آخر تحديث:12:36(بيروت)
السبت 29/08/2020
share

"الفن الحديث في مصر".. عزلة الرواد عن محيطهم

شادي لويس | السبت 29/08/2020
شارك المقال :
"الفن الحديث في مصر".. عزلة الرواد عن محيطهم "الشواديف" (1934) للفنان المصري محمود سعيد
في نهاية إبريل/نيسان 2010، ضجت قاعة "كريستيز" للمزادات في فندق جميرا أبراج دبي، بموجات من التصفيق المخلوط بالضحك وشهقات المفاجأة، لوحة الفنان المصري محمود سعيد، "الشواديف" (1934)، قفز سعرها من مليون إلى مليوني دولار، في لحظة واحدة. الشاري الذي ظل مجهولاً، أعطى تعليماته عبر الهاتف لمضاعفة المبلغ. في بداية المزاد، لم يتجاوز السعر التقديري للوحة 150 ألف دولار، وبيعت في الليلة نفسها بحوالي مليونين ونصف المليون دولار، لتصبح أغلى لوحة لفنان عربي وقتها، ونقطة تحول جعلت من فنون الحداثة العربية مطلع القرن العشرين مجالاً للمضاربات الاستثمارية، وكذا مركز اهتمام المؤسسات الفنية والبحثية في دول الخليج والغرب. 
تبدأ فاتن مصطفى كنفاني، كتابها " الفن الحديث في مصر: الهوية والاستقلال" من تلك الليلة، لتعود فتصوغ سرديتها عن جيل الرواد المصري بين العامين 1850 و1936. الكتاب الصادر مطلع الشهر الجاري بالإنكليزية، يأتي في سياق توجه أوسع لإعادة النظر في تأريخ الفنون الحديثة في مصر، وبالأخص في النصف الأول من القرن العشرين. يبدو الكتاب في جزء كبير منه، وكأنه ردّ على كتاب الباحث الأميركي باتريك كين "سياسات الفن في مصر الحديثة: الجماليات والأيديولوجية وبناء الأمة" (2013). ركّز كين على الجانب الطبقي لجيل الرواد الذي انتمى معظم منتسبيه إلى الارستقراطية المصرية فرانكفونية الثقافة، وخلص إلى أن فنون ذلك الجيل كانت ترسيخاً للامتيازات النخبوية للطبقات العليا، وتحويلاً لجزء من فوائضها الرأسمالية إلى مراكمة رأسمال ثقافي إضافي، ضاعف من الهوة الواسعة بينهم وبين بقية المجتمع. 

في كتابها، تأخذ كنفاني مسافة من التحليل الطبقي ذي البعد الواحد، وكذا خطوة أبعد من التحليلات المابعد استعمارية التي تفترض أدواراً مبالغاً في تقدير أثرها للغرب. يصور الكتاب جماعة نخبوية من أرستقراطيين وخواجات ومتمصرين وطبقات وسطى صاعدة، تتوحد في مواجهة سؤال الحداثة في مجتمع غالبيته من الفلاحين، وتحت ضغط احتلال غربي، مدرسة للفنون الجميلة تأسست في العام 1908، على يد الأمير يوسف كمال، لكن وبفضل مجانيتها، كان واحداً من أوائل خريجيها وأشهرهم، المثال محمود مختار، ذو الأصول الريفية المتواضعة.

لا يتجاهل الكتاب الخلفية الأرستقراطية لصاحب "الشواديف"، الذي كان نسيباً للملك فاروق، لكنه أيضاً يؤكد على الأصول المتواضعة لراغب عياد ومارغريت نخلة ويوسف عفيفي وزينب عبده، وجميعهم من الرعيل الأول من الفنانين ومدرّسي الفنون المصريين. 


(راغب عياد: "من الحياة الشعبية"- زيتي- مصر 1965)

يتفق الصديقان يوسف كامل وراغب عياد على أن يدرسا الفنون في أوروبا بالتبادل، يبقى أحدهما في مصر محتفظاً بوظيفته ليساعد في نفقات الآخر في الخارج، وحين ينتهى من دراسته في أوروبا، يحين دور صديقه. لكن القصة التي تكررت كثيراً كدلالة على الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، تخبرنا بأكثر من هذا. فكل من الرجلين يمثل تياراً مغايراً في الجيل الأول. ظل كامل ملتزماً بجماليات أكاديمية خاضعة للمعايير الغربية وبمسحة استشراقية بعض الشيء، فيما عاد عياد بعد 6 أعوام من الدراسة في روما بثلاث مؤهلات مختلفة، ليلقي بكل ذلك وراء ظهره، رافضاً التبعية للأكاديمية الغربية وجماليات مدارسها، ويبتدع جماليات خاصة، معتمداً على تراث ثري من الفنون القبطية والإسلامية وعناصر من الفرعونية الجديدة، وينال عن استحقاق لاحقاً ألقاب مثل "شيخ الفنانين" و"محرر الفن المصري". 


(من لوحات يوسف كامل)

جورج صباغ ومحمد ناجي ومحمود مختار وراغب عياد ومحمود سعيد ومارغريت نخلة.. يتتبع الكتاب السيرة الفنية لهؤلاء الستة، ثلاثة من النخب الأرستقراطية والرأسمالية، وثلاثة من الطبقات المتوسطة الصاعدة، اثنان من الأقباط وثلاثة من المسلمين وكاثوليكي من أصول شامية، خمسة من الرجال وامرأة واحدة.. يجسدون تلك المبادرات الاستثنائية لجيل من أوائل الفنانين وجد نفسه أمام مهمة خلق الجماليات الفنية لهوية وطنية قيد التشكل. لا تبذل كنفاني جهداً كبيراً في التعامل مع موضوعاتها بشكل نقدي، وتفعل ذلك عمداً، مكتفية بتقديم سردية بطولية وشعرية أحياناً كثيرة. ولا تسعى في ذلك إلى تمجيدهم بوصفهم أبطالاً وطنيين، بل على العكس تشتبك مع إنتاجهم على مستوى فني وجمالي، لا كمجرد موضوع سياسي أو طبقي. أفراد وفنانون في سياق تاريخي واجتماعي شديد التعقيد، كانوا جزءاً منه ومن منتجاته، لكنهم كانوا صنّاعه في الوقت ذاته. 

يحتفى الكتاب بالمحاولات الجريئة والمغامرة التي خاضها فنانو جيل الرواد، لكن يذهب في نهايته للاعتراف بأن النخبة الكوزموبوليتانية التي انتموا إليها كانت متورطة بالكامل في مشروعها للحاق بالعالم الحديث، فعاشت في شبه عزلة عن محيطها، وشعر أفرادها بأنهم "أرقى لكنهم مسحوقون في الوقت ذاته". اختار الرواد، الفلاحين والريف ومظاهر الحياة الشعبية، كموضوعات لأعمالهم، لكنهم لم ينجحوا في التواصل مع الجماهير عبر ذلك الفن، ومع هذا ظلوا طوال الوقت مدفوعين بحس بالمسؤولية تجاه وطنهم ومجتمعهم. تصف كنفاني هذا التناقضات ببذور النكسة، النكسة الثقافية التي ستبدأ، بحسبها، في النصف الثاني من الثلاثينات، والنكسة العسكرية اللاحقة، مختتمة الكتاب بنهاية مفتوحة: "(الرواد) في انشغالهم بسباقهم نحو التطور والمثل الشرقية، لم يسمعوا أصوات المدافع. لكن يبقى السؤال: هل كان من الممكن أن يسمعوها؟" 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها