانبية لوجهه بلحية ليست مشذبة تماماً وبنظرة جانبية غير محددة توحي بخليط من الغضب والتصميم والإجهاد. بنية الصورة تبدو مقتبسة من تنويعات صور لينين الجانبية، المغلفة بهالة بطولية وقدَرية في الآن نفسه. أما معالجة الغلاف الفنية بخلفيتها البرتقالية، فتؤكد في بساطتها التصميمة وخياراتها اللونية النارية، قرابة لجماليات مدرسة البروباغندا السوفياتية. اكتفى التصميم بالاسم الأخير للكاتب، "مراد"، في أسفل الصورة، بتكثيف نصي يوحي بنجومية لا تحتاج إطناباً، شعار جماهيري مثل "حليم" أو "محفوظ"، يمكن التعرف عليه بلا مشقّة. هكذا، لم توحِ صورة الغلاف بالرغبة في الاحتفاء بكاتب شاب حقق نجاحاً جماهيرياً، بل رغبة في أيقنة صورة لكاتب مخضرم بتعابير وجه ملتبسة وعميقة وإحالات بطولية.

الغاضبون من المجلة، لم يروا في تصدر صورة مراد، وضعاً للأدب للتجاري في مكان الجاد، بل تدليساً يخلط الاثنين، ويدّعي جدية التجاري، أو بالأحرى يمنحه ختم الاعتراف المؤسسي. جاء رد الفعل صادماً، فالدكتور زين عبد الهادي، رئيس تحرير المجلة، أشار إلى هجوم على الغلاف بـ"إرهاب مدّعي الثقافة"، ونسب الأمر إلى "غيرة من النجاح" و"تمسك بالأفكار البالية". وصرّح سامح فايز، مدير تحرير المجلة، بأن "تلك الانتقادات التي وجهت للعدد، سببها الرئيسي سيطرة لون ثقافي واحد صدّره اليسار المصري على مدار 60 سنة... (منتسبوه) يرفضون أي تغيير أو رؤية مخالفة للغيتو الثقافي الذي يمارسونه على حركة النشر".

لاحقاً، ستحذف إدارة المجلة بياناتها وتتراجع عن تلك التصريحات المهينة والعدائية، وتعلن عن تعديل الغلاف، لكنها تتمسك بحجتها الأساسية التي طرحتها من البداية: مجلتنا ليست معنية بالأدب، بل بصناعة الكتاب، تتبرأ الإدارة من الأدب، ومما يفرضه من تعامل مع مفهوم القيمة، وتستبدل ذلك بالتأكيد على الصناعة، وما تتضمنه الكلمة من حياد تجاه القيمة تحتمه حسابات الربح والخسارة، وأعداد التوزيع. يختم رئيس تحرير المجلة ذلك، بتصريحات أخيرة للإعلام: "المجلة تقف على مسافة واحدة من الجميع... ولا تنحاز لأي من الكتّاب". وبالطبع لم يكن حياد مؤسسات الدولة هو ما سعى إليه المعترضون، لكن هذا على الأغلب هو أفضل ما يمكن الوصول إليه اليوم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري