آخر تحديث:12:34(بيروت)
الأربعاء 16/09/2020
share

قرى مار مخايل المنشقة عن المدينة

حسن الساحلي | الأربعاء 16/09/2020
شارك المقال :
  • قرى مار مخايل المنشقة عن المدينة
    درج مار نقولا (علي علوش)
  • درج مار نقولا(علي علوش)
    درج مار نقولا(علي علوش)
  • درج مار نقولا(علي علوش)
    درج مار نقولا(علي علوش)
في أحيان كثيرة، تبدو المجتمعات المتشكلة حول أدراج الأشرفية، كأنها قرى منعزلة عن المدينة. السبب هو ابتعادها عن حركة المواصلات المتدفقة باستمرار، وبالتالي قدرتها على حصر الإجتماع الإنساني في القاطنين فيها. لذلك، عندما يحاول أي شخص وصف الحياة في هذه الأمكنة، لا بد سيذكر مشهد "ركوة القهوة على الدرج"، الذي يعتبر رمزاً للعلاقة الحميمية بين الأفراد، وأحد الصور النمطية عن الحياة القروية بشكل عام، التي من السهل أن يستعمل فيها المجال العام بوصفه خاصاً.

بسبب هذه العلاقة بين العام والخاص، لم يكن صعباً تحويل بعض هذه الأدراج إلى فضاءات عامة، تستقبل نشاطات من الصعب إقامتها في الشوارع الرئيسة، كالحفلات الموسيقية، المسرحيات، المعارض الفنية..  نتحدث هنا عن أدراج الأحياء السياحية مثل مارمخايل والجميزة، التي استقبلت شرائح راغبة في الترفيه عن نفسها والقيام بنشاطات ذات طابع ثقافي، ما أمّن العنصر البشري الأهم الذي لا نجده في أدراج كرم الزيتون مثلاً التي تمتلك جماليات لا تقل أهمية بلا شك.



يقول رودي ناكوزي الذي شارك في تأسيس فضاء فني/ حانة Sole Insight على درج "فاندوم" في مارمخايل: "قبل 4 آب كان الدرج شبيها بالحديقة العامة لأنه يستقبل فئات عمرية إما صغيرة جداً أو كبيرة جداً، بالإضافة إلى نمط خاص من الناس متنوعي الجنسيات، يختلفون عن الذين تراهم في الشوارع العادية لأنهم أصدقاء للبيئة، يكرهون السيارات ويفضلون إما المشي او ركوب الدراجة الهوائية. يعيش هؤلاء حياة "منشقة عن المدينة"، بعيدة من الزفت، لا ترتكز على العجلة الدائمة والطاقة السلبية والغضب، الذي تراه في الشوارع العادية. كنت حين انزل إلى الشارع الرئيسي أشعر كأني عدت فجأة إلى لبنان!"

من المؤسسات التي كانت تنظم فعاليات ثقافية بشكل دائم على الدرج، "كوليكتيف كهربا"، وهي التي أعطت ناكوزي فكرة استغلال الدرج كمساحة للفن: "عندما تنظم مسرحية أو حفلة في الشارع، يأتي الجيران للمشاهدة، ويتجمع المارة. كما أن المعارض يتعزز فيها عنصر العرض على الرغبة في البيع التي يركز عليها الغاليري عادة، ويصبح عرض الفن هو للفن نفسه".

يضيف ناكوزي: "بعد 4 آب، تحولت المنطقة إلى صحراء بسبب خروج أكثرية الناس منها. إثنان من أصدقائي ينامان على الكنبة في الحانة اليوم بعدما أصبحا بلا منزل، ولم يعد هناك حياة نهائياً في الدرج. مع ذلك، كنا على وشك افتتاح الحانة مرة جديدة لأننا كنا نقول لبعضنا إننا نحن بيروت وإن المدينة تحتاج لنفس إسطناعي كي تعيش. لكن حريق المرفأ أجبرنا على التأجيل مرة جديدة". 



منذ ايام، نظم الحفلة الأولى على الدرج بعد 4 آب تحت عنوان "سوف أحيا" (من تنظيم "العمل للأمل)، شارك فيه الفنان أحمد قعبور والمغنية أمل كعوش وآخرين مدرسة العمل للأمل للموسيقى، وكريستين زينو. حرص منظمو الحفلة على وجود أسماء لا تتعامل مع الفن بصفته أداة للإحتفال حصراً بسبب الوضع العام الموجود في المنطقة.

يقول أحمد قعبور عن الحفلة: "في السابق، كنت أغني كي أعبّر عن أحلامي، أفراحي، غضبي، رغبتي في التغيير والحب، وكان صوتي والألحان التي أقدمها وما أكتبه يعبّر عني شخصياً أو عن الجيل الذي أنتمي إليه، أما بعد 4 آب وبعد الحريق في 10 أيلول، صدقاً كل ما أردته أن أؤكد فقط أني لا أزال على قيد الحياة، ولأقول إن هذا الصوت بمعزل عن أي قيمة جمالية او فنية، بحاجة أن ينبض من جديد في مدينة آيلة للموت. لذلك يبدو الناس الذين أتوا للمشاهدة والذين غنوا والذين يمسحون الغبار والزجاج عن الأرصفة، كأنهم لا يصدقون ان المدينة ماتت ويتجاهلون موت جسدها وروحها، وهم يستدعون أملاً بعيداً جداً وليس في المتناول لا القلب ولا الروح ولا العقل. لذلك غنيت، وأيضاً كي أخرج من قوقعتي وصومعتي، فصحيح أن كورونا وضعتنا في البيوت، لكن أيضاً المنظومة السياسية بكل تجلياتها وضعتنا في البيوت أيضاً، وكان من الضروري أن أصرخ وأغني وأقول أن هناك مدناً كثيرة تعرضت للدمار لكن قامت من جديد وهو ما يعزيني، مع أن بيروت ليست مثل اي مدينة، لأنها تولد وتموت باستمرار وهذا الموت والولادة المتتالية عذاب كبير، ولذلك نحن نعيش على طرف نقيض، ولا نمتلك حلاً وسطياً: أو نموت كثيراً أو نعيش كثيراً. لا أتحدث هنا فقط عن موت الحجر بل أيضاً عن موت المعنى وموت فكرة الحياة وفكرة الحب والصداقة... ".

أما في ما يخص مكان الحفلة، يقول قعبور: "دائماً كانت تستهويني فكرة الدرج مثل التي نراها في فيلم آيزنشتاين "المدمرة بوتمكين" عن الإرتقاء أو عن السقوط الذي نعيش شبيهاً له في بيروت اليوم. فنحن إما ننزل كثيراً أو نصعد كثيراً، والنزول دائماً أكثر صعوبة من الصعود. من ناحية أخرى، لا يمكنني أيضاً أن أنسى جمالية الساحة الموجودة وسط الدرج التي تطل على البحر والميناء والبيوت القديمة، التي لا تزال من ذاكرة بيروت المعمارية، بالإضافة إلى ما تمثله من المدينة الجامعة والمتمردة والحاضنة التي يجب نتمسك بها مهما حصل ونغني من أجلها".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها