آخر تحديث:13:17(بيروت)
الجمعة 18/09/2020
share

إيفون سرسق كوكرن.. "إننا ندهور جمالنا"

محمود الزيباوي | الجمعة 18/09/2020
شارك المقال :
  • إيفون سرسق كوكرن.. "إننا ندهور جمالنا"
    في متحف سرسق، 1962.
  • في خريف العمر.
    في خريف العمر.
  • ايفون سرسق 1973.
    ايفون سرسق 1973.
  • في طفولتها مع والدتها.
    في طفولتها مع والدتها.
  • الليدي مع ابنتها ايزابيل 1973.
    الليدي مع ابنتها ايزابيل 1973.
  • في متحف سرسق، 1963.
    في متحف سرسق، 1963.
في نهاية الشهر الفائت، توفّيت إيفون سرسق كوكرن عن 98 عاماً بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من إصابتها بجروح ناجمة عن انفجار مرفأ بيروت، وقيل يومها في رثائها "إن شخصية جميلة جداً وُلدت مع ولادة لبنان الكبير وغابت مع غيابه". فمَن هي هذه "الشخصية الجميلة" وبماذا تميّزت؟ في مطلع نيسان/ابريل 1973، نشر ملحق "نهار الرياض والتسلية" حوارا طويلا مع الليدي كوكرن أجرته الروائية حنان الشيخ ضمن سلسلة حملت عنوان "لبنانيات مرتفعات"، وفيه استعادت مسيرتها، وتحدثت بإسهاب عن نشاطها في حماية التراث المعماري اللبناني.

 

التقت حنان الشيخ بإيفون سرسق في القصر الذي يحمل اسمها، وهو القصر الذي يُعتبر من أقدم الأبنية التراثية في بيروت، ويقع في الأشرفية، في الحي الذي اشتهر باسم عائلة سرسق، وقد شيّده موسى سرسق في عام 1860، وورثه ابنه ألفرد ثم حفيدته أيفون التي تزوجت من لورد من آل كوكرن شغل منصب القنصل الفخري لإيرلندا، فُعُرف منذ ذلك الحين باسم قصر الليدي كوكرن. في بداية هذا اللقاء، شرعت إيفون سرسق في الحديث "فأتت اجابتها في عربية مكسرة، وفيما بعد، لتعبّر عما تقول في وضوح أكثر، استعانت باللغة الإنكليزية وهي تعتذر عن سوء عربيتها"، وأوضحت: "أمي كانت أجنبيه، وانا كلّ عمري خارج لبنان، في إنكلترا، وفي مدرسة داخلية، وما عدت الى لبنان قبل السادسة عشرة، عدت اتعلم العربية، واجدها صعبة، الكلام صعب، والكتابة أصعب".

نشأت إيفون في إنكلترا، وتعلّمت في مدرسة داخلية فرنسية تُدعى "العصافير"، وكانت قوانينها صارمة للغاية، والطعام فيه أشبه بطعام النسّاك، لذا ايفون الطفلة تحلم "بالصناديق التي كانت تأتيها من بيروت، وفيها العسل بشهده، الفستق، الحلاوة، الدبس، الزعتر". وبقيت في هذه المدرسة حتى الثالثة عشرة من عمرها، وبعد ثلاث سنوات، انتقلت مع أهلها إلى بيروت حيث كبرت واقترنت بقنصل الفخري لإيرلندا. بحسب شهادة حنان الشيخ، كانت ايفون سرسق "تتحدث الإنكليزية بلكنة إنكليزية، وتتحدث الفرنسية بلكنة فرنسية، وتتحدث العربية كأجنبية"، غير انها كانت شديدة التعلّق بهويّتها اللبنانية، وقد تمسّكت بها بشدة حين تزوجت من اللورد كوكرن، وكان القانون اللبناني يومها يسمح للمرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي بالاحتفاظ بجنسية واحدة فحسب، واثر زواجها، اكتشفت ذلك، فثارت على هذا القانون، وعرضت مشكلتها على رياض الصلح، وقالت له: "هيدا ما بيصير، ان أفقد جنسيتي لزواجي من أجنبي"، وبعد الأخذ والرد، عدّل رياض الصلح هذا القانون من أجلها، فاستعادت جنسيتها وجواز سفرها اللبناني، وهي منذ ذلك التاريخ تعيش وتصرّ على العيش في لبنان مع زوجها القنصل الفخري لإيرلندا.

تعلمت إيفون سرسق في شبابها الأدب، ثم ولهت بفنون العمارة والنحت والرسم، فدرست تخطيط المدن، وفي العام 1955، وشرعت "في انشاء الجمعية اللبنانية لحماية البيوت القديمة والمواقع الطبيعية، وذلك بعد ان لمست الضرر الاجتماعي والاقتصادي والجمالي الذي سيحدث للبنان". رأت الليدي كوركن ان اللبنانيين يضرّون بوطنهم بوحشية، "يهدمونه، وإذا بنوه فهم يبنونه بلا جمال، بلا مستقبل"، وأضافت:"هذا اعدّه من أخطر الحروب، لأنه يهدم الوطن بقوة ويسير به الى الوراء"، واستطردت بمرارة: "لبنان، آه من بشره الذين ما احبّوه، الذين ما اعتنوا به، اللذين دهوروه. عندما أرى الدّمار الذي حلّ على لبنان، تلمع خاطرة في رأسي وأقول: هناك من يدفع لفئة، يدفع كثيراً حتى يرى لبنان ما هو الآن. والآن ما مستقبل لبنان الشكليّ؟ خراب".

واصلت سيّدة قصر سرسق كلامها، وقالت: "المحيط والبيئة يهمّانني وهما يجعلان الانسان سعيدا ام حزينا، وانا أحب ان أكون ملفوفة بالجمال". وأشارت إلى "الطمع البغيض الذي أصيب به اللبناني"، ورأت انه"يبني ليؤجّر أكبر عدد من الشقق بعد ان يكون هدم ببيته الجميل، واعتدى على جنينته، وغيره يعتدي على البحر أيضا ويلوّثه، وغيره يعتدي على السكينة فاذا زمّور سيارته يهزّ الأعصاب والصباح الندي". ثمّ تساءلت:"والحكومة ماذا تفعل إزاء الاعتداء؟ هل تقف مكفوفة؟ انها شريكة المواطن اللبناني في التآمر. عندما أخبرناها ما يجري، عندما فتحنا عينيها، هزئت منا ومن افكارنا واعتبرتها خيالية، بعيدة الواقع". رغم ذلك، والصلت ايفون سرسق هذه المعركة، ورفعت لواء حماية فن العمارة، "لأنه حضارة أولا"، ولأنها ليست "سلبية كبقية اللبنانيين ثانيا". وسخرت من الذين يقولون "زوروا لبنان"وتمتّعوا بقضاء اجازتكم في لبنان"، واتّهمتهم بالكذب، ورأت "اننا ندهور جمالنا" ولا نعترف أمام العالم بهذه "الحقيقة المرة".

قالت المتحدّثة ان "الجمعية اللبنانية لحماية البيوت القديمة والمواقع الطبيعية" أنشئت لمحاربة هذه "الحقيقة المرة"، ولولا هذه الجمعية، "لكان لبنان في ضرر أكبر"، ولو تعاونت السلطة المختصّة معها، لكان باستطاعتها ان تنقذ عددا أكبر من الأبنية والبيوت. سلّطت ايفون الضوء على عمل هذه الجمعية، وقالت: "عندما نشعر ان صاحب البيت يريد هدمه لحاجة ضرورية نشتريه، ثم نبحث عمن يشتريه منّا. وهناك من يتّصل بنا للتّرميم فنأتيه باختصاصي يشرح له ما يجب عمله. وأحيانا نطلب من الحكومة ان تشمّر على ساعديها وتدفع المصاريف. وكم حزّ في قلبي لمّا لم أستطع ان افعل شيئا لأحمي أبنية عدة، فأحسست بالشلل يزحف بقوة عليّ ولا يتركني لأيام. وها أذا أحارب من أجل الفن الذي قدّمه الانسان للبنان، واحاول حتّى برموشي حماية هذا الفن، رغم انني تنازلت على الرئاسة وأصبحت عضوة في الجمعية. تركت الرئاسة لأنني أحب للطفل الذي ترعرع بين يدي ان يسير وحده بلا معونتي".

في هذا السياق، أشارت إيفون سرسق نائبة إلى نشاطاتها العديدة في الحقل الثقافي، فقالت إنها نائبة رئيسة دار الفن والأدب جانين ربيز، كما أنها كنت رئيسة متحف سرسق لسنوات، ورئيسة لجمعية الشبيبة الموسيقية، وعضوة في لجنة مهرجانات بعلبك، وعضوة في بعض الجمعيات الخيرية. وفي الختام، سألتها حنان الشيخ: "ماذا تفعلين إذا ما أرادوا هدم قصرك لتوسيع الطريق؟"، فصمتت واستغرقت في التفكير وقالت بصوت منخفض: "أحزن". ثم عادت وأردفت: "أصاب بالجنون". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها