آخر تحديث:12:30(بيروت)
الإثنين 24/08/2020
share

..ويُطلب ممّن تعرضوا للمجزرة أن يجعلوها حكاية

روجيه عوطة | الإثنين 24/08/2020
شارك المقال :
..ويُطلب ممّن تعرضوا للمجزرة أن يجعلوها حكاية انفجار مرفأ بيروت (غيتي)
المطلوب حالياً ممن تعرضوا لمجزرة المرفأ المرتكبة من قبل النظام في لبنان، أن يجعلوا من الكارثة التي عاشوها حكاية. حضهم على هذا الأمر، يصدر عن الميديا، بحيث تقدم على إدخالهم في رجائها المرئي، أكان مُشاهَداً او مقروءاً، بشرط أن يكون في وسع كل منهم ان يؤلف حكايته. بالتالي، الميديا تدفعهم إلى شكل من أشكال التبادل: يعطونها حكاية، فتعطيهم الظهور.
من الممكن التوقف على هذا التبادل من ناحية مشكلة بعينها، يصح طرحها هكذا: ماذا يحصل للحكاية حين يصير الظهور وجهتها؟

ثمة إجابة مباشرة على هذا الاستفهام مفادها ان الحكاية تصير محكومة بمعايير دون أخرى، بحيث، ولكي تبلغ الظهور، لا بد أن تحتوي على كذا وكذا. في النتيجة، هذه الإجابة تجد ان مشكلة الحكاية في "محتواها"، الذي لا يجب أن يكون محكوماً بتلك المعايير، بل، وعلى العكس، لازم أن يغدو مشرعاً.

لكن مشكلة "المحتوى"، أو بالأحرى معاييره، بمثابة تسجيل لمشكلة أخرى، وهي تتعلق بمبنى الحكاية. إذ تستوي الحكاية، في هذا السياق، على كونها بدايةً صورة، وهذا، لسبب بسيط، وهي أنها تقصد الظهور. هنا، لا بد من التذكير بمعادلة غي ديبور الشهيرة حول كون الرأسمال، وفي لحظة من لحظات تراكمه، يتحول إلى صورة. على هذا المنوال، الحكاية، وفي تحولها إلى صورة، تتطابق مع رأس المال ذاك في لحظته التراكمية، تغدو بذاتها رأسمالاً.

بهذه الطريقة، حض الذين تعرضوا للمجزرة، لكارثتها، على تحويلها إلى حكاية، هو بمثابة دفعهم الى رسملتها سردياً. بالطبع، الأثر الأولي لهذه الرسملة السردية هو أن تصير الحكاية، بما هي رأسمال، على قيمة أعلى من الحدث، التي تسرده، وقيمتها هذه تتعلق بكونها متداولة في الرجاء المرئي، بمعنى أنها ظاهرة. على هذا المنوال، تصير الحكاية فوق الحدث، تستغله، تجمعه، تحصيه، قبل أن تبدده، أو بالأحرى قبل ان تحسب ذلك. في النتيجة، هناك تبدل في العلاقة بين الحكاية والحدث: تموت الحكاية بوصفها طريقة لعبور الحدث، لتعيش كمنفاه، تموت القصة بوصفها عقب خوضه، لتعيش باعتبارها ما يعزله، تموت كمسار منه، لتعيش كصورة عليه.

فعلياً، من الممكن القول إن هذه الحكاية، وبعلاقتها هذه مع الحدث، لا "تعيش"، إنما، وعلى العكس، تتأبد، بحيث أن سردها، بما هو آلة وجودها، لا يسير، بل يتجمد في رجائها، في ظهورها، وقبل كل هذا، يخضع لرسملتها. إنه سرد في الصورة، داخلها، اذ يلتف حول نفسه، يتآكل، ويبدأ بالتفتيش كل مرة عن حدث، يأخذ منه طاقة، ليعود وينتج حكايته، أو يقويها، وبهذا، يرسخ علوقه بها من جديد. فلم يعد السرد نفسه يحدث، صار يفتش عن حدث، يستولي على وقعه، ساعياً إلى تركه من دونه، وهذا، في اثناء جعله حكاية.

بعد ذلك، مطالبة الذين تعرضوا لمجزرة المرفأ بأن يجعلوا من هذا الحدث حكاية، بمثابة السبيل إلى محوه، إلى محو علاقتهم به، استبدالاً لها بصلة تربطهم بالظهور. تماماً، كما لو أنهم عاشوا ما ارتكب بحقهم من أجل الانطلاق صوب الظهور على متن الحكاية. أما ذلك الحدث، فيصير خارج كل الرجاء المرئي لتحرك الرأسمال السردي الذي يتوجب عليهم أن ينتجوه. يصير الظهور هو الحدث، الذي يمحو حدثاً آخر، حدثهم، من رجائه، وهذا، بعد تحويله عبر الرسملة السردية اياها إلى منطلقه.

في هذه الجهة، ثمة استفهام وسؤال يلحان؟
الاستفهام: بعد دفع هؤلاء إلى إنتاج قصصهم، لمن يسردونها؟
باختصار، هناك اجابتان على الاقل. بداية، لمجتمع المتفرجين، بحيث يتداول تلك الحكايات، متفاعلاً معها. لكن، وفي حين التداول والتفاعل، وهذه هي الإجابة الأخرى، ثمة ما يسمى "أصحاب القرار" (الدولة، السلطة، البرجوازية الرثة وحواشيها) سيتدخلون بعد سماع الحكايات اياها. محلياً، "أصحاب القرار" هؤلاء، او نظامهم تحديداً، النظام الذي يمثلهم، هو المسؤول عما اقترف بحق الرواة أنفسهم، هو قاتلهم. بالتالي، هم عليهم أن يسردوا له ما ارتكبه بحقهم، بمعنى ثانٍ، عليهم أن يرووا للقاتل كيف قتلهم.

هذا، بالطبع، يدل على مدى قسوة القاتل، على كونه يستمتع بسماع حكايات عن عذابات هو مسببها، وفي أثناء ذلك، يقدم ذاته كأنه مجرد مستمع. مثلما انه يدل على انقلاب في الاسطورة المؤسسة للسرد. إذ إن شهرذاد لا تروي كي لا يقتلها شهريار، لكن، بعدما قتلها، وهو، بهذا، قد يدعي انه تغير، وقرر ان يقلع عن القتل. فالسرد في هذا المطاف قريب من كونه سرداً بعد الموت، بعدما نفّذ القاتل إرادته، إنه سرد ينقذ مقترف الموت، ينقذ القاتل من فعلته.
السؤال: حسناً، هل من اللازم الإقلاع عن السرد؟

فعلياً، الضروري هو تعطيل آلة الرسملة السردية بما هي آلة من آلات النظام، وسبيل من سبل تعطيلها قد يحصل عبر السرد نفسه. طبعاً، هذا موضوع مختلف، غير أن يمكن التمهيد له بالقول انه لا بد من تمرير سرد ما في تلك الآلة لكي يلخبطها، لكي يفجرها، ليكون سرداً ينتهي من السرد، ينتهي من رسملته. فيتحول السرد الى شيء آخر حيال ذلك القاتل ومجزرته، شيء يشبه العصيان الكامل، وأوّله عصيان تقديم الحكاية كأنها هي الحدث. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"