آخر تحديث:14:09(بيروت)
الثلاثاء 22/09/2020
share

في "اتفاقية" أبراهام".. أعلن الإله تخلّيه عن الفلسطينيين

أيوب المزين | الثلاثاء 22/09/2020
شارك المقال :
  • في "اتفاقية" أبراهام".. أعلن الإله تخلّيه عن الفلسطينيين
    أيّوب يستقبل أصحابه - رسم بيزنطي من القرن الثاني عشر
  •  يوم خلق آدم لميكيلانجيلو، 1511.
    يوم خلق آدم لميكيلانجيلو، 1511.
"قريبٌ/ ومستعصٍ على الإدراكِ هو الإله،/لكن حيثما وُجِدَتِ المهلكة
يتعاظمُ إذّاك/ الذي يُنجي./ لمّا كنت طفلا/ كثيراً ما انتشلني إله من صياح وسياط البشر".(فريدرش هولدرلين).

مع إبرام «اتفاقية أبراهام»، بين إسرائيل والإمارات والبحرين، بوساطة من ترامب، أعلن الإله تخلّيه عن الفلسطينيين، مُنسحِباً إلى أقاليمه المستكينة. إنّ اسم دونالد، في اللغات الجويدية، يعني حاكم العوالم السُّفلِيّة وسيّدها، عندما يستتر ملكوت السّماء. أمّا أبرام فهو اسم إبراهيم الأوّل، أثناء عقد الصفقة السحيقة، أي قبل زيادة هاء الهداية والهلاك فيه. هيه (ה“א)، حرف الوعد بالأرض وهاءُ أحقية النسل بالميراث مقابل جُرح الخصوبة لِرَيِّ الهويّات المُتغيّرة، الماضية والباقية، بالدّم والمنيّ: قضيبٌ مختونٌ وعِجلة مشقوقة وعنزة وكبشٌ ويمامٌ وحمامْ...لا يهمنا الآن إبراهيم، إذْ هو خليل الله المُنعّم، رافع قواعد بيته، بقدر ما تعنينا ورطة أناس لا مسكن لهم. أولئك المنبوذون على تخوم السردية التوراتية، المهملونعند أطراف المتوسط المعاصر: الفلسطينيون. ذلك الشّعب الممزّق بين شجن جوّاني وحصار برّاني، بين مثالية حالمة ومادية قاهرة. فما العمل إذن؟ لنحاول الإجابة عن السؤال باختباره في حقبة أخرى ولدى شعب آخر، هم الروس، قبل العودة إلى انكماش الإله وإشارات عودته.

يطرح الناقد الروسي نيكولاي تشيرنيشيفسكي (1828-1889)، في روايته الوحيدة والفارقة «ما العمل؟»، قضيّة ميلاد الإنسان الجديد آنذاك، ويلخص فيها أساليب الانعتاق من أوتوقراطية القيصر، ومن أطياف الرومنطيقية والمثالية. لمّا اندلعت أحداث أيار 1862 في بطرسبورغ، شاع عن تشيرنيشيفسكي تأثيره الكبيرفيالحشود، حتى أنّدوستويفسكي هرع إليه، راجياً التدخل لإخماد النار. عقب تلك الأحداث، حُبس تشيرنيشيفسكي في قلعة بطرس وبولس، حيث أنهى عمله. لقد وصلت الرواية للقراء كبديل من العدمية التراجيدية التي سحرت أجيالاً متلاحقة من الروس، قيلَ: مخدوعون بأهواء الجرمان. بعد الآن ليس "كل ما يصلح للألماني فهو كذلك بالنسبة للروسي"، كما كان يردّد ستانكيفيتش (1813-1840)، فعلى على الروس أن يخطّوا واقعهم بأيديهم، بمعزل عن عقائد شيلنغ وهيغل. اسم البطل هو رخماتوف. يظهر في ثلاث عشرة صفحة ثم يختفي. لكنه ليس روسياً، بل تتريٌّ يحمل آثار المحمدية المهاجرة إلى القوقاز، وفي اسمه اشتقاق الرحمن. كأنّه خلاص الروس القادم من الشرق، الثائر العنيد على ظلم القياصرة، مثل الحاج مراد الذي خلّده تولستوي في آخر أعماله.

إنّ شخصية رخماتوف لا تستكين إلى التأمل، بل تشقى وتزهد في العيش: يمارس رخماتوف تمارينه الرياضية، يقرأ ويلتقي الأصدقاء النافعين، يقتات على الخبز الأسود، يُدخّن السيجار أحياناً، وينام على خشبة مكسوّة بالمسامير لساعتين. لا يرتاح رخماتوف، فقد اختار الطريق الوعرة لينعم بالمجد. هكذا كرّس تشيرنيشيفسكي، من داخل عمله الأدبي، بواقعية ثورية واستشهادية حتى، تحويل الوحي العرفاني المتحقق في الصنعة الفنية، ونقله من شأن فردي إلى برنامج مجتمعيّ، معلناً انحدار المثالية، مرض الضّعفاء كما أصبحت تُسمّى وقتها، لتتأسس على أنقاضها واقعيته الاشتراكية: إذْ لم يعد الأمر مجرد طوباوية بطل روائي، وإنما منهجا عملياً اقترضه لينين في نصه الشهير، وبلغ ذروته مع ستالين الذي سيُلمّحُ لاحقاً، في لقاء غوركي العام 1932، إلى أنّ شخصيات مثل رخماتوف هم مهندسو الأرواح الإنسانية الذين قدّمهم السوفيات للعالم. لكن سرعان ما تتهاوى الملحمات والميثولوجيات ويبقى صوت الشاعر وحيداً: "لقد شربنا، مولاي./ الدم والصورة التي كانت في الدم، مولاي./ صلّ، مولاي./ إنّنا قريبون". فمتى سال الدم لنشرب صورته؟ وكيف أُخذ هذا الميثاق الغليظ حتى يُقتاد الضعفاء إلى الحظيرة الربانية؟


ختان الأبجدية
يفترض بعض الادعاءات الكتابيّة والتاريخية، إنّ الفلسيّين، أي الفلسطينيين القدامى الذين انتسبوا إلى كنعان بعد هجرتهم من كريت والأناضول، يوجدون خارج ملّة التوحيد بمعيّة الذين لم يتطهّروا عبر إقامة شعيرة اليوم الثامن، وتجعل منهم عصابة بحريّة حاربت المصريين وفتنت المنطقة بأسرها، قبل أن تستقر بين غزة ويافا. يقول داود في سِفر صامويل: "قَتَلَ عبدُك الأسد والدُّبَّ جميعاً. وهذا الفلستيُّ الأغلفُ يكون كواحدٍ منهما، لأنه تعدّى حدود الله الحيّ". تساوي الآية بين وحوش البرية والفلسطينيين، ثم ترميهم بالنجاسة. فالأغلف هو الأرغل، غير المختون الذي على حشفته قلفة، وهو غالباً وثنيٌّ لا يعرف يهوه، في غيابه وحضوره. تتبادل الحروف الأماكن وتنقلب، تتقلّب فتصير الغين قافاً ويبيتُ الأصيل لقيطاً يجهل الحدود، لكن فالوس الإله واحدٌ لا ينشطر.

ثمّة نكتة يوردها البرنامج الإسرائيلي الساخر "اليهود قادمون"، في سكيتش هزليّ عن الختان، مفادها أنّ الكيباه هي نفسها القلفة التي سلخها إبراهيم من ذكريّ إسحاق وإسماعيل، وحائرين بخصوص مصير الجلدة المائتة، قرّرا وضعها فوق رأسيهما! تبدو النكتة تافهة، لكنها تذكّرنا بكلام القديس بولس في رسالته إلى أهل روميّة: "إذن إذا كان الأرغل يحفظ أحكام النّاموس، فأما تُحْسَبُ غُرلته خِتاناً؟" فبولس لا يرى أنّ اليهودية تكون بشعيرة اللّحم وإنّما بشريعة العقل.


يوافق المصحف كلام بولس الرّسول ويستردّ الاستعارة الكتابيّة للنجاسة في الآية الثامنة والثمانين من سورة البقرة. وقالوا قلوبنا غُلْفٌ. تتحدث الآية، كما مجمل السّورة، عن بني إسرائيل ونزاعاتهم مع الإله والأنبياء، فتارة تقدّمهم كنُسّاك عابدين وتجعلهم أمّة الهداية، وتنزلهم تارة أخرى منزلة الوحوش في البرية. لكن هذه الآية بالذات، المقرونة باستعارة الختان، تكتمل باللّعن لا بالمسخ، باللّعن وحده: بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون. كذلك هو فعل الختان: وعد قبل العهد، وشرخ جليل في جدار اللغة المرتعدة والمنقوصة، من إبراهيم إلى محمّد. أمّا محمّد فقد تحرّر من أبوية الإله التي أرهقت إبراهيم بعد صفقة الختان، واكتفى بتعظيم نعمته السّماوية باستدارة نحو عهد النّذر، بيد أنّه لم يسلم من مهلكة الترك السماوي: تجرحه خديجة، يسيح في القرية ويحزن، يشكّ في نبوءته ويعتزل الناس، ثم يعتلي الجبل ليتردّى من شاهقه. ما ودّعك ربّك وما قلى. ينزل النبي، وينهمر الوحي الفاتر، لكن الرزايا تتعاظم؛ فالنبي لا يتوب لأنه لا يفهم الخذلان الإلهي، ويريد التخلي، لكنه لا يقدر، ليس لأنه عاجز، بل لأنه محكوم بالتكرار؛ وفي ذلك التكرار يحلم ويسأل: كيف للمصطفى أن يدان كسائر الخلق؟ وإذا كانت سورة الضحى ردّاً متأخراً أو مُؤجلاً على سؤال المسيح لحظة الصّلب، فإنّ محمّداً سينهل من قصّة أيوب حكمة الصبر المريرة حتى يتخطّى الآتي من الرزايا ويرتاح.

أقاليم الإله وأقانيمه
في مقال سابق بعنوان هذا فراق بيني وبينك... جيرة الألوهة والدنو من الجنون، قدّمنا لعزلة موسى وافتراقه عن الخِضر، هذا العبد الصالح الذي لم يكن سوى قرين موسى وأناه الأخرى في تيهها الصحراويّ، لكننا سكتنا عن مأزق رجل صالح آخر هو أيّوب، مكتفين بسماع صدى آهاته. إنّ معنى اسم أيوب الأكثر شيوعاً هو: "أين الأب؟". يعرف النبي جيّداً موضع الختان ومكان الأب، لكنه لا يتلمّسُ الجلد ولا ينبش في الجنيالوجيا. كذلك نجده في رسم بيزنطيّ بمثابة استرداد لاحق: يظهر المسيح قبل التجسيد وهو يتحدث إلى النبي بعد عذاباته. يقول أيّوب: "بسمع الأذن عرفتك، والآن رأتك عيناي". لكن المسيح نفسه في ورطة ويصرخ على صليبه: "إلهي، إلهي لماذا تركتني؟". إنّ الترك ليس اختباراً للأنبياء فحسب، بل هو فاجعة الآلهة نفسها، فعندما تبدّل أحلافها وعهودها، عندما تزيغ الآلهة منذ قرون وحتى الآن، فإنها تخبو بلا رجعة. في فيلم "اللوياثان" (2014) يُحيِّنُ آندري زفياغنسيف أسطورة النبي أيّوب بصيغة معاصرة: يستنجد نيكولاي، ميكانيكيّ السيارات، بصديقه المحامي ديمتري، لكي ينقذ أملاكه وأسرته من الضياع، لكن صاحبه يبيع قضيته ويخونه مع زوجته. وفي مشهد لقائه مع راهب القرية، بعدما خسر كل شيء، يُجدّف نيكولاي على الإله، يفعل ما عجز عنه النبي، ويستغرب لهذه العدالة المميّزة.


مثل أيّوب في محنته، يبدو الفلسطيني داخل مهلكة عظيمة، محاطاً بالأصحاب والأعداء، وبالإخوة الذين اصطفوا إلى جنب السماسرة، وعليه أن يتعذّب ليحظى بالسّلام. هذا ما يريد التأويل التقليدي أن يقوله للفلسطيني من خلال تجربة النبي الصبور الذي تحتفي به سورة صاد باعتباره تائباً أبديّاً. نِعم العبد إنه أوّاب. لكن حين جاءت سكرة الموت، وتوارى الإله، يكتب لوثر في مقدمة إنجيله ضد أطروحة خضوع أيّوب، حينذاك كشفت أقواله (أيوب) عن أفكار مخلوقٍ، مهما تكن قداسته، صار معاديا للإله: فما يبدو له الآن هو أن الإله ليس هو الإله، وإنما هو قاضٍ ومستبدّ غضوب يثير العنف. يتناوب الإله والشيطان إذن على اختبار أيّوب، فالرحيم ما يفتأ يصير رجيماً مُبدّلاً أقاليمه وأقانيمه، على نحو مظلم وغامض قدّمته مسرحية رسلان كوداشوف "سِفر أيوب" (2014) بسينوغرافيا فاتنة، كما أدار ڤلادتروايتسكي ذات القلق الأوبي للأوبرا بعنوان "إيُّوڤ" (2015) مع تأليف موسيقيّ متميز... إنّ أيوب في واقع الأمر هو من يُجزئ الإله ويشيطنه حتى يستعيد سيادته الخاصة، كذلك يطلق أقسى اتهام نحو الإله في التوراة: "الأرض مُسلمة ليد الشرير. يغشي وجوه قضاتها. وإن لم يكن هو، فإذن من؟". يبدو احتجاج أيّوب وثورته خروجاً من طفولة ساذجة، آمن فيها بعدالة الخالق، نحو رشد تام يبتغي الحرية قبل العدالة، لكنه يبقى في احتياج مطلق للصراع والشك حتى يختبر يقينه ونُضجه.

لا ننسى أنّ الإله التوراتي نكث بعهوده لمرّات، مع أبناء سارة وهاجر حدّ السواء، وإنْ تخلّى اليوم عن الفلسطينيين (وهل كان إلى جانبهم يوماً؟)، فإنه قد قايض اليهود، الأرض بالنص، وقذف بهم حطباً إلى أفران النازية. لا شريعة ولا أصحاب ولا دموع تنفع المفجوع في رزيّته. أكان نبياً أم زاهداً أم فاسقاً. وإذا كنّا نعتقد حقاً بأنّ إمكانية ما أخيرة ستحلّ، بأن مخرجاً ختامياً سيفتح بوّابة العدالة والحرية معاً على المستقبل بعودة إله متزنٍ، فلن يكون حتماً عاهل موسى الملطخ بمداد الحاخامات، ولا ثالوث المسيحية بأقانيمه المغرية، ولا المنقذ الملغز الذي يناجيه هودرلين داخل برج توبنغن لينجي الشعراء الطيبين، بل سيكون التجربة البشرية المضنية، المترسّخة في المسافات والفراق. هكذا يعود في الغياب المتعاظم، فتشهد عليه الأبجدية وينمحق. يقول الجاحظ في البيان والتبيين على لسان أيّوب: في أصحابي من أرجو دعوته ولا أقبل شهادته. الآن، واللّيلة تسير إلى نهايتها، أتنكّر للأصحاب الدّاعين والشّاهدين. لا أتمسّك إلاّ بواحد، طبعاً هو إبراهيم آخر، إبراهيم الأرغلُ والصّامت، ما يزال الجلد مُنطوياً على قضيبه، ولا يسمع من صراخ السّماء رعداً ولا قولاً، ولن ينفع ختانه ولا إخصاء ذُريته للتّكفير عن نكوصه بالعهد، عن سحره لإلهٍ كان سبّاقاً للحيلة: وَعَدَهُ بالخلود فعجّل بانحمائه.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها