آخر تحديث:13:04(بيروت)
السبت 08/08/2020
share

بيروت.. هيّا معي إلى المرفأ المدمّر

أسعد قطّان | السبت 08/08/2020
شارك المقال :
بيروت.. هيّا معي إلى المرفأ المدمّر حتى الأموات طيّرهم الانفجار من مثاويهم (غيتي)
لا وقت للحزن...
لا وقت للموت...
لا وقت للرثاء...

هل صدّقتِ أنّك متِّ؟ غلطانة أنتِ. هذه كذبة حكّامك الأخيرة. كذبوا عليك حين سمّوك مدينةً ثكلى ومنكوبة. تعرفين كذبهم بالتأكيد. هم يكذبون اليوم، لا ليخدعوك فحسب، بل لأنّهم لا يتقنون شيئاً آخر غير الكذب. فهم مصابون بلوثة البطالة: بطالة اللغة وبطالة الفعل، ولا حيلة لهم سوى الكذب. لكنّك اليوم مقهورة وضعيفة ومثخنة. مقهورة على أبنائك ومثخنة بجراحاتك. والمقهور والضعيف يصدّق. ولكن لا تصدّقيهم، بل صدّقيني أنا. إنّها كذبتهم الأخيرة قبل أن نزلزل الأرض تحت أقدامهم.

لا وقت للحزن...
لا وقت للموت...

لم يمت أبناؤك. لا تصدّقي. إرفعي لحظيك وانظري. ها هم يتقاطرون إليك من المشارق والمغارب كدرر مضيئة. يأتون إلى مار مخايل كي يجرفوا الركام. ينغلون في الجمّيزة كي يعزّوا الشجيرات ويضمّدوا جراح البيوت الحلوة. يفترشون الأرض في المساجد والكنائس، ويلمّون بقع الدم براحاتهم المضيئة كالحقيقة. إرفعي لحظيك وانظري. ألا ترينهم؟ لقد حضروا جميعاً وأحضروا الشباب من الشمال ومن الجنوب، من حلبا والمنية والنبطيّة وراشيّا، من الجبل ومن الشاطئ. حتّى الذين ماتوا البارحة حملوا أشلاءهم على راحاتهم وجاؤوا كي يهتفوا بك ألّا تبكي. فدمعتك غالية أيّتها المدينة المتّكئة على جرحها مثل أمازونيّة اقتُطعت من أسطورة قديمة. ألا ترينهم يتحلّقون ليكفكفوا دموعك بهتافات مستلّة من أناشيد ثورتهم، ثورتك أنت يا آخر المدائن الثائرة على المتوسّط؟ ألا تسمعينهم يهمسون في أذنيك ويحكون حكايات الحبّ؟ طرابلس، أختك العريقة، سترسل لك القمح. وبعلبك سترسل لك حجارتها القديمة كي نعيد بناء ما تهدّم، وصور سترسل اللؤلؤَ والمحار، وصيدا زجاجاً صقيلاً وحجارةً كريمة.

لا تصدّقي ساستك الكذبة. فالكلّ بات يعرف أنّهم دمىً من كلام. يقولون كي لا يقولوا. يكذبون كي لا يموتوا في خوائهم. من تصدّقين؟ صدقّيني أنا، أنا الذي تربّيت في أزقّتك بين شارع الحكمة وحيّ الجمّيزة حين كنت مهشّمةً ومنهكةً ومنقسمةً على ذاتك. هل تذكرين؟

سنذهب معاً، أنت وأنا، إلى المرفأ المدمّر ونعمّره لبنةً لبنة. سنفترش الرمل حين نتعب. وسأحكي لك حكايات الشواطئ وزهر الليمون. سنرتشف أغاني فيروز واحدةً واحدة: أغنيةً عن يارا التي ضفائرها من خيوط الذهب؛ أغنيةً عن شادي الذي كبرنا نحن وهو لم يكبر؛ أغنيةً عن أختك القدس التي أفردتِ لها في القلب قلباً ونصبتِ لها أرجوحةً بين ضلعين؛ وأغنيةً عن ابنة الشام النازفة التي كان شعراؤها يهرعون إليك هرباً من بسطار السفّاح، فتتفتّح قصائدهم تحت النخيل الطالع من نخيلك وتنام غزليّاتهم على مخدّات صباياكِ.

لا وقت للموت...

لا تصدّقي الدمار، بل صدّقي الحكايات القديمة عن المدينة التي تستلّ الفرح من الركام.

لا تصدّقي الدموع، بل صدّقي الأغنيات التي يخاف منها الطغاة كما كتب الشاعر الفلسطينيّ الذي صرتِ نجمةً له ولصحبه، ونجمةً لهذا الشرق العربيّ الموسوم بالحزن من فاس إلى صنعاء.

لا تصدّقي الموت، بل صدّقي الحياة. وصدّقيني أنا الذي تربّى في غبارك الجميل. وصدّقي الشباب والصبايا الذين أتوا إليك كي يبلسموا جراحاتك ويمسّدوها بالحبق ويمسحوها بزيت الزيتون.

غداً يوم جديد أيتّها المدينة الجميلة، المجنونة مثل قصيدة، العارية كانبلاج الصباح. فحكايتك المفتوحة مثل حكايا شهرزاد لم تنتهِ بعد. سأهرع إليك ونتعانق. وسيأتي بنوك وبناتك كي يطهّروا شوارعك بماء الياسمين من حقارة الساسة وسفالتهم. وسنزرع اللوز فتزدادين بياضاً. وستتدلّى الغروس من شرفاتك المتصدّعة. وسنبني ما تهدّم ونزيّنه بزهر وورد ورمّان، كما كتب عاصي العظيم، فتصبحين أكثر غنجاً، وأكثر رحابةً، وأكثر إنسانيّة.

وسنغنّي معاً أغنيةً للحرّيّة، ونتعلّم معاً أبجديّة الحرّيّة. فهذه أقوى من الرصاص الذي شلّع حيطانك، وهذه أمضى من الرأسمال الذي استباح مدفوناتك، وهذه أعتى من النيترات الذي مزّق أحشاءك. سنغنّي معاً أغنيةً للحرّيّة، إذ لا حرّيّة في هذا الشرق ما لم تتعلّمي الغناء من جديد...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب