آخر تحديث:13:04(بيروت)
الأربعاء 26/08/2020
share

القضية الفلسطينية.. محاولات تصويب الخطأ الشائع

أحمد شوقي علي | الأربعاء 26/08/2020
شارك المقال :
القضية الفلسطينية.. محاولات تصويب الخطأ الشائع "سيلفي" لجندي ومستوطِن إسرائيليين، فيما أصحاب الأراضي الفلسطينيون يعتصمون احتجاجاً على توسع الاستيطان في الضفة الغربية(غيتي)
يعرفُ ابني، ذو الأعوام السبعة، أن الإسرائيليين أعداؤنا. هل أخبرته بذلك ونحن نشاهد فيلمًا في التلفاز لأفسر له سير الأحداث؟ أم جاء بالمعلومة من عالمه الخاص، الخارجي، الذي أواجهه إلى جواره من دون أن أستطيع الإحاطة به؟

غير أن ابني لا يعرف أن ما أصرح به في ما بيننا -مثل أشياء أخرى كثيرة- تخونني قدرتي على مواجهته، فردًا وضمن الجماعة، مرغمًا، أو غير مبال في كثير من الأحيان. هو لا يعرف، مثلا، أنني/أننا، ومنذ فترة غير قصيرة، لا نزال، كلما تصدينا لتحرير قصة صحافية تخص دولة الاحتلال الإسرائيلي، نطرح السؤال ذاته :"هو احنا بنكتب جيش الاحتلال؟"، فقط لنذكر أنفسنا بضرورة استبدال "الإسرائيلي" بـ"الاحتلال"، في ديناميكية بديهية، مثل تصحيح خطأ شائع.

كان صوتي أجشًا، عندما ألّفت نشيدًا عن استشهاد محمد الدرة، أغنيه بين الحصص الدراسية، يوميًا، وفي إصرار، حتى ضج من صوتي زملائي. وحين دخل علينا الفصل أستاذ احتياطي ليحل محل زميله الذي تغيب عن اليوم الدراسي، فإنه لم يجد -لتمرير الوقت- سوى أن يدعونا لاستعراض مواهبنا. حينها –وكأنها حيلتهم للتخلص من عذابهم/إزعاجي اليومي- أخبره زملائي أنني اغني، ولي أغنية عن محمد الدرة، فقمت ظهري إلى السبورة أواجه الفصل، بعد حرج طويل، أذكرُ نفسي أن ما ألّفته سردية توثق لحظة استشهاده، قبل أن أتلعثم بين صوت منخفض ولسان يأكل الكلام، حتى انتهيت، لكن أحدًا لم يسخر مني!

كيف أجلس الآن إلى ذلك الكرسي، أبحث في كل مرة أتصدى لتحرير مادة عن "إسرائيل"، عن "جيش الاحتلال" لأمررها من دون حذف أو استبدال، أو أبحث عن خلو الخبر منها حتى أنشره مرتاح الضمير، لأنني لم أشارك في ذلك كله؟ هل حقًا كنت غير مشارك؟ كيف يتسق الطفل الذي كنته، والأب الذي أريد أن أكونه، مع ذلك الذي يجلس ليطرح على نفسه السؤال ليذكرها بضرورة تصويب الخط الشائع؟

عندما أعلنت دولة الإمارات العربية، مؤخرًا، اتفاقها للسلام مع إسرائيل، راعني أنني لم أجد بين زملائي أو غيرهم من ناس الشارع، من يذكرنا حتى بتدارك الخطأ الشائع. وكأنه لم يعد هناك ازدواجية بين ما نحسّ به، وما يريد السياسيون أن نفعله، وكأنه لا وخز للضمير، ولا خطأ من الأساس، وأننا كنا/صرنا نمارس الصواب اللغوي!

عندما شرعتُ في إعداد استطلاع رأي، بين عدد من الفاعلين الثقافيين، يقودني خلاله سؤال "هل ما زالت القضية الفلسطينية تمثل قيمة للخطابين الثقافي والشعبي"؟ ظانًا بأنها لم تعد كذلك، ظهر النقاش بيني وبينهم، أقرب إلى محاولة للبحث عن رؤية مضادة أو موقف مسموع أكثر من الوصول إلى تفسير للوضع أو إلى نتيجة، وهو ما دعاني إلى العودة عن التدخل بالتحرير، من دون وجود خطأ شائع هذه المرة، تاركًا تلك الإفادات/الشهادات كما وصلتني (فقط قمت بترتيبها أبجدياً) أمام أمثالنا من الباحثين عن أصواتهم وسط ذلك السكات البغيض. 

الفنان التشكيلي أحمد اللباد: الإزاحة الشيطانية الممنهجة 



لا أستطيع أن أمنع نفسي من التقليب الحزين المتعجب في رد الفعل الشعبي الفاتر "الحالي" للتطورات المخزية لهرولة الأنظمة العربية فعلاً أو تلميحًا وإلى حد إقامة علاقات رسمية مع دولة الاحتلال إسرائيل، ومن دون حتى الاهتمام باختلاق أي غطاء إعلامي متماسك فيه غرام إقناع، يبرر ضرورة تلك العلاقات، أو يعلل حتميتها القاهرة. وتتقاطع في ذهني تصورات تبدو متنافرة، لكني أيضًا أجدها بشكل ما مكملة لبعضها. 

هناك بالتأكيد تفسيرات مضمونة وحقيقية، على رأسها الانكفاء نتيجة الإجهاد الطويل والضغوط الاقتصادية، والهزيمة الجامعة، وتضاؤل الأمل العام، والكفاح اليومي المهين القاسي للحصول على لقمة العيش، وتأمين ما هو أقل بكثير من الطبيعي... وهكذا.

هذه حقائق لا يمكن تخطيها تُسبب ذلك الانكفاء والنفي الطوعي، لكني لا أستطيع أبداً استبعاد التأثير الساحق لعملية الإزاحة الشيطانية الممنهجة لـ"القضية الفلسطينية"، بالتحديد منذ سنين بعيدة، لسلخها من تحت عباءتها القومية، ومن عضويتها المباشرة وعمق تأثيرها في كل دقائق الواقع العربي، وتقديمها في صيغة جديدة لئيمة تُعرِّفها وتُثبّتها في أنها "الـقضية الفلسطينية"؛ يعني القضية المرتبطة بالفلسطينيين، وبمظلوميتهم (الحقيقية طبعًا)، والمحدودة فقط في موقع بلدهم الجغرافي، وفي شعبهم المقهور بـ"سوء حظه"! وهكذا أزيحت تلك القضية القومية الأولى والأكبر من أولويات الناس، بالتدريج، وخُفضت لتكون في أقصاها في مجرد مستوى التعاطف العربي الأخوي، والمساندة الإنسانية الأخلاقية!

هذا بالتوازي مع دعوة الإفك المنحطة التي تتوسع منذ أن أُطلقت أيام السادات للتعمية، ويدار تسويقها إعلاميًا الآن عربيًا للتهرّب والاستنامة في ظلال تزويرها المريح، والتي تهتف بأننا قدمنا إلى "الفلسطينيين" و"القضية الفلسطينية" الكثير، حروب وشهداء ومعاناة اقتصادية وسياسية لعشرات السنين، فلا لوم علينا الآن إذًا عندما نسعى للالتفات لمصالحنا القُطرية ونحاول استعادة ما استلبته تلك القضية من حياتنا، ولو بالتسالم الرسمي مع إسرائيل. وكأن كل ما قدمته البلاد العربية منذ النكبة، هو تفضل أو مجاملة لبلد وشعب آخر، وكأن المشروع الصهيوني وجد فقط لاحتلال فلسطين، وليس لتغيير صيغة المنطقة وتركيعها. لذلك لن نستغرب ونحن نسمع ونقرأ بنفوس مرتاعة، الوصول لجرأة الجهر بدعوات في انحطاط بدرجة: "فلسطين ليست قضيتي"، و"الفلسطينيون تاجروا بقضيتهم.. فيما تمسك الإسرائيليون بقضيتهم"... وإعادة إحياء الدعوات الكذّابة السابقة عن بيع الفلسطينيين لأراضيهم، ورفضهم الدائم لأي فرص حصلوا عليها للسلام! 

وهل من الممكن أن نستبعد توق الشعوب العربية للتخلص من الاستخدام النذل، الذي مارسته الأنظمة العربية، بتحويلها، ومنذ زمن، تلك القضية الأرفع والأكثر استحقاقًا والأنصع عدالة في التاريخ الحديث، إلى مجرد غطاء تزايد وتبتز به شعوبها، لتأجيل أي تطلعات شعبية مستحقة، من المطالبة بالحريات، والعدالة الاجتماعية، والشفافية، وغيرها من بديهيات: تلك المعركة التي لم تحاربها الأنظمة بالفعل إلا قليلًا، والتي لم تؤمن أبدًا بها وبجدوى جديتها أصلًا، المعركة التي عايشت الشعوب استعمالها في الأغلب فقط لقهر الداخل وشطب آماله أولًا بأول، وأمَّمت بها حتى السياسة، وأنه بحسب تصور شعبي براغماتي (ولو يائس) قد تكون تلك النقلة النوعية بتسالم الأنظمة مع إسرائيل هي نقلة تنزع من أيادي الأنظمة سلاح الابتزاز هذا، وتجبرها على خلق صيغة جديدة للعلاقة مع شعوبها أكثر عدالة وإنصافًا "مثلاً"! 

أخيرًا، هل نستطع أيضًا أن نتجاهل اختلاط كل ما سبق، لتفسير رد الفعل الفاتر لهذا "الموقف الشعبي"، بحضور الآليات النفسية الكلاسيكية المشهورة؟! من أول ظاهرة "إعجاب القتيل بقاتله"، وصولًا إلى "عتاب ولوم الأضعف المهزوم"؟! تلك المتلازمات المرتبطة دائمًا بواقع خاسر منبطح، لا يستطيع من يعيشونه مواجهته بقلوب صحيحة متماسكة طوال الوقت. 

الروائي أحمد زغلول الشيطي: دع الوحوش تعمل في صمت 



يبدو أن الأسئلة، أسئلتنا، أو ربما نوع ما من الأسئلة، مثل التي نخوض فيها الآن، حول تطبيع الإمارات العلاقات مع إسرائيل، هي بالفعل إسهام في الكوميديا السوداء التي نحيا في هذه المنطقة، الحافلة بكافة صنوف المهازل. فقد رفع "الرئيس المؤمن" (السادات) شعار الأرض مقابل السلام، وحصل على سيناء منزوعة السلاح. الآن، صارت المبادلة: السلام مقابل الصبر، أو تأجيل القتل... إلخ، حتى أنك لا يمكنك -صدقًا- أن تدلى بدلوك في هذه المدعكة، حيث الجثة الملقاة في عرض الطريق، ولا يعترف بها أحد، إلا إذا نزلتَ حيث نزل "سعيد أبي النحس المتشائل"، الذي أشفق عليه الفضائيون لطول ما علَّق الأمل في نجاته من فخ الدولة العبرية، ومن فخاخ الدول العربية، على ظهورهم له، وأخذه معهم. 

وحده "سعيد" من استطاع تقديم شهادة وافية عن النكبة والنكسة، وهو في "المعية" معية الفضائيين، لعلك تعلم يا صديقي أننا الآن في مصر 5000 ق.م، يُبنى أطول برج في العاصمة الجديدة، بفخرِ وطني جارف، وعلى هدى من تجربة الإمارات الحبيبة، حيث تبدو أهرامات الجيزة المتهالكة، من دون أنظمة تكييف متطورة، مجرد هفوة تاريخية، ومن نوع العاديات القديمة، التي تهُرَّب ويشتريها الخواجات السذج نظير أوراق الدولار الخضراء. يتبارى المحظوظون من عمال اليومية، وصغار المتعلمين الذين حظوا بفرصة للهجرة، بعد إعطاء القرى ظهرها للزراعة، بأخذ صور سلفي من داخل "برج خليفة"، على خلفيات لامعة، وأوضاع لا تعلم متى أتقنوها. 

من دون أي تشكيك ممقوت، نعود إلى "الندل" الذي هو "سعيد" في مرويته المرسلة من الفضاء السحيق، في العام 1972، لقد دخل سبعٌ، خلسة، إلى اجتماع اللجنة التنفيذية "الهستدروت": "في اليوم الأول افترس مدير التنظيم النقابي، فلم ينتبه زملاؤه. وفى اليوم الثاني افترس مدير الدائرة العربية فلم يفتقده الباقون. وظل السبع يمرح مطمئنًا ويفترس مريئًا حتى أتى على ندل السفرة فأمسكوه"(*). 

يعترف سعيد "أنا هو الندل" وحيث إن الغالبية العظمى هي ندل أو ما شابه، فهو مشهور حتى أنه يُذكر في الأخبار، فإذا ما أصيب بعض الوجهاء في حادث، تُذكر أسماؤهم ثم يضاف وآخرون، "لا جدال أن المتشائل يوجد حيث يوجد الآخرون، ولا يذكر كفرد لعماء تاريخي استوطن المنطقة ولا يزال". 

زملاء "سعيد" سواء كانوا أندالًا أو "فواعلية"، عمال زراعيين، أو أصحاب مهن صغيرة، شاركوا في جميع الحروب ضد دولة الاحتلال، وعادوا مرات في تيه رمال سيناء جياعًا ممزقي الثياب، ضائعين، أو لقوا حتفهم ودفنوا حيث ماتوا ووارتهم الرمال. كآخرين مجهولين في حروب انتهت بالهزيمة، لم يحقق معهم أحد حول حقيقة ما حدث. عاد عم "علي أبو محمد" مع زملائه من سيناء حفاة جائعين (1956)، وعاد شقيقه الأصغر سيرًا على الأقدام، في حرب لم تتم أصلاً سنة 1967، أمثال هؤلاء لا يستفيق وجهاء القوم بخصوصهم، إلا إذا نازعهم "سبع" أميل حبيبي على التهامهم، حال لم يلحق بهم الفضائيون، على أن الفضائيين أنهكتهم كثرة التفكير فيهم، والحلم بهم، بعدما تفشت عقيدة جديدة لا يعلمون من أي مجرة جاءت، عقيدة تدعى: دع الوحوش تعمل في صمت.  

الروائي والمترجم أحمد عبداللطيف: هذه الهزيمة هي ابنة الثورات الفاشلة 



أعرف أن الحكومات دائمًا في واد والشعوب في واد آخر، ولعل الموقف المصري دليل على ذلك، فمعاهدة السلام لم تخلق قبولاً بين الشعب المصري لوجود إسرائيل، وإن كانت السلطة اعتبرتها صديقة، فالشعب ما زال يعتبرها عدوة.

أظن أن المثقفين مثاليون جداً في أحلامهم، وهو أمر محمود لأن الحلم هو سبب وجودنا كبشر، ولعلنا كنا حلماً في ذهن الإله قبل الخلق نفسه. مع ذلك، بنظرة واقعية إلى الوضع العربي، فلا أرى للقضية الفلسطينية سوى حل من اثنين: إما حل الدولتين، أو حل الدولة الواحدة ثنائية الهوية: الفلسطينية والإسرائيلية. والحقيقة أنها اقتراحات مفكرين آخرين أتفق معهم فيها، وكان إدوارد سعيد نفسه من اقترح مبكراً جداً حل الدولتين. لكن الواقع أيضاً يقول إن إسرائيل بتوسعاتها الاستيطانية ووحشيتها ودباباتها، لا تقبل أي حل من الإثنين، وهي مسألة طويلة من العناد وفرض القوة. ولأن حال العرب كما ترى، لا أرى أي بارقة أمل قريبة في حل هذا الوضع.

لا أعتقد أن موقف المثقفين العرب فيه ميوعة بقدر ما فيه كم هائل من اليأس والإحباط، من دون أن ننسى أن فشل كل الثورات العربية والعودة إلى بيوتنا بقمع أكبر فيما كنا نطالب بحرية أكبر. لاحظ حتى في الكتابة، كمّ الهزيمة المسيطر على الأدب، هذه الهزيمة هي ابنة الثورات الفاشلة، كان الوضع سيختلف لو انتصرت الثورة المصرية وتحققت الدولة المدنية الحديثة، كانت ستختلف لو أن سوريا واليمن وتونس وليبيا ساروا في المسار السليم. هذا الفشل يعيدك إلى ذاتك ويجعلك ترى العالم كمُشاهد، لا كفاعل فيه.

إنني أدعم سفر المثقفين العرب إلى رام الله، أو أي مكان تحت الاحتلال الإسرائيلي، ما دامت الدعوة من السلطة الفلسطينية، والهدف منها كسر الحصار عن الفلسطينيين. والحقيقة أني تلقيت دعوة من قبل لمهرجان ثقافي في رام الله، نظمته السلطة الفلسطينية ودار المتوسط، ووافقت على الذهاب بل وتواصلت لدعوة مستعربين إسبان للمشاركة فيه. هذا النوع من النشاطات الثقافية مهم جداً للاقتراب ورؤية الوضع الفلسطيني والكتابة عنه، وبالفعل كتب المستعربون عن الوضع دعماً للقضية الفلسطينية. ورغم أني لم أشارك لظروف خاصة، إلا أني أدعم ذلك الدعم. فالأرض المحتلة، حتى لو كانت إداريًا تابعة لإسرائيل، تظل فلسطينية. بالتأكيد سأرفض الدعوة لو كان إلى مهرجان أو جامعة اسرائيلية، هذا كلام مفروغ منه. 

(*) اقتباس من الفصل الأول من رواية أميل حبيبي، "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبى النحس المتشائل"، الطبعة الثانية 2006 دار عربسك، حيفا، فلسطين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها