آخر تحديث:12:58(بيروت)
الخميس 06/08/2020
share

الكارثة موجودة دائماً

محمد صبحي | الخميس 06/08/2020
شارك المقال :
الكارثة موجودة دائماً حتى وأنت داخل بيتك الآمن، تنقلب حياتك في لحظة (غيتي)
في البداية حريق وانفجار أوّلي، أعقبه بعد ثوانٍ انفجار هائل ولّد موجة ضغط ضخمة وقاتلة، ثم دخان كثيف. تنطلق شهقة رعب من أمّي الجالسة إلى جواري حين مشاهدتها فيديو انفجار مرفأ بيروت أثناء تناولها طعام العشاء. الرعب المبدئي ومحاولة استيعاب الصدمة، تبعه بحث عن الأسباب. في التلفزيون، يقول حسّان دياب إن 2750 طناً من نترات الأمونيوم خُزّنت وتُركت لمدة ست سنوات في العنبر الرقم 12 داخل الحوض الخامس لمرفأ بيروت، هي سبب  الانفجار. الغضب والبؤس يتملكّان المرء حين متابعته لتصريحات المسؤولين والتقارير الأولية. هل يمكن أن يصل الفساد إلى هذا الحدّ؟

لكن الاستغراب ينقشع لدى مراجعة راهن الانهيار اللبناني. فالفساد حين يحكم، ويعيش داخل بالون من الإدراك والإيهام والاستنكار الذاتي، يمكن له أن يكون خطراً داهماً على الشعب. الكارثة في تلك الحالة حتمية، قدومها ليس سوى مسألة وقت. المؤسف، أن الخراب لا يحيق بمؤيدي هذا النظام الفاشل أو ذاك، بل بالجميع. والمؤسف أيضاً أنه مع كل انزلاق للنخبة السياسية إلى قاع أعمق، يتكشّف أن لا حدود قريبة لتوقف هذا الانحدار، وبالتالي انسحاق ما تبقّى من إنسانية لدى "الناجين".

أتخيّل أرقام من تضرروا جرّاء الانفجار... الضحايا الأموات، الجثث المتفحمة، العالقين تحت الأنقاض، المفقودين. الآلاف أصيبوا بجروح من شظايا الزجاج المتطاير. في "تويتر"، آلاف الصور لأثاث مدمر وسقوف متدلية وألواح نوافذ مكسورة. بالكاد نجا لوح زجاج ضمن دائرة نصف قطرها 10 كيلومترات. تبحث العائلات بشكل يائس عن أقارب مفقودين في "انستغرام". ستستغرق بيروت ولبنان عقوداً للتعافي من هذه الكارثة، إن كان ثمة نجاة من توابع هذا الجحيم المجاني اللامبالي. شهود العيان والأصدقاء، في شبكات التواصل الاجتماعي، يكرّرون الأمر ذاته، كلٌّ بحسب خبرته وسنّه: "خضتُ الحرب الأهلية، والغزو الإسرائيلي في 1982، وحرب 2006، لكني لم أرَ قط انفجاراً مثل هذا". أنا أيضاً، في حياتي القصيرة لم أشهد انفجاراً كهذا، لا بعيني ولا في الشاشة. المشهد نفسه يتكرر في كثير من الشوارع: شرفات مهدمة، مكيفات هواء متدلية، سيارات مقلوبة ومهشّمة في كل مكان، والإسفلت مغطى بالزجاج المكسور.

بيروت، صباح الأربعاء، ساحة حرب. مشهد سوداوي مؤسف ودامٍ. وسط بيروت يبدو كأنه خارج من سنوات الحرب الأهلية. الأضرار كبيرة. هناك مَن بات ليلته في العراء، والبعض الآخر لدى أقارب وأصدقاء جاؤوا في الصباح يتفقدون الخسائر. الجمعيات الأهلية بادرت إلى تقديم الطعام والماء لمساعدة الأهالي ورفع الأنقاض في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا عناصر عسكرية أو شرطية في المشهد. فقط ناس يساعدون بعضهم البعض في لملمة الجراح وتجهيز البيوت وإزالة الركام. مشهد يختصر الحالة اللبنانية التي صار فيها المواطن مفعولاً به و"ملطشة" بكل معنى الكلمة، فيما المجرمون الحقيقيون ينعمون بمدى مفتوح لارتكاب جرائم إضافية، و"الدولة" بمؤسساتها "الوطنية" مشغولة بالأموال الوافدة وتسليم الأمور للسلطات العسكرية من أجل "الحفاظ على الأمن".


فيلم رعب مُعاش. كارثة إنسانية وغذائية وصحية وبيئية. مأساة جديدة تضاف إلى قَدَر اللبنانيين المثقل باختبار الكارثة تلو الأخرى. حتى من قبل الانفجار، يعاني لبنان أزمة سياسية عميقة منذ شهور، وتقاطع نُخَبُه السياسية الفاسدة جميع الإصلاحات. العملة المحلية تعيش حالة تداعٍ حرّ. ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 150% خلال الأشهر الثلاثة الماضية وحدها. البطالة والجريمة متفشيتان. نصف الستة ملايين لبناني يعيش الآن تحت خط الفقر، خصوصاً كبار السن المعتمدين على رواتبهم التقاعدية التي أضحت عديمة القيمة مع تحليق الدولار. استجدَّت مشاهد مؤسفة في الشارع اللبناني لأشخاص يبحثون عن الطعام في قمامة الشوارع. لأسابيع، أجزاء كبيرة من البلاد لا تنعم بالكهرباء سوى أربع ساعات في اليوم، ما يعني أن البحث عن الضحايا والناجين ليلاً في بيروت صعبٌ للغاية. أضف إلى كل ما سبق، ارتفاع حالات كورونا في الشهر الماضي، وعجز القطاع الصحي عن التعامل مع الوتيرة المتزايدة لانتشار الوباء.
 
في السياق ذاته، تضيف مقاطع الفيديو المصوَّرة منزلياً بُعداً مرعباً إلى الانفجار. فتوثيق الانفجار من البيت، بما هو مجاز الأمن والملجأ الأخير للابتعاد عن شرور العالم، يخلق تنافراً بين ما هو عادي (ويُفترض أنه عادي) وما يُتوقّع عاديته بفعل إدامة حالة الاستثناء في بيئة اجتماعية وسياسية شاذة. حتى وأنت داخل بيتك الآمن الهادئ المطمئن، يمكن أن تنقلب حياتك في لحظة، لأن أحدهم لم يقم بواجبه في تصريف مواد متفجرة، وأبقاها ست سنوات كاملة في مكان لا تُراعى فيه احتياطات السلامة، أو ببساطة لأنك تعيش في بلد يأمن فيه المفسدون العقابَ (وهو ما ينطبق بالمناسبة على غالبية بلاد منطقتنا المنكوبة بهم).


أيضاً، المنظور الذاتي للكاميرا الموثِّقة، يُماهي بين المتفرج والمصوِّر/الضحية، ما يخلق تأثيراً مكثفاً يكافئ في عنفه مشاعر عدم التصديق التي تسيطر على المتفرج - للحظات أو لأكثر من ذلك – حين رؤيته كيف تتحول ملامح الحياة النابضة فجأة إلى رماد ودخان. يتنوّع عنف تلقّي الفيديوهات بتنوّع مصادرها ومواقيتها. ففيديو يوثّق الانفجار لحظة إجراء مقابلة صحافية عبر "سكايب"، يخلّف شعوراً يختلف عن فيديو آخر أثناء إقامة قدّاس ديني أو موكب عُرس، لكن الكل يشترك في جذر واحد: العادي ليس عادياً. الانتقال من حال إلى حال، فجأة وبعنف غير مسبوق ومن دون سابق إنذار، هو تكثيف الكارثة، عيشها واختبارها كتعطّل مؤقت في صيرورة مستمرة. لكن، في الواقع، الكارثة موجودة دائماً، لطالما توافرت لها البيئة المناسبة، وما الانفجار إلا صفارة إنذار لتدارك الموقف وعَدْل الأمور. 

يُقال إن لبنان لا يفهمه إلا اللبنانيون، لكن المشاهد البيروتية نهار الأربعاء ليست بحاجة لقاموس لبناني لفهمها وترجمتها. الصور لا تكذب. لكن القادة السياسيين يكذبون. ملوك الطوائف يكذبون. أسياد الحرب ومسيّرو العالم بمنطقها يكذبون. منتفعو شبكات المصالح يكذبون.
الأمل الوحيد المتاح الآن هو التضامن بين المنكوبين بهذا العهد وتلك الحكومة، على رجاء، كبير بقدر يأسه، ألا تتأخر ساعة حساب كل المجرمين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها