آخر تحديث:13:02(بيروت)
السبت 19/09/2020
share

أبراهام أم إبراهيم؟.. لحظةَ غيَّر الرب اسمَ خليله

شادي لويس | السبت 19/09/2020
شارك المقال :
أبراهام أم إبراهيم؟.. لحظةَ غيَّر الرب اسمَ خليله "أبراهام يُطعم الملائكة" (رمبراندت - 1646)

فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ".(سفرالتكوين 5:17)

قارئ التوراة يعلم جيداً بأن الأسماء ليست مجرد أسماء. كل اسم يعني شيئاً، هو نبوءة في ذاته، وعد إلهي يحمله صاحبه كوشم، ويمرره إلى من يأتي بعده في سلسلة النسب. بمعجزة، يغيّر الرب الأسماء، معجزة تحول أصحابها، وتخلق واقعاً جديداً. إبرام، أي الأب المبجل، يصبح إبراهيم، أي الأب لجمهور كثير. وفي اللحظة التي يغير فيها الرب اسم خليله، يعده بأن يرث نسله أرض غربته، كنعان، ملكاً أبدياً. الاسم صك ملكية، ختم على العهد، العهد الأول في التوراة بين الله وإنسان "هذا عهد بيني وبينك"، يقول الرب. لكن الوعد ليس لإسماعيل الابن البكر، بل لإسحاق الذي لم يولد بعد.

نال إسماعيل اسماً إلهياً أيضاً. إلى البرية، تهرب هاجر التي أذلّتها سيدتها ساراي. فيتراءى لها الرب، ويكلمها، ستلد ابناً ويُدعى إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك. إسماعيل، "الإنسان الوحشي"، كما تصفه التوراة، يكثره الرب تكثيراً، لكن لا نصيب له في أرض الموعد. لقارئ العهد القديم، أبناء إبراهيم ليسوا سواسية، وبالأخص في ميراث الأرض، فابن الجارية ليس كابن الحرة، وولد المذلة ليس كولد الوعد.

يغير الرب أسماء أخرى كثيرة، ساراي التي ضحكت في قلبها تصبح سارة، ويعقوب الذي يحتال على أخيه الأكبر بأكلة عدس، ويخطف منه البركة والبكورية، ينال اسم إسرائيل، ومن بعده الأسباط يحملون اللقب. شاول اليهودي الغيور يتحول إلى بولس، التلميذ الثالث عشر للمسيح، ومعه تنتقل كل وعود العبرانيين من العهد القديم إلى العهد الجديد، ومن العبرية إلى اليونانية ومنها إلى كل لغة أخرى.

في الساعات الأولى بعد الإعلان عن "اتفاقية أبراهام"، أصيبت وسائل الإعلام العربية بالحيرة. فهل يطلقون عليها "أبراهام" بنطقها الإنكليزي، أم يترجمونها إلى "إبراهيم"؟  يتذكر هؤلاء أن "كامب ديفيد" بقيت كما هي. الترجمة الحرفية، "معسكر دواد"، كانت صيغة معايرة توجه ضد مؤيديها، أكثر منها ترجمة. وقبل بضعة أعوام، طالب الرئيس الإيراني حسن روحاني، المنخرطين في سلام مع إسرائيل، بالانضمام إلى "معسكر محمد بدلاً من معسكر داود"، الإشارة كانت واضحة بالطبع، وركيكة أيضاً. الرافضون للاتفاقية الأخيرة أبقوا عليها بلا ترجمة، "أبراهام" بدا وقعه أميركياً بما فيه الكفاية، أعجمي وغريب.

المعسكر الآخر، بعد قليل من التردد، حسم أمره، يستقر على "إبراهيم". فالقضية كلها خلاف بين أولاد عمومة يتصالحون اليوم. إبراهيم أبو الأديان الثلاثة التوحيدية، كما يصرح المسؤولون الأميركيون. الصراع كله شأن ديني.

وسائل إعلام اليمين الأميركي المسيحي، ترحب بالتسمية أكثر من الاتفاقية نفسها. الجمهور الذي يغازله ترامب بهذه التسمية، يحتفي بسياسات ممزوجة بقصص الكتاب المقدس، باتفاقيات وخطاب سياسي مرجعيتها النص الديني والوعود والتجليات الإلهية. هؤلاء الأميركيون ينتسبون إلى أبراهام أيضاً. بحسب العهد الجديد، هم أولاد الحرة، بنوّتهم بالروح، فيما الآخرون من مرتبة أدنى، فهم أولاد الجسد.

يكتب الإسرائيلي اليميني، يشاي فليشر، في موقع "جيوش نيوز سينديكيت"، مقالاً كاشفاً ودقيقاً، عن اسم الاتفاقية، لا مضمونها. يعنونه بـ"حرب السرد"، طارحاً سؤالاً في البداية: ما الكلمة المضادة لكلمة احتلال؟ الكلمة التي، بحسبه، روجها أعداء إسرائيل زوراً، ويجيب بثقة أنها "اتفاقية أبراهام". يؤمن فليشر، من دون حاجة لأن يقول، بأن اسم الشيء جزء من جوهره، السرد يغير الواقع، وأحياناً يخلقه من عدم. يكتب أن كلمة "أبراهام" تحول إسرائيل من صورة "طفيل استعماري أبيض، مستعمر أوروبي، أجنبي يستولي على الأراضي العربية، وينتهك حقوق السكان الأصليين"، إلى "شعب عريق عاد إلى أرضه وإلى وطنه، في قصة إعجازية عن الإيمان والتماسك والبقاء". يفهم فليشر جيداً أن الإشارة الى أبراهام ليست سوى اعتراف بالوعد التوراتي لشعب الله المختار، بوراثة أرض كنعان إلى الأبد. يعرف أيضاً أن الفلسطينيين، بحسب العهد القديم، ليسوا من نسل أبراهام، والأهم أن أبناءه بأي حال ليسوا سواسية.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب