آخر تحديث:13:02(بيروت)
الأربعاء 16/09/2020
share

كيف يتكرم نظام الأسد على المسيحيين من كيسهم

علي سفر | الأربعاء 16/09/2020
شارك المقال :
  • كيف يتكرم نظام الأسد على المسيحيين من كيسهم
    المدرسة المستعادة
  • انتصارات
    انتصارات
حدث ذات يوم، في مدرسة يوحنا الدمشقي في بستان الديوان (شرقي حمص)، أن تحول هيكلا باصين قديمين تعود ملكيتهما إلى دير الآباء اليسوعيين، إلى بؤرة للأوساخ والحشرات، ومرتعاً للجرذان!


إدارة المدرسة التي كانت، طيلة عشرات السنين، تراقب تحول المركبتين إلى كتلتين من الصدأ، لم تستطع أن تفعل شيئاً لإزالتهما من باحة المدرسة، فحدود عملها وبحسب قرار الاستيلاء على هذه المنشأة التعليمية رقم 1626 بتاريخ 13/11/1967، لا يخولها حق التصرف بملكية الدير من السيارات! ولهذا تغاضت عن وجودهما، ومنذ ذلك الحين لم يبرح الباصان مكانهما في ساحة المدرسة، وإلى حدود العام 2011، لم أعرف إن كان الأب فرنسيس فاندرلخت رئيس الآباء اليسوعيين في سوريا، والذي اغتيل لاحقاً في جريمة نسبها النظام للإرهابيين(!) قد تمكن من حل المشكلة التي رُبطت بدعوى قضائية تتعلق بمطالبة الدير باستعادة ملكيته!

يمكن للمرء أن يضع هذه القصة ضمن لائحة الطرائف القاتمة التي شاهدها في حياته، ضمن تفاصيل كثيرة في الشؤون السورية اليومية. فنظام الأسد الذي يحكم سوريا بناءً على أهداف "الوحدة والحرية والاشتراكية"، لم يبادر يوماً إلى إعادة أي حق من الحقوق للسوريين من دون أن يوظف الأمر في مصلحته الضيقة!

ومنذ بداية الثورة، سعى رأس النظام إلى استمالة فئات مجتمعية كثيرة إلى صفه، عبر إلباس المعارضين، سلميين كانوا أو مسلحين، صفات العداء للأقليات، وفي الوقت نفسه، استخدم وسيلة أخرى تتلخص في تقديمه الرشى للجماعات والطوائف والأديان، ومراضاتها وتحقيق مطالبها، ولكن من كيسها، فلا يبذل في سبيل ذلك أي جهد، ولا يدفع لها من خزنته قرشاً!

وبالنظر إلى التاريخ الطويل من المعاناة التي عاشها السوريون جميعاً بسبب القرارات الجائرة للحكم الذي تسلط عليهم طوال حياتهم، ستتحول الأعطية الأسدية إلى إنجاز ومكرمة، وستصبح استعادة بعض الحقوق انتصاراً يستحق الاحتفال.

وضمن هذا السياق، سيشكل قرار محكمة في مدينة حلب، البتّ، وبشكل مبرم، بالدعوى الخاصة بمدرسة الفرنسيسكان لإعادة مدرسة ودير الأرض المقدسة (أرض التيرسانت) الى أصحابها الأصليين، أي الآباء الفرنسيسكان الذين بنوها في العام 1942، بؤرة ابتهاج للجمهور المسيحي السوري عموماً والحلبي خصوصاً. إذ يفتح المجال أمام الطوائف المسيحية لاستعادة بعض أملاكها من المدارس والمعاهد، التي تم الاستيلاء عليها في العام 1967 لصالح الدولة السورية، بعدما رفضت إداراتها قبول قرار وزارة التربية بتعيين مراقبين يتحكمون فيها ويفرضون عليها قواعد عملها، ثم عادت بعد فترة ووافقت على تنفيذ شروط وزارة التربية بعدما أنشأت مدارس جديدة!

قرار المحكمة الحلبية الغريب والمختلف، لم يستند فعلياً إلى أي حيثيات قضائية، بل جاء فعلياً بناء على توجيهات من رأس النظام ذاته، بحسب فراس لطفي رئيس إقليم مار بولس للرهبنة الفرنسيسكانية، الذي كتب في صفحته قائلاً: "الفضل الكبير في هذا المنعطف التاريخي، يعود للدكتور بشار حافظ الأسد(...) فلولا مبادرته ومباركته وتلبيته الفورية لطلب الآباء الفرنسيسكان باستعادة الأرض عندما اجتمعوا مع سيادته في 23 كانون الأول 2019، لكان الأمر يتطلّب سنين عديدة أخرى"!



فعلياً، احتاج الآباء الفرنسيسكان نصف قرن وثلاث سنوات، لكي يستعيدوا ملكيتهم، ولن تتعكر فرحتهم حينما سيذكرهم أحد بطول المدة التي احتاجوها لكي يتم لهم ذلك، لكن ما قد يعكر الفرح فعلياً لهم ولغيرهم، أن أحداً لن يستعيد أملاكه المصادرة وفقاً لقرارات البعثيين في مرحلة الستينيات وما بعدها، من دون أن يقدم للنظام ما يحتاجه في هذه المرحلة، أي الولاء الكامل، والتأييد!

وهكذا لن يستطيع المرء إحالة الواقعة إلى سلة الطرائف السورية، بل ستذهب وحدها إلى زاوية المآسي المستمرة منذ عقود!

لقد رسخت في آذان السوريين عبارة "المدارس المُستولى عليها"، والتي كانت ترد دائماً في أخبار وزارة التربية، ويتم التعاطي معها كتعبير يوصّف قانونياً وضع مجموعة من الأبنية الدراسية! ولعل الفداحة في الأمر تتأتى من أن فعل الاستيلاء على الأَمْلاكِ يعني "أَخَذَها أَخْذاً"، وبحسب قاموس المعاني نجد أن تعبير استولى على الحكم يعني أنه اغتصبه، "أخذه بالقُوَّة والسِّلاح والغَلَبة"!

وإذا تأملنا في لائحة أسماء هذه المدارس، سنجد أنها تشمل عدداً غير قليل من المؤسسات التعليمية التي استولت عليها "الدولة البعثية" في سياق أزمة المدارس العام 67، حيث يذكر الأرشمندريت اغناطيوس ديك في دراسته عن مدارس حلب المسيحية في العصر الحديث، لائحة طويلة من أسماء المدارس الكاثوليكية التي جرى الاستيلاء عليها، مثل "مدرسة الأخوة المريميّين التي أصبحت "ثانويّة الأخوّة"، ومدرسة الراهبات الفرنسيسكانيّات التي أصبحت "ثانويّة مريم"، ومدرسة جان دارك لراهبات القديس يوسف التي أصبحت "ثانويّة المحبّة"، ومدرسة جورج سالم الصناعيّة التي تحوّلت إلى مدرسة صناعيّة حكوميّة، ومدرسة القديس نيقولاوس التي أصبحت "مدرسة التعاون"، ومدرسة القدّيسة كاترينا التي أصبحت "ثانويّة القدس"، ومدرسة الفرنسيسكان في حيّ الرام التي أصبحت "إعداديّة ميخائيل كشّور"، والمدرسة المجاورة لكنيسة القديسة بربارة التي سًمّيت "مدرسة الآباء المختارين"، ومدرسة القديس أغناطيوس للسريان الكاثوليك التي أصبحت "إعدادية الأم"، وأيضاً مدرسة الأرض المقدسة التي أصبحت مدرسة للإعداد الحزبي الخاص بحزب البعث، استهدفها المتظاهرون العام 2012، وقاموا بتمزيق صورة بشار الأسد المنصوبة على بابها، قبل أن تعاجلهم قوات الشبيحة بالرصاص!

 
وفي دمشق دير السالزيان (مدرسة راهبات بنات مريم أم المعونة)، وراهبات الفرنسيسكان (دار السلام)، ومدرسة اللاييك (سميت بمعهد الحرية، ثم معهد باسل الأسد، ثم أعيدت إلى الاسم السابق).


التفاؤل الذي أحاط بقرار عودة المدرسة إلى أصحابها، ارتفع مستواه عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فبلغ حداً يبدو أنه يقارب الخيال، إذ طالب كثيرون أن يأخذ الأمر شكلاً صريحاً عبر تخلي الدولة/النظام عن الإرث الناصري/البعثي الذي أُمّمت بموجبه قطاعات واسعة من مجالات الحياة الاقتصادية السورية، وليس التعليمية فقط!

ولم تخف التعليقات رؤية أصحابها التي تلخصت بأن هذه السياسة قادت البلاد إلى الدمار، وليس فقط إبعاد الفعاليات الاقتصادية التي خرجت من الوطن بعدما تم الاستيلاء على أملاكها، بفعل قوانين التأميم والإصلاح الزراعي.

غير أن ما لم ينتبه له هؤلاء وغيرهم، ممن أثار قرار محكمة حلب لواعجهم، وأضاف إلى عيونهم رؤية وردية للمستقبل، هو حقيقة أن النظام البعثي الذي استولى على الدولة السورية منذ العام 1963، وبتلاوين انقلاباته، وصولاً إلى المرحلة الأسدية المديدة، لم يشغل باله سابقاً، بالعودة عن قرارات جارت على السوريين، وقامت بـ"تشليحهم"، ليس ملكياتهم فحسب، بل الفضاء العام الذي يعيشون فيه، وفرضت عليهم سياسة "منع كل شيء" من دون موافقة الأجهزة الأمنية كقاعدة عامة، والسماح ببعض الأشياء كاستثناء من القاعدة!

بالتأكيد لن يشغل النظام نفسه هذه الأيام بإرضاء بعض فئات الجمهور المتضررة من قراراته التاريخية، من دون أن يستثمر في هذه الفئات ذاتها ضد فئات أخرى! ومن دون أن يحصل السوريون على نظام حكم مدني ديموقراطي، يحترم الملكيات الخاصة، فإن مكرُمات رأس النظام، لم ولن تكون سوى تطبيق للمثل الصيني الذي يقول: ما أتى به طائر الأوز سيأخذه طائر الأوز!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها