آخر تحديث:12:55(بيروت)
الثلاثاء 15/09/2020
share

وصارت الجريمة الفرنسية بلا مؤرخها

روجيه عوطة | الثلاثاء 15/09/2020
شارك المقال :
وصارت الجريمة الفرنسية بلا مؤرخها قبل موته، كتب دومينيك كاليفا تغريدة في "تويتر" قال فيها: "إلى اللقاء"
قبل موته، كتب دومينيك كاليفا تغريدة في "تويتر" قال فيها "إلى اللقاء". بدا رحيله مفاجئاً وغامضاً، وبسبب ذلك، سرعان ما حمل إلى كتبه. هل فعلاً انتحر؟ هل تعرض للقتل على يد مجرم من المجرمين الذين أرّخ قصصهم؟ أم أنه يحتال بموته على هذا المجرم المفترض للقبض عليه، وبهذا، هو يشبه المحققين السريين الذين بحث في عملهم؟ هل موته، وعلى عكس التوقعات، سببه عملية أقدم عليها البوليس لأنه ذات مرة كتب عن نشأة مؤسسته؟ كل هذه الاستفهامات، وإن طرحت، لا تطمح إلى إجابة، لأن الإجابة عنها لا يمكن إمساكها، لا يمكن الدراية بها كاملة.

في الحقيقة، يصح الاعتقاد بأن موت كاليفا هو درسه الأخير: انه واقعة، لكن لا قصة له، بما هي إبانة لعلّته. قد تدور سرديات حوله، أما هو في حد ذاته، فمن الصعب العلم بعلّته تلك. فعلياً، هذا الدرس لطالما ردده كاليفا في كتبه. فعلى سبيل المثال، حين نشرت دار فردييه كتابه (بالاشتراك مع فيليب آرتيير) حول قاتل النساء هنري فيدال العام 2017، بدا الكتاب مجموع السرديات حول فيدال، ألّفتها كل من المحكمة، والصحافة، ومجتمع هييريس حيث حصلت الجرائم، بالإضافة إلى القاتل نفسه. وبتقديمها جميعها، حرص كاليفا على التأكيد بأنه لا يمكن معرفة كيف ارتكبت تلك الجرائم، لا سيما ان الشهود عليها، وهن ضحاياها، ما عدن خاصرات، وبالتالي، تبقى بمثابة أحداث يصعب قصّها كما هي، إنما تركيب سرد حولها.

ينتهي كاليفا إلى أنه لا قصة للواقعة، الواقعة لا تحتمل القصّ، بل إن غياب قصتها يجعل السرديات التي تبنيها، كثيرة. وهذا، بالتأكيد، من دون الاعتقاد بأن سردية بعينها من هذه السرديات هي التي تمثل الواقعة، وتتطابق معها. في هذا السياق بالذات، كان كاليفا قد اهتم بتأريخ التحقيق الخاص، أو التحقيق الاستشاري، واضعاً كتاباً عن انتشاره في فرنسا تحت تأثير إسطورة شيرلوك هولمز. فيتساءل عن ظهور ذلك التحقيق، وذيوع شخوصه، الذين يساعدون الدولة في الكشف عن حقيقة جريمة ما في حين وصولهم إلى حائط مسدود. إذ انهم بمثابة عقول أمنية لم تولد من المؤسسات، بل ولدت من شغفها بأسرار الجرائم، وبعلاقة خاصة مع مرتكبيها، وهي علاقة مختلفة عن تلك التي تصل البوليس بهم.

على أن اهتمام كاليفا التأريخي بالجريمة والتحقيق والبوليس، يحتمل ملاحظتين متداخلتين على الأقل. الأولى، أنه اهتمام يرتبط بغيره، وهو الثقافة الجماهيرية، التي تناولها في كتاب عن تاريخها في فرنسا في حقبة ممتدة من العام 1860 إلى 1930، مشدداً على أن هذه الثقافة لم تغير معالم الاجتماع، بمعنى جعله أحادياً، بل على العكس، سمحت له أن يتزود منها، ويصير على صفتها، أي متعدداً. وفي دراسته الثقافة الجماهيرية، قارب كاليفا المخيالات العامة، حيث وقع على أساطير المجرمين والمحققين، أو على ما يسمى أحيانا العالم السفلي، بما هو عالم مبني بالتقدم من الموت، ولغزه. بيد أن الملاحظة الثانية أن كاليفا، وفي إطار تأريخه لهذا العالم، لم يرفع من السرديات الرسمية حياله على حساب السرديات غير الرسمية، أو التي تصدر عن مؤسسات ليست حراسية وعقابية، كالمجلات والروايات. إذ إنه وضع كل السرديات على مستوى واحد، محاولاً دراسة تقاطعاتها وانقطاعاتها. وبهذا، كان يطبّق ما علّمنا اياه فلوبير حيال السرديات التي تروي واقعة ما، اي عدم التمييز بين "المهم" و"غير المهم".

لكن كاليفا ليس مؤرخ العالم السفلي بما هو عالم الجريمة، بل إنه مؤرخه بما هو عالم الحب والابتغاء ايضاً. ولهذا، اقترن اسمه بكتابه عن التاريخ الإيروتيكي لباريس، حيث روى وقائع من 1860 حتى العام 1960، تدور حول الحب والجنس في هذه المدينة، أكان مسرحها الأدب، كما في استدعائه زولا، أو السياسة، كما في استحضاره ليون بلوم. قدم كاليفا في ذلك الكتاب تأريخه عن تغير المدينة بحسب ايروتيكيتها، وتغير ايروتيكيتها بحسب التطورات فيها من دائرة إلى أخرى. وعلى هذا النحو، وبموته، يبدو أن باريس خسرت مؤرخاً عاش فيها لعقود، وألمّ بتفاصيلها.

بيو-بيبليوغرافيا
ولد دومينيك كاليفا في فيشي، درس في السوربون، ودرّس في معهد العلوم السياسية.
من كتبه: "الحبر والدماء"، "جريمة وثقافة في القرن التاسع عشر"، "بيريبي: عن سجون الأشغال الشاقة التي بناها الجيش الفرنسي في استعماره"، "أطلس الجريمة في باريس-من القرون الوسطى حتى أيامنا"، "العوالم السفلية-تاريخ المخيال"، ومؤخراً، "أسماء الحقبات". وضع حداً لحياته يوم السبت 12 أيلول 2020، وهو نفسه يوم ميلاده العام 1957.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"