آخر تحديث:13:08(بيروت)
الخميس 24/09/2020
share

حزب الله وسجّادة الزجاج

أسعد قطّان | الخميس 24/09/2020
شارك المقال :
حزب الله وسجّادة الزجاج حزب الله (Getty)
«ويمدّهم في طغيانهم يعمهون» (القرآن الكريم)
مسكين حزب الله. يرقص على فوهة بركان فيما كلّ شيء حوله يتهاوى. يعرف أنّه محكوم عليه، من الآن فصاعداً، أن يرقص وحيداً، وأن يخوض معاركه وحيداً، وأن يراكم هزائمه وحيداً، وأن يذبل ياسمينه وحيداً. لا ينفع الصراخ، ولا ينفع الاستقواء بالسلاح، ولا تنفع المكابرة، ولا تنفع الغطرسة، ولا تنفع الإحالات الإسطوريّة إلى التاريخ المقاوم. فكما تعلّمنا من سيكولوجيا الأفراد، وسيكولوجيا الجماعات، هذه كلّها ظواهر تعكس كما في مرآة مدى القلق الداخليّ، مدى الانفراط والتفلّت والتفكّك، وتعكس الخوف الجارف من مستقبل مرسوم بألوان من غموض. فاللجوء المستميت إلى خطاب الهويّة المأزوم في زمن تشكّل الحكومات، أو عدم تشكّلها، يفضح الهشاشة، ويفضح الخواء، ويفضح الذعر من تحلّل كلّ شيء، واندثار كلّ شيء.

بالمنطق الظاهريّ حزب الله ليس وحيداً طبعاً. معه السلاح. معه عصبة من النوّاب الذين يرتجفون منه خوفاً ولا يعارضونه. معه حزمة من القضاة التافهين الذين يأتمرون بأوامره. معه منظومة السماسرة والمافيويّين وصيارفة الهيكل الذين حوّلوا البلد إلى نهب منهوب. ومعه تاجر السجّاد الإقليميّ الذي نسي غواية الجنّة في قطنه وصوفه وحريره وتحّول إلى إرهابيّ. لكنّ الحزب وحيد بالفعل. ظهره مكشوف إقليميّاً، والوجع يعتصره من ضربة العقوبات على وزيرين! مذّاك يبدو وكأنّه يقود معركة حياة أو موت. لكنّ مخازن سلاحه مكشوفة أيضاً. وذروة الذلّ أن يطيح عدوّك سلاحك فيما أنت لا تجرؤ على توجيه التهمة إليه لئلاّ تضطرّ إلى ردّ لا تقوى عليه.

لكنّ حزب الله وحيد لسبب أكثر فداحة، وهذا السبب يرتبط بالمجتمع اللبنانيّ أوّلاً. فالحزب، شاء أم أبى، جزء من هذا المجتمع وفيه يتقرّر ارتفاعه أو سقوطه. هذا المجتمع بدأت معركته مع الحزب تشتدّ وتتكثّف، ولا شيء يشي بأنّها ستنحسر، بل إنّ الأغطية هي التي تنحسر، ووريقات التوت هي التي تتساقط واحدةً بعد أخرى. من يقوى على أن يغطّي حزب الله بعد تشلّع مرفأ بيروت عشيّة الرابع من آب وتحوّل ثلث الحاضرة المتوسّطيّة إلى عنبر من ركام؟ وإذا صدّق الناس أنّ الحزب لا علاقة له بنيترات الأمّونيوم في المرفأ، كيف يصدّقون أنّ ما حصل في عين قانا مجرّد خطأ تقنيّ في كومة ألغام جمّعها الشباب من حروب بائدة؟ وقبلها، طبعاً، ثمّة كثر لم يصدّقوا أنّ السيّد حسن نصر الله قادر على الانتقام لقاسم سليماني، ولقادة آخرين من الحزب يبدو أن إسرائيل تصيّدتهم فرادى مثل عصافير الخريف. ومع تراكم الضربات والانفجارات اللقيطة، تتراكم الخطابيّات المثقوبة بمفردات الفراغ، ويتراكم الوهن، وتتراكم عناكب الوعود التي لا تربطها بالحقيقة سوى خيوط واهية، وتتهافت الصدقيّة، وتتصدّع الثقة، ويصطرخ الشيعة، الذين بدأوا يضجرون من الإيديولوجيا التي يؤجّجها الموت. ثمّ يتلوّن كلّ شيء بالأحمر القاني من بيروت إلى عين قانا.

يرقص حزب الله على فوهة بركان محاولاً أن يحافظ على توازنه. لكنّ الأشياء تبدّلت بعد 17 تشرين. وهي تمعن في التبدّل بعد 4 آب، حين تحوّلت شوارع بيروت إلى سجّادة من شظايا الزجاج لا يحاك مثلها في قم ولا يباع نظيرها في حوانيت أصفهان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها