آخر تحديث:17:07(بيروت)
السبت 26/09/2020
share

بيروت في باريس: طقس عزاء وطقس بقاء

روجيه عوطة | السبت 26/09/2020
شارك المقال :
  • بيروت في باريس: طقس عزاء وطقس بقاء
    بيروت "لقد ولدت في طريق مسدودة".
  • طقس بقاء
    طقس بقاء
  • طقس
    طقس
مساء البارحة، حضرَت بيروت في باريس. فأمام "معهد العالم العربي" بالدائرة الخامسة، في ساحته تحديداً، حضرت عبر عدد من فنانينها وناشطيها لكي يخبروا عما حصل لها، لا سيما بعد مجزرة المرفأ(*). ترافق حضور بيروت في تلك الساحة مع انخفاض درجات الحرارة، لكن، ورغم البرد الذي سرعان ما صار قارساً، كانت ثمة حرارة ما بين الجمهور. ربما، هذه الحرارة صدرت عن حب "دياسبوري"، مسكون بالذنب، لتلك المدينة القاتمة، أو قد تكون هذه الحرارة، وبكل بساطة، حرارة الاحتشاد. إلا أن ما جعلها تتواصل، فتخفف من منسوب الصقيع نوعاً ما، هو، بادئ ذي بدء، بعض الكلمات التي قيلت على المنصة، وفي الشاشة الكبيرة الى جانبها.

فها هو وجدي معوض، وبمهارته المسرحية، يلقي نصاً، يتحدث فيه عن صلته بلبنان، مثلما يتحدث فيه عن نظامه. بانفعالٍ، يشير الى كون هذا النظام يعيش على الكراهية بين محكوميه، قبل أن يطل من مقطع بصري عاوياً. بالطبع، من الأفضل لهذا المقطع ان يحيل الى فعل "عوى" بالعربية أكثر من الإحالة الى حيوانه، الكلب، الذي لا يحمل ضغينة، ولا يشير بصوته اليها. عوى، أي دعا الى الفتنة. معوض كان يدعو الى عكسها، وهو، حين انتهى من هذه الدعوى، قرأ لاحقاً نصاً لريلكه.

لم يكن إلقاء معوض عابراً، فهو ترك أثره في الجمهور، الذي، وحين بدأ كل من رامي وساري خليفة بالعزف والغناء، راحت دموع بعضه تسيل، وهذا، في حين ينظر الى بيروت، الى صورها، مدمرةً. على أن خليفة أخبر أنه تلقى اتصالاً صباحياً من كاميليا جوردانا، وطلبت منه أن تقدم معه أغنية لغينسبورغ، وحسناً فعلت!

غير أن ما بدد فعلاً البرد في الساحة ليس معوض ولا خليفة، بل أغنية "رومانسية سياسية" لميشيل ونويل كسرواني، بحيث أنها، وتماماً، كالغالب من أغنياتهن، تنطوي على ضرب من جدة النص وبراعة التأدية. وما ضاعف من إبداعية هذه الأغنية هو كليبها، الذي عمد "كبريت" الى تحريكه، وكونستانتي بوك الى "مَنتَجته". في هذه الأغنية، ثمة لازمة تدور بها، وهي لازمة جديرة بالسماع، اي "نحن لا نقمع، وحتى لو قمعوتنا، منرجع منطلع". إذ أنها بمثابة اصرار على المواجهة، ومواظبة عليها، وهذه المواجهة، في كل الأحوال، ليست سوى بغية العيش.
في السياق نفسه، اندرجت المداخلة السياسية للناشطة نور كزلي، بحيث أنها، من ناحية، وجهت نقدها لكل أساطير البلد، أو بالأحرى "خبرياته" الفولكلورية، ومن ناحية أخرى، تحدثت عن كون لبنان، وفي مسعاه الى التخلص من حاكميه، لا يريد سوى العيش بما هو عيش كريم. وهذا، لكيلا يضطر ألكسندر، صديق كزلي، وكل ألكسندر، إلى الهجرة مع أسرته بعدما قرر ذات مرة أن يبقى فيه. في هذا المطاف أيضاً، تندرج شهادات عدد من شغيلة المنظمات غير الحكومية ومن شغيلة الفن، وهي قد بثت بين عرض وغيره، من سالي حمود الى دارينا الجندي، وبينهما ماريو حداد، ونبيل كنعان... إذ ركزوا على كون البلد لم يعد في مقدوره أن يستكمل عيشه مثلما كان، وأنه لا بد من تغيير ما، وهذا، على الرغم من كون هذا التغيير لا يلوح في الأفق بعد.

بين تلك الشهادات، كان مارك قدسي يقدم موسيقاه التي وجدت طريقها الى الإرتسام بيد ناجي المير، الذي وضع رسومه على وقعها. وقبله، كانت الرسامة زينة أبي راشد قد حذت حذوه حيال موسيقى رامي خليفة، بحيث خطت، وفي اثرها، من سردياتها المصورة حول ولادتها في بيروت، ومغادرتها لها. بعد قدسي، استمرت الشهادات، بالفضل عن عرض لفيلم من اعداد "أليف"، و"إيكونوم"، عن الوضع الراهن للمباني التراثية في المدينة، وكيفيات انقاذها. لكن، ما قلب الجو رأساً على عقب، هو فعلياً الديو الموسيقي زيد حمدان وشريف ميغاربان، بحيث أنهما نقلا الحفلة التضامنية من الاكفهرار الى الحماس. ونقلها على هذا النحو، مهدت له فرقة "أدونيس"، كما كان فاتحتها ما قاله الفنان الحر ألكسندر بوليكيفيتش، حين أشار إلى أنه، وفي النهاية، الحب سينتصر أياً كان. وهذا قبل أن يظهر بوليكيفيتش في فيديو لسيرين فتوح، وخلاله، يرقصه بين البيوت المدمرة في بنت جبيل العام 2007.

ربما، تصح الإشارة الى أن كل ما جاء في هذه الحفلة التضامنية مع بيروت من باريس، يمكن النظر اليه على أساس فيديو مفتوح، أو بالانطلاق، وعلى وجه الدقة، من حركة ألكسندر التي تجمع بين الرقص كطقس عزاء، وفي الوقت نفسه، كطقس بقاء. فتلك الحفلة، ومهما تبدد البرد فيها، بقيت كناية عن جنازة لبيروت، وهي فعلياً جنازة مكررة، وممجوجة. لكنها كانت بمثابة فعل تشبث بهذه المدينة، وفعل إصرار. لكن هذين الفعلَين، حتى مزاولهما المعتاد، أي بيروت "المدنية"، يعني بيروت الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، التي تهتم بالإغاثة او التي تهتم بالفن والثقافة، ما عادت قادرةً على الاقتناع والاقناع بمواصلتهما لأنهما لا يؤديان الى أي مكان. بهذا، بدت أن خلاصة تلك الحفلة في ما كتبت زينة ابي راشد على غلاف إحدى قصصها: "لقد ولدت في طريق مسدودة". مع التمني ألا تبقى بيروت مرمية في هذه الطريق، حيث العيش مجرد اعتياش، قوامه الانتفاع من الانسداد، والتعلق به! 

(*) باريس-بيروت، 24 ساعة من أجل بيروت، من تنظيم "معهد العالم العربي" بالتعاون مع France Culture. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"