آخر تحديث:12:40(بيروت)
الإثنين 31/08/2020
share

عن ثقافة التطبيع والتطبيع الثقافي.. وسبل المواجهة

سامي حسن | الإثنين 31/08/2020
شارك المقال :
عن ثقافة التطبيع والتطبيع الثقافي.. وسبل المواجهة "اتفاق ابراهام"
مبررات كثيرة يسوقها الساعون إلى جعل التطبيع مع إسرائيل ثقافة سائدة في المنطقة العربية. منها، أن إسرائيل قد أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن القفز فوقه. وأنها من القوة العسكرية بمكان بحيث لا يمكن هزيمتها، وأن إنهاء الصراع مع إسرائيل سيؤدي إلى حالة من الرخاء والازدهار في المنطقة العربية، بدلاً من استنزاف الموارد والطاقات العربية في صراع لا نهاية له. ولم ينسوا طبعاً الاشارة إلى تقدم إسرائيل في مجال الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، والتغني بنظامها السياسي و"تجربتها الديموقراطية الفريدة"! إذن، تقوم ثقافة التطبيع على/ وتتغذى من ثقافة الهزيمة، ومقولات الواقعية، وتفوق العدو، وعدمية الصراع.

ينسى، وبمعنى أدق، يتناسى المدافعون عن ثقافة التطبيع، أن أنظمة الحكم المستبدة والفاسدة، ومنها أنظمة التطبيع، هي المسؤولة عن حالة الضعف والترهل والهزيمة التي تعيشها المنطقة العربية. وأنه، بعد مرور أكثر من سبعة عقود على قيامها، فإن الشعوب العربية ما زالت تنظر الى اسرائيل على أنها كيان مصطنع ودخيل على المنطقة. وأن مقاومة الفلسطينيين لم تتوقف، وأن عدد الذي يعيشون منهم اليوم فوق أرضهم (الضفة، غزة، أراضي 48) يساوي عدد الاسرائيليين، بينما يبلغ إجمالي عدد الفلسطينيين في العالم أكثر من 13 مليوناً، أي ضعف عدد الاسرائيليين، في الوقت الذي لم تتوقف فيه ممارسات إسرائيل العدوانية والعنصرية بحق الفلسطينيين، بينما تتسع الفجوة بين مكونات المجتمع الاسرائيلي نفسه (الاشكناز والسفارديم والفلاشا). ورغم التأثير الواضح للايديولوجيا الدينية على المستوى الاجتماعي والثقافي والقانوني، فإن أنصار التطبيع لا يخجلون من التغني بديموقراطية إسرائيل المزعومة، وتكرار الادعاء بأن الدولة الصهيونية هي بنت الحداثة، والقيم، والحضارة الأوروبية؟! يبدو أن هؤلاء لم يقرأوا كتاب "الأصولية اليهودية في إسرائيل" لإسرائيل شاحاك ونورتون متسفينسكي، والذي يُستنتج منه بأن حركات الاسلام السياسي المتطرفة، مثل القاعدة وطالبان وداعش، قد تبدو حركات "إصلاحية" مقارنة بالحريديم أو بحركة غوش ايمونيم.

التطبيع الثقافي
في حديثه لموقع إخباري إسرائيلي، أوضح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أن القضايا التي تهم دولة الإمارات من "اتفاق أبراهام" هي الزراعة والأمن الغذائي والدفاع السيبراني والسياحة والتكنولوجيا، وأشار إلى أنه متأكد أن لدى الإسرائيليين أيضاً لائحة من الاهتمامات. لا شك أن إسرائيل ستسعى لتحقيق مكاسب عديدة من "اتفاق أبراهام"، سواء في  المجال الاقتصادي (تسويق منتجاتها في الأسواق الإماراتية والعربية عموماً، الاستثمارات المالية في مجال البنوك والبورصة)، أو العسكري (بيع الأسلحة وعقد اتفاقيات تعاون عسكري) أو الاستخباراتي.

لكن إبراز قرقاش لأهمية التطبيع الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، لا يعني بحال، استبعاد التطبيع الثقافي، بما يترتب عليه من افتتاح مراكز ثقافية إسرائيلية في الدولة المطبِّعة، ومشاركة إسرائيل في الفعاليات الثقافية المختلفة (مهرجانات موسيقية وسينمائية ومسرحية، معارض الكتب)، بل وفي انتاج أعمال فنية مشتركة كالمسلسلات التلفزيونية على سبيل المثال، والذي قد يصل حد التأثير في المناهج التعليمية.

إن أهمية التطبيع الثقافي بالنسبة إلى إسرائيل، وخطورته على القضية الفلسطينية، تكمن في أنه يهدف إلى تشويه الحقائق والتاريخ، وإعادة تشكيل الوعي العربي، وكتابة تاريخ فلسطين والمنطقة، بما يتوافق والرواية الصهيونية حول أسباب قيام إسرائيل وظروف نشأتها، وتبرير مزاعمها بأن فلسطين هي الوطن القومي لليهود، والتنكر للحقوق المشروعة للفلسطينيين وانتزاع فلسطين من عمقها العربي. وبذلك، تحقق إسرائيل، من خلال التطبيع الثقافي، وبتكلفة تكاد تكون معدومة، ما عجزت عنه كل حروبها السابقة.

قبل أشهر، عرضت شاشة MBC مسلسلي "أم هارون" و"مخرج 7". لن ندخل هنا في نقاش المسلسلين والضجة التي أثاراها، لكن نشير إلى إن ردّ الفعل الايجابي من قبل الاسرائيليين اتجاه المسلسلين، واعتبارهما يبرزان المظلومية اليهودية، ويروجان للتطبيع، يدل على الأهمية التي توليها إسرائيل للتطبيع الثقافي. تجدر الاشارة إلى الدور الكبير الذي تلعبه مؤسسات إسرائيل الثقافية والفنية والاعلامية والأكاديمية في تسويق الأيديولوجيا الصهيونية، وتشويه الحقائق، وتلميع صورة إسرائيل الإجرامية والعنصرية. على سبيل المثال، فقد عرض في شبكة "نتفليكس" المسلسل الاسرائيلي "فوضى" الذي يتحدث عن ملاحقة الناشطين الفلسطينيين وتصفيتهم من قبل القوات الإسرائيلية التي يُطلق عليها "المستعربون". وفي حين يظهر المسلسل "شجاعة" الاسرائيليين و"إنسانيتهم"، ويبرر ما يقومون به من أعمال قتل، فإنه يُظهر الفلسطينيين كإرهابيين مجردين من المشاعر الإنسانية. إن مشاركة بعض الممثلين الفلسطينيين في هذا المسلسل، إنما يساهم في تحقيق هدف الإسرائيليين من انتاجه وعرضه. ولا يمكن النظر إلى هذه المشاركة، مهما كانت مبرراتها، إلا على أنها شكل من أشكال التطبيع الثقافي.

مواجهة التطبيع الثقافي
قبل الحديث عن مواجهة التطبيع الثقافي، من الأهمية بمكان، التأكيد على العلاقة التي تربط بين مختلف أشكال التطبيع (السياسي، الاقتصادي، العسكري، الثقافي). والتي تجعل معركة مواجهتة، معركة واحدة تشمل كل أشكاله. كما لا بد من الاشارة إلى أن كل أشكال التطبيع ومجالاته (على سبيل المثال المشاركة في معرض تجاري، أو تسيير رحلة سياحية، أو إغراق السوبرماركات بالبضائع الاسرائيلية) تصب في خدمة التطبيع الثقافي.

ورغم مرور 72 عاماً على قيامها، وتوقيعها لاتفاقيات كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو، وقبيل توقيعها الاتفاقية الرابعة مع الامارات، فقد فشلت كل محاولات إسرائيل للتطبيع الثقافي، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات. وإن حصول بعض الخروق هنا وهناك، لا يغير شيئاً من حقيقة فشلها الذريع.
في آب/أغسطس 2019، وقّع مئات المُخرِجين العرب على بيان ضد مؤسسة "كلوز أب" التي تهدف للتطبيع مع السينمائيين الاسرائيليين من خلال انتاج أفلام مشتركة. أما ردود الأفعال الأولى على "اتفاق أبراهام" فقد عبّرت عنها دعوة مجموعة من الكتّاب والفنانين العرب والفلسطينيين إلى مقاطعة أي فعاليات مرتبطة بالإمارات، كما دان الاتفاقَ اتحادُ الكتّاب التونسيين، ومثقفون عراقيون.

مع ذلك، لا يجب استسهال معركة مواجهة التطبيع الثقافي وثقافته. وربما صار ضرورياً وضع استراتيجية للمواجهة، تستند إلى خطاب ثقافي يستلهم قيم الحرية والعدالة وحقوق الانسان، ويعيد التأكيد على جوهر القضية الفلسطينية وعمقها العربي. ويبرز دور المثقف العربي في الانحياز لقضايا أمته. ولعلها خطوة في الاتجاه الصحيح، ان يبادر المثقفون إلى تشكيل شبكة عربية لمواجهة التطبيع، وأن يوقعوا على ميثاق شرف يحرِّم أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل. في هذا السياق، تبدو مهمة الإشارة إلى تجربة حركة مقاطعة إسرائيل، والاستفادة منها. فمنذ تأسيسها العام 2005، وبفعل عدالة القضية التي تناضل من أجلها، وطبيعة خطابها وعمقه ولغته، وبفضل آليات عملها، حققت حركة مقاطعة إسرائيل BDS إنجازات مهمة على صعيد المقاطعة الأكاديمية والثقافية. فقد انضمت إلى حملات المقاطعة، جامعات ونقابات وكنائس، وآلاف المثقفين والأكاديميين والفنانين من أنحاء العالم. في بريطانيا وحدها، وقّعت، العام 2005، حوالى ألف شخصية ثقافية على تعهد بالمقاطعة الثقافية. وصدرت عن الحركة عشرات البيانات التي تدين إسرائيل وممارساتها بحق الفلسطينيين، وكانت آخرها العريضة التي وقّعها في أيار 2020، أكثر من 350 من الفنانين والمثقفين المعروفين في العالم، للمطالبة بإنهاء الحصار على قطاع غزة وفرض حظر عسكري على إسرائيل. من هنا اعتبر مؤتمر هرتسليا 2015 أن حركة BDS تشكل خطراً إستراتيجياً، وربما وجودياً على إسرائيل.

أي مقاومة؟
وفيما تتبجح أنظمة استبدادية بمقاومة إسرائيل ومحاربة التطبيع، نجدها تمارس أبشع أشكال القمع بحق شعوبها. ولا تخفي بعض القوى التي ترفع لواء المقاومة، وقوفها إلى جانب هذه الأنظمة المستبدة. بينما واقع الحال يقول أنه لا يمكن فصل نضال الشعب الفلسطيني من أجل تحرره، عن نضال الشعوب العربية للتحرر والخلاص من أنظمتها الاستبدادية. فالمعركة واحدة ولا يمكن تجزئتها. والقضية الفلسطينية، هي تكثيف لقيم الحرية والتحرر والعدالة والمساواة وحقوق الانسان. وهي القيم نفسها التي يجب أن تتأسس عليها ثقافة المقاومة. ولا يمكن بأي حال من الأحول تبرير الاستبداد والدفاع عنه بحجة أن من يمارسه يقف ضد إسرائيل! إن من يدعون الانتماء إلى محور المقاومة والممانعة (كالنظامين السوري والإيراني وحزب الله) ليسوا أقل خطورة على القضية الفلسطينية من محور التطبيع (الإماراتي المصري).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سامي حسن

سامي حسن

كاتب فلسطيني

مقالات أخرى للكاتب