آخر تحديث:18:06(بيروت)
الخميس 24/09/2020
share

"العربية المحكية في لبنان" لنادر سراج

المدن - ثقافة | الخميس 24/09/2020
شارك المقال :
"العربية المحكية في لبنان" لنادر سراج عن التلميح بالكلام من دون التصريح أو الإبانة (علي علوش)
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب نادر سراج "العربية المحكية في لبنان: ألفاظ وعبارات من حياة الناس"، هو معجم تأثيلي معاصر، يُقَومِس نماذج منتقاة من المصطلحات والعبارات الأكثر شيوعًا في الحياة اليومية اللبنانية المعروفة بالخصب والتنوع. يتضمن الكتاب نماذج من الحصيلة المفرداتية التي تراكمت لدى المؤلف من جرّاء معايناته المباشرة، ورصده التعديلات والمبتكرات والمقترضات والمختصرات، في لغة المجال العام، التي تنشأ وتتراكم بمساعي القوى الحية في المجتمع. وهي أيضًا نتاج مقابلاتٍ ونقاشاتٍ أجراها مع رواة لغويين في لبنان ودول عربية.

لغة الحياة
رصد المؤلف، قدرَ المُستطاع ردّات فعل المتكلمين التعبيرية المثبتة بالشواهد، في معظم سياقات التخاطب وأحواله؛ إذ يقول: "وتعاملنا مع المدلولات، أي الفكرة أو مجموعة الأفكار المقترنة بالدَّالِّ، المتداولة في خطابهم اليومي؛ فالإفصاح عنها لا يكون إلا باللغة اليومية، لغة الحياة، التي أخذ المعجمُ على عاتقه استجلاء الدلالات البلاغية لمجموعة منتقاة من مفرداتها، وتظهير مُعمَّياتها المجازية".

يرتكز الكتاب على مفاهيم ومناهج سائدة ومعتمَدة في علمَي المعجميات واللسانيات: "يمتزج هذان العلمان في صفحاته بالثقافيات، حيث لا يمكن التفريق بين الثقافة والحضارة والأنثروبولوجيا في مجال تتبُّع المسائل والموضوعات والسياقات التي نُسِلَت منها ألفاظه وعباراته ومجازاته البالغة نحو خمسمئة واثنين وعشرين".

لتبيانِ موقع العربية المحكية اللبنانية المعاصرة ودورها في هذا العمل المعجمي، كان لا بد للمؤلف من الإحاطة بنماذج من التنويعات التعبيرية، الحديثة والمبتكرة، وتلك الدخيلة والمقترضة، والمبثوثة في ثنايا الكلام اليومي "التي تسنَّى لنا جمعها والتثبت من تناغمها مع منطلقات الكتاب ومرتكزاته؛ فاستخداماتها المتعددة الأوجه أسعفتنا في استقراء جوانب من التغيُّرات التعبيرية القائمة بين الأجيال والطبقات الاجتماعية في المجتمع".

لذا، قَرَّ رأيُه على الانطلاق من هذه المحكية، بوصفها إحدى أدوات التواصل اليومي الموسومة بالانفتاح والرحابة والمرونة والغنى التعبيري، والمتفاعلة مع لغات العصر الحيَّة.

ثقافة تعبيرية
يؤمن المؤلف بمفهوم دورة الكلام الواحدة، ويعتمده في مختلف المعالجات اللسانية التطبيقية، وهو نتاجُ تنامي دور وسائل الإعلام، في تشكيل المزاج والذوق بالنسبة إلى جمهور المتلقين، وتبيُّنِ مستويات التأثير فيه. وبحسبه، تعاملَ أهلُ "الميديا" مع هذا المفهوم بذكاءٍ لافت: "ومن هؤلاء مصمِّمو الإعلانات ومعدِّو البرامج الفنية والترفيهية وحتى تلك الحوارية، فعمدوا إلى اقتطاف جملة من المفردات والعبارات المجازية الطريفة والجريئة، المنسابة في سواقي الكلام اليومي، وأعادوا تدويرها بشكل سمحَ بإنتاجها مجددًا لأغراض تواصلية نفعية مستحدثة تخدم غاياتهم، وأحيانًا أخرى لمسوِّغاتٍ استهلاكية، ومغايرة للمقاصد الأصلية".

وبحسب المؤلف، يلاحظ قارئ الكتاب أن ممارسات الشباب الثقافية والسلوكية، بما في ذلك الأفعال والأقوال والتعليقات، وكذا ممارسات الإعلاميين بالطبع، وبعض السياسيين والفنانين ممن يتواصلون بشكل ناشط ومتسق، "تتخِّذ أحيانًا شكل مسكوكاتٍ لغوية، تمتلك معانيها الخاصة بها بالنسبة إلى مُنتجِيها ومُتلقّيها، ومُعدّليها ومروِّجيها، المُنتمين من حيث المبدأ إلى المجموعة الثقافية الواحدة. هذه الشيفرات التي أسعفتنا في تحديد طبيعة المفردات والعبارات المدروسة وتبيُّن أصولها وتصنيفها، ومعاينة حقولها واستقراء دلالاتها والكشف عن معمياتها، تكمن في الحقيقة وراء إنتاج المعاني الخصبة والثريَّة والمبتكَرة التي تشكل مصدرًا من مصادر ثقافة المجتمع. وهي ثقافةٌ تعبيرية المنحى في ما يعنينا، يطمح المعجم إلى استجلاء مصطلحاتها، وتشقيق مجازاتها المبتكرة، المتمثلة في التلميح بالكلام من دون التصريح أو الإبانة".

أنسنة المعجم
يأمل المؤلف أن يكون هذا المعجم، الذي يجدِّد النظر والتعامل مع مفردات الحياة بأسلوب مبتكر، قد "أفلحَ إلى حدٍّ كبير في أنسَنَة المادة المعجمية المدروسة؛ فهو سعى إلى تسخير المعرفة اللسانية بهدف سبرِ أغوار المفردات والتراكيب وتقصّي معانيها المؤتلفة أو المختلفة، ملتزمًا الصرامةَ العلمية والرحابة الفكرية كلتيهما في آنٍ. وتكمن ميزته التفاضلية في أنه يُعلِم القرَّاء ويخبِّرهم، ويُدقق جملةَ استخداماتٍ لتعبيرات وأقوال وألفاظ وأفعال تبدو للسامع كأنها شبابية المنشأ، وصادمة وتتمتع بجرأة تعبيرية. وهي في واقع الحال من لدن مجتمعهم، وتعود لأبنائهم وأقرانهم وربما لهم، مثلما للجمهور من حولهم، الفاعل في بيئته الثقافية، والمتفاعل مع نتاج أبنائها القولي".

إن الحصيلة المفرداتية لخطاب الناس، خطاب الشارع، الحرِّ والمسترسل، المتناغم إلى حدٍّ كبير مع خطاب المجال العام، والمتميّز منه بالصراحة والشفافية والمُباشرة، تُعالَج هنا مُعجميًا، وتُفكَّك تراكيبُها ومفرداتها ومجازاتها دلاليًا، "وبناءً عليه، وظفنا من جهة أولى كل ما يتصل بطبيعة مؤلَّفنا ويدخل بالتالي ضمن أساسيات المعجمية، كالمجال الدلالي والتداول المفرداتي والمعنى المعجمي الدقيق، أي التجريد للاستعمال الحقيقي لمفردةٍ ما في اللغة، وسواها. كما استندنا من جهة ثانية إلى مبادئ السيميائية، وأفدنا من تطبيقاتها".

نادر سراج
أستاذ جامعي، باحث ومترجم وكاتب. يعمل حاليًّا أستاذًا لمادة اللغة والفكر في العالم العربي في معهد الآداب الشرقية بجامعة القديس يوسف، حاز كتابه الشباب ولغة العصر دراسة لسانية اجتماعية (2012) جائزة "أفضل كتاب عربي لعام 2013"، من مؤسسة الفكر العربي. وتقديرًا لإنجازاته العلمية، نال جائزة "التميّز العلمي لعام 2018" من المجلس الوطني للبحوث العلمية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها