آخر تحديث:12:24(بيروت)
السبت 12/09/2020
share

شاكر الأنباري... في رحاب فؤاد التكرلي

المدن - ثقافة | السبت 12/09/2020
شارك المقال :
شاكر الأنباري... في رحاب فؤاد التكرلي فؤاد التكرلي
هذه هي المرة الثانية، وربما الثالثة، التي أقرأ روايتي فؤاد التكرلي "الرجع البعيد" و"المسرات والأوجاع". سبب إعادتي للقراءة هو تعبي من قراءة الروايات الأجنبية المترجمة، وحنيني إلى حياة بغداد القديمة، خاصة فترة السبعينيات بما فيها من مرارات وذكريات جميلة، وتفتّح على العالم، وهي الفترة التي تتناول أحداثها رواية المسرات والأوجاع. ثم قررت قراءة العملين دفعة واحدة، كي يمكن لي فهم تجربته في الكتابة الروائية: أسلوبه، وتقنيته في السرد، وكيفية استخدام البيئة العراقية عبر الرواية ولغتها وشخصياتها، وكان التكرلي رائدا في هذا المنحى هو الذي جعل من بغداد ساحة للأحداث.

ورغم البعد الزمني بين كتابة الروايتين، وجدت تشابهات كثيرة بين العملين، ووجدت كيف يختبئ الكاتب خلف نصوصه، ومن ثم كيف يكرر رؤيته في عملين وإن تباينت الأحداث والشخصيات. تشابهات في اللغة التحليلية، والتقنية، والغوص إلى عمق الشخصيات النفسي. لم يوظف المكان بتفصيل كبير بل أشار إلى الأمكنة والشوارع الرئيسية متجاهلا الوصف المبالغ به لبغداد، أو بعقوبة، أو خانقين، وهي الأمكنة الرئيسية في الروايتين. قرأت خاتم الرمل منذ فترة طويلة وأتذكر أنه كرسها لمدينة بغداد فقط.

استبعد فؤاد التكرلي التأثير السياسي الآني في كلا الروايتين رغم أنه وضع إطاراً زمنياً للحقبتين، أي أواخر حكم عبد الكريم قاسم في الرجع البعيد، ثم حقبة السبعينيات حتى اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في المسرات والأوجاع. كلا الروايتين غذّتا الخطى بشخصياتهما وتفاصيلهما ويومياتهما نحو المأساة والكارثة: انقلاب شباط في 1963، واندلاع الحرب صيف سنة الثمانين تقريباً.

وباستبعاد الحدث السياسي المباشر، وفعله على الشخصيات، ركّز التكرلي على الجانب الاجتماعي والأسري خاصة، وصراع الفرد مع محيطه بتناقضاته، وتخلفه القيمي، وسعيه للخروج إلى نور العقل والاستقرار والعدل، وثقل الحاضنة الأسرية على أفرادها. كان يستبطن دواخل الشخصيات بعمق، وأحيانا بشكل مبالغ به، وكأنه طبيب نفسي أو معالج روحي يستمتع بالحفر في تناقضات الشخصيات العراقية ودوافعها، خاصة الجنسية المكبوتة، ويقترب بعض الأحيان من الروسي ديستويفسكي، وهو يبدي إعجابه بهذا الروائي الفذ على لسان أحد الشخصيات "توفيق لام" بطل رواية المسرات والأوجاع.

وإضافة إلى السعة الثقافية في فهم الشخصيات، وقدرة الغوص في الأرواح، احتفظ التكرلي بلغة القانون والمحاماة، وهو كما معروف اشتغل طويلا في هذا الحقل، فأثرت تلك المواصفات السرد الروائي عبر إلقاء الضوء على الشخصيات والأحداث متناولا ذلك بمنظور متعدد الزوايا، وأحيانا غير مفكر به عند الشخص العادي. هذا الجانب هو ما يوحي بالثقافة العميقة المنفتحة، وامتلاك البراعة في نقل الحدث من مستوى معين إلى مستوى آخر، وهي معضلة تواجه معظم كتاب الرواية.

وجدت الحوارات بين الشخصيات شائعة جدا في روايتيه، وظفها كثيرا لكشف ما تفكر به الشخصية، أو لتصبح معبرا إلى طبقة أخرى من طبقات النص. ولم يتورع التكرلي من استخدام اللهجة العراقية، أو الفصحى المتكئة على اللهجة، بهذا زاوج بين الفصحى والعامية دون أن يشكل ذلك خللا، أو ضعفا في نسيج اللغة، وهذا الأمر يحتاج دون شك، إلى براعة روائية وفهم عميق للشخصية.

معظم شخصياته مهزومة، محبطة، تبحث عن طريق، تغرق أحيانا بالهواجس والأحلام والكحول والضياع، كون الظروف التي وضعت وسطها تشكل جدار قمع لها، بل وتأتي بعض الأحيان أقسى وأكبر من قدراتها، بالذات الشخصيات المتعلمة التي لا ينسجم تعليمها ورؤاها مع تخلف الواقع وقيمه البائدة. يحب ويكره، يسرق ويصلي، يفشل ويدّعي الانتصار، مهان وينتفخ بالكرامة الزائفة، يعشق ويفكر بقتل حبيبته، يكره السلطة ويحابيها، متعلم تعليما عاليا ويدب مع الطقوس والتقاليد، أليست هذه شخصية الفرد العراقي النموذجية على أرض الواقع، ومنذ أكثر من قرن من الزمان؟

إلى جانب غائب طعمة فرمان، أعتقد أنهما الروائيان اللذان امتلكا الريادة في تطويع الواقع إلى الفن الروائي، عبر "اللغة" العراقية وتفرعات لهجاتها، والأمكنة المحسوسة والمسماة في البيئة الروائية، والموروث المتجلي في ذهنية الشخصيات، ومقاربتهما للهمّ الإنساني في لحظة تاريخية عادة ما تسميها الرواية أو تشير إليها، سواء عرضا أو نتيجة ضخامة ضغطها وتأثيرها على سيلان الأحداث. كانا وفيين للمحلية كمادة أولية للإبداع، وكثّفا الرؤية الثقافية في الكتابة، مع ما تحمل تلك الرؤية من ضعف أحيانا، بدون ادعاء انشائي أو تضخم لغوي مستجلب من الثقافات الأخرى.

التقيت بفؤاد التكرلي مرتين، وكانت الأولى في مكتب المدى الدمشقي بعد الألفين وثلاثة، ووجدته يجلس على كرسي بسيط في صالة المدخل، وأظنه كان يتابع وقتها إصدار أعماله الكاملة، والمرة الثانية في وزارة الثقافة العراقية حين التأم هناك مؤتمر للمثقفين العراقيين سنة 2005 كما أتذكر، ووجدته بين عشرات المثقفين القادمين من الخارج، بالإطلالة الخجولة والتواضع الملحوظ، والابتسامة المواربة، وكنت وقتها أرأس تحرير النشرة اليومية التي كانت تصدر عن المؤتمر، لكن اللقاءين كليهما كانا عابرين، وسريعين، لم يتح لي الوقت والظرف للحديث معه، ونقل اعجابي الشديد بكتاباته، وهذا ما ندمت عليه لاحقا. 

(*) مدوّنة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها