آخر تحديث:11:53(بيروت)
الأربعاء 05/08/2020
share

كان ينقصنا هذا الدم في الشارع

محمد حجيري | الأربعاء 05/08/2020
شارك المقال :
كان ينقصنا هذا الدم في الشارع (غيتي)
أي كلام نقول عن زلزال مرفأ بيروت الذي دمر بيروت وناسها؟ أي كلام عن المدينة الجميلة المستباحة من غلاة المحاور واللصوص، والمنكوبة بالاغتيالات والانفجارات والفساد والإهمال؟ ما الذي يمكننا قوله وفعله وعمله الآن؟ هل يجدي البكاء والنواح؟ هل نستسلم للقدر النحس أم للقضاء النائم؟ يسهل علينا وصف الانفجار بأنه "القيامة الآن" أو أقوى من الحرب الأهلية اللبنانية، أو هيروشيما اليابان، أو أنه نسخة جديدة من 11 أيلول 2001 لناحية الفيديوهات التي التقطت وصورت من أكثر من زاوية من البحر والبر ومن على السطوح وحتى من داخل السيارات. 

أي معنى لأي شيء أمام هول الانفجار الذي لامس روح كل شخص منا... أُغرقت بيروت بالدم والزجاج والأبواب المخلعة والسيارات المحطمة والبيوت القديمة التي وقعت على رؤوس اصحابها...
أي معنى لأي شيء...
أي معنى لأي شيء أمام أشخاص قذف الانفجار جثثهم الى البحر، أو اصطادهم وهُم في الطريق الى بيوتهم أو حتى وهُم في بيوتهم.

يسهل سماع التصريحات البائسة وقراءة التعليقات والتغريدات الوقحة والانشائيات الوطنية السمجة والساذجة... يسهل اجتماع مجلس الدفاع الاعلى واعلان حالة الطوارئ وتأليف لجنة، يسهل اجتماع مجلس الوزراء. ويسهل التنديد ومتابعة التلفزيون والنقل المباشر، لكن من يتحمل المسؤولية؟ ومن المسؤول؟ من يعوّض على الناس؟ تلك هي المسألة في لبنان، من الفساد في الغذاء واللحوم والدجاج، الى الاغتيالات والسجون والتفلت الأمني والسلاح غير الشرعي. ما يبدو لنا أننا أمام دولة غب الطلب، يحكمها السماسرة واللصوص وتجار الأرواح وهي تدار بهواتف الأمنيين وأشباح القمصان السود... الشخصية الفذة حسان دياب، كان يبحث عن صورته وسيحاسب المسؤولين عن الكارثة (يستثني نفسه بالطبع)، وزير الداخلية يرمي المسؤولية على الجمارك، الجمارك يقذفها نحو القضاء أو إدارة المرفأ، وزيرة العدل شبه غائبة، العهد يتابع نومه... هؤلاء القتلة الذي يحكموننا، قد يضعون اللوم على المفرقعات النارية أو على الحدّاد الذي قيل إنه كان يلحم ثغرة... ستدخل قضية الانفجار في المعمعة والقيل والقال، وكل فريق سيحاول تهريب التابعين له من المسؤولية، ربما تنتهي القضية بأن
"راجح" فعلها، راجح أبقى ما سُمّي مواد كيماوية سبع سنوات في العنبر رقم 12، وراجح أهمل المواد الكيماوية إلى أن أصبحت قنبلة نووية متوسطة دمرت بيروت وقتلت المواطنين...

ما يمكننا قوله إن الفساد والاهمال تراكما في لبنان إلى درجة أصبحا أكبر منه، بل بات من السهل توقع الكوارث. سلطة فاسدة جل ما تفعله أنها تنتج الفساد والموت والقهر... الانفجار الأول كان في الاقتصاد وانهيار العملة الوطنية وسرقة أموال المودعين، والانفجار الأكبر والأضخم الآن. الانفجار الأول، أتى مرفقاً بالكورونا، دمر جيوبنا وزادنا عطالة وجعلنا أشبه بالمتسولين، بل بتننا نقترب من المعدة الخاوية. والانفجار الثاني سرق أرواح العابرين على الطريق، أو العاملين في المرفأ، أو الجالسين في الشرفات. دمر بيوتنا وحطم زجاجنا وسياراتنا، صرنا في مرحلة النكبة والأشلاء. لم يبق من مرفأ بيروت غير الركام، ولم يبق من بعض المباني الأثرية غير الدمار، لم يبق من بيروت غير الحزن والدموع. اهمال وفساد دمّرا الاقتصاد، وإهمال وفساد دمّرا الحجر، وما بينهما أزمة النفايات والمجارير من الكوستابرافا الى بحيرة القرعون، وأزمة تدمير البيئة من المسيلحة الى سد بسري.

كنا نتخوف من تداعيات قرار المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري في 7 آب، فإذا بنا أمام انفجار جديد أضخم بكثير من الانفجار الذي أودى بالحريري... في العهد النحس، كان ينقصنا هذا الانفجار، هذا الخراب، هذا الرماد، هذا الدم في الشارع، كان ينقصنا تدمير بيروت ومرفأها، كان ينقصنا هذا القدر المأسوي.

لييس في جعبتنا سوى القول: سلام لبيروت وأهلها وناسها وروحها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"