آخر تحديث:13:18(بيروت)
الخميس 24/09/2020
share

عودة كونديرا الى التشيك

محمد حجيري | الخميس 24/09/2020
شارك المقال :
عودة كونديرا الى التشيك لم تكن تهمة "الوشاية" وحدها التي أقلقت كونديرا
في "الوصايا المغدورة" يورد ميلان كونديرا: "هل أنت شيوعي، يا سيد كونديرا؟"
"لا، أنا روائي". 
"هل أنت منشق؟"
"لا، أنا روائي". 
"هل تنتمي الى اليسار أو الى اليمين؟".
"لا هذا ولا ذاك. أنا روائي".

ورغم الإلحاح الكونديري على صفة "روائي"، لكن بعض الكتاب ما زالوا يصنفونه في خانة "المنشق"، وهو العائد الى بلاده بعد نفيه لأكثر من أربعين عاماً، عبر بوابة فوزه بجائرة "فرانز كافكا للآداب". ومعلوم أن كونديرا استعاد جنسيته التشيكية العام الماضي... وصفة "المنشق" أدت إلى فقدان الترجمات المبكرة لأعماله، فقد كان الناشرون الأجانب راغبين في "تسويق سيرة كونديرا لا أسلوبه". وصِفَة المنشق أيضاً كانت أشبه ببروباغندا ودعاية لكونديرا في زمن الحرب الباردة على حساب غيره من الكتّاب التشيك (بوهوميل هرابال وإيفان كليما)، وإن تفاوتت كتاباتهم، مثلما كانت الإيديولوجيا التي أشار إليها كونديرا نفسه في محاضراته، دعاية لجان بول سارتر، على حساب البولندي فيتولد غومبروفيتش صاحب رواية "فيرديدوركه"، فقد صرّح كونديرا بأسى: "أن تصبح رواية الغثيان لجان بول سارتر، نموذجاً للاتجاه الجديد بدلاً من رواية فيرديدوركه، فهو أمر له عواقب مأسوية".

كونديرا "ستار" وكاتب عالمي من دون شك، وعالميته تجعل بعض النقاد والمعلقين يغضون النظر عن أمور كثيرة في مسيرته، وهو إذ يصنف الآن بأنه ساهم في الثورة ضد النظام الشيوعي المفروض على بلاده بالقوة، هناك من كان يعتبره متساهلاً ومتماهياً، فهاجمه فاتسلاف هافل لأنه وجد مواقفه معتدلة في ما يتعلق بربيع براغ. وبقي يعرب عن تفاؤله إزاء حياته ككاتب وإزاء مستقبل بلده. ففي ديسمبر 1968 نشر مقالة قال فيها إنه يرفض أن يصف الوضع السياسي بالكارثة الوطنية. وهو على عكس إيفان كليما، الذي فضّل ان يكون كنّاساً في موطنه على أن يكون منفياً في أحضان الغرب.

في المحصلة، ورغم تساهل كونديرا مع النظام الشيوعي، تعرض للتضييق، ما أدى نفيه الى فرنسا العام 1975، كما سُحبت منه جميع الوظائف التى كان يشغلها. وفي العام 1979، سحبت الحكومة التشيكية منه الجنسية، ليصبح العام 1981 مواطناً فرنسياً. وتحول كونديرا، خلال مرحلة في التسعينيات، إلى موضة بين الشبان اللبنانيين في بيروت، كأنهم يكتشفون لغة جديدة، في وقت كان قد أصبح "فرانكوفونياً" وبدأ بالكتابة باللغة الفرنسية في رواية "البطء"(1994) وتبعتها رواية "الهوية"(1997) ثم"الجهل"(2000)، كما ألّف رواية "حفلة التفاهة"(2013)...

لم يخطئ من سأل: أين ميلان كونديرا؟ بدا كأن نشاطه الروائي الفاعل توقف مع انتهاء "الحرب الباردة"، ورواياته التي كتبها بالفرنسية، لم ترق لمستوى الروايات السابقة (المزحة، والخلود، وخفة الكائن التي لا تحتمل، وكتاب الضحك والنسيان). الناقد هارولد بلوم صنف كونديرا باعتباره كاتب أعمال مرحلية يزداد اتصاله باللحظة تهافتاً. ورغم توصيف بلوم، وتراجع مستوى كتابات كونديرا في رواياته الأخيرة، بقي نجماً ومرشحاً دائماً لجائزة نوبل للآداب. لم ينج من فتح ملفاته القديمة. اتّهم بالتعاون مع الشرطة الشيوعية السرية، تهمة وصفها كونديرا، بأنها "كذبة" واعتبرها "اغتيالاً لكاتب". وكتب آدم هاردليك وبيتر ترنسنَك: "لطالما اتسم ميلان كونديرا بالحرص على محو آثاره. فعلى مدار ربع القرن الماضي، لم يُدلِ بحوار، ولم يزر بلده إلا بصفة غير رسمية، ولم يُقِم فيها إلا في فنادق وبأسماء مستعارة. واستحلف أصدقاءه التشيك على الصمت لكي لا ينطق أحدهم بحرف لصحافي عن حقيقة ميلان كونديرا وحقيقة ما كانه. وإذ تطفو على السطح الآن، وبالمصادفة البحتة، قصةٌ غامضة ومعقدة من ماضي أشهر الكتّاب التشيك".

ولم تكن تهمة "الوشاية" وحدها التي أقلقت كونديرا وجعلت مجموعة من الكتّاب العالميين (ماركيز، فوينتس، سلمان رشدي) يتضامنون معه. فالكاتب مارتن رزق، عاد الى أعمال كونديرا التي كان قد نشرها في تشيكيا، وهي أعمال "تخلى" كونديرا عنها ولم يذكرها مطلقاً في أعماله اللاحقة. من هذه الأعمال، دواوينه الشعرية. ويبيّن الباحث أن كونديرا كان شاعراً "مناضلاً" يكتب مثلاً "إلى أرض ستالين، سنذهب لنغرف قوتنا".  

(*) في إطار عودة كونديرا الى التشيك، ستنشر أحدث رواياته "حفلة التفاهة" بترجمة تشيكية للمرة الأولى. ثانيًا: سيقدم المسرح الوطني في برنو عرضًا جديدًا لمسرحيته الصادرة العام 1962، "مالكو المفاتيح"، في 23 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. بالإضافة إلى أن كونديرا يعدّ بنفسه نسخة تشيكية من رواية "الجهل" مع المترجمة آنا كارينينوفا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها