آخر تحديث:12:23(بيروت)
الخميس 20/08/2020
share

الشقاء ليس لبنانياً.. الآن وقت التغيير

محمد صبحي | الخميس 20/08/2020
شارك المقال :
الشقاء ليس لبنانياً.. الآن وقت التغيير مرفأ بيروت (مصطفى جمال الدين)
من لا يزال بإمكانه إنقاذ لبنان؟ حزب الله؟ غير منطقي. ميشال عون؟ نكتة. المجتمع الدولي؟ كثيرون يأملون في فعالية ذلك الشيء لكن الحال ينتهي به في كثير من الأحيان إلى الوجود كعملة نقدية مزوّرة، تشبه الأصل تماماً لكن بلا فائدة. حتى حين التماشي مع الرهان على المجتمع الدولي، تطاول المسعى شكوك جدية حول وسيلته ومصيره. هل سيصل الأمر إلى حدّ صراخ اللبنانيين على المجتمع الدولي "أنقذونا، دولتنا تقتلنا"؟ حسناً، وماذا بعد؟ هذا بالضبط ما حدث في سوريا. والأسد لا يزال موجوداً. هناك انعدام ثقة في المجتمع الدولي، لأسباب وجيهة، أقربها فشله في العراق وسوريا.

في لبنان، جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبدلاً من التماهي مع الغاضبين (وهو أمر غير منطقي أصلاً)، شجَّع اللبنانيين بشكل غير مباشر على النزول إلى الشوارع والضغط من أجل نيل مطالبهم. لكن، مرة أخرى، أليس وارداً ان يتخلّى ماكرون عن وعوده في أيلول/سبتمبر بعد أن يموت المزيد من اللبنانيين في الشوارع المنتفضة؟ من السهل جداً إسكات الجميع، مع تفعيل حالة الطوارئ، وإلهائهم بمزيد من اللاسياسة واللاتخطيط والإمعان في استكمال الأشياء كأن شيئاً لم يحدث في الرابع من آب/أغسطس. هذا أيضاً يحدث في مصر، المختلف وضعها كثيراً عن لبنان، حيث تتحوَّل الكوارث مناسبة لترضية الضحايا والتضحية ببعض الكِباش ممن "لا ظهر لهم"، ثم تعود الأمور إلى وتيرتها "الطبيعية"، على نحو غريب ومقلق ومفتوح على كوارث مقبلة.

في كتابه "تأملات في شقاء العرب"، كتب سمير قصير عن العجز في مواجهة الظروف والتحديات، وضرورة إصلاح الذات العربية، وإنهاء حكم الأمر الواقع. استعادته الآن واجبة وضرورية، لتجنب تكرار الأخطاء واستبدال الفاسدين بآخرين لا يختلفون عنهم إلا في الإسم. النخبة السياسية واقعة تحت تأثير جماعات مثل حزب الله، الذي يسيطر على أحياء كاملة في بيروت ويبسط سلطته على بعض المواقع الأخرى. الطائفية مترسّخة في مفاصل الحياة ومكونات المجتمع، وحتى بعد انتهاء الحرب الأهلية (رسمياً على الأقل) لا يبدو لبنان متزناً، إذ بنى اللبنانيون لبناناً مستجمعَ المتنافرات وأوكلوا إدارته لأمراء الحرب السابقين، يتفاهمون بين بعضهم بمنطق الغنيمة وقوة السلاح، ويتصارعون على حكمه ونهب ثرواته، ويربّون فساداً من نوع يثير التأمل.

الفساد في صورته اللبنانية يحتاج القضاء عليه، البدءُ من القواعد، من اللبنانيين أنفسهم. مثال للتوضيح: في الديموقراطيات المحترمة، القوى السياسية مؤسساتية وتعمل وفقاً لمبادئ الديموقراطية والدستور. في لبنان، تتحدث القوى السياسية مع "ولي أمرك"، فهم "يحمون" عملك ويروّجون لمنتجك. يمكنهم أن يعطوك وظيفة مربحة. لا تأمين صحياً، لذا تتكفّل القوة الضامنة والحامية بذلك. لكن في المقابل، ما تقدّمه هو التزام مدى الحياة بالولاء غير المشروط.

الفساد في لبنان ليس زبائنياً، كما في مصر مثلاً، بل يشبه طريقة عمل المافيا: هناك على رأس كل جماعة بشرية، "فتوة" أو جامع إتاوات، يفترض به ضبط علاقة هذه الجماعة بغيرها ورعاية مصالحها والدفاع عن أفرادها. لطالما حجبت الأسطورة مدى خطورة العلل الهيكلية التي تدمر البلاد من الداخل: منذ نهاية الحرب الأهلية، نظّم نظام التمثيل النسبي العلاقات بين الطوائف، لكنه في الوقت نفسه أمّن قوة عدد قليل من العائلات وسلالات السياسيين؛ والنتيجة هي سوء الإدارة والفساد. السلطة موروثة في لبنان. بعد اعتزال زعيم، يتولى ابنه السلطة، ثم يأتي حفيده: عون، الحريري، جنبلاط، الجميل.. عشائر سياسية، والسلالة الحالية غير قادرة إطلاقاً على قيادة دولة. يستمر القادة الأموات في الحكم، وتكبر الفقاعة، وتتوالد تحالفات لا معنى لها على الإطلاق. إنه غطاء لإخفاء حقيقة أن كارتيلاً حاكماً يقسِّم الرشاوى والعطايا على مكوناته. هذا ما يجب أن يكافحه اللبنانيون، بدلاً من التماهي داخله والاصطباغ بما لا يمكن التخلّص منه أبداً.

منذ فضيحة النفايات العام 2015، يعرف اللبنانيون مدى منهجية الفساد. تُختلس الأموال الحكومية على نطاق واسع. لم تختبئ الطبقة السياسية منذ ذلك الحين، لأنها أدركت أنها ليس لديها ما تخشاه. الآن نرى كيف يتعامل "الحيتان" مع صندوق النقد الدولي للحصول على أموال المساعدات. لا يريدون تبرعات عينية، بل يريدون المال السائب. مكافحة هذه السرقة الفاجرة لا تنفصل عن ضرورة إظهار العين الحمراء لذلك الجسم الحاكم الفاسد. لكن أي عين حمراء سيملكها البنانيون إذا لم يتخلّوا بدايةً عن إيمانهم بالنظام الحزبي والسياسيين الذين ساندوهم طوال حياتهم؟

هذا يحيل إلى الارتباط بين العوز والسعي للعيش المستور، وبين الاستقطاب السياسي وشراء الأصوات في الاستحقاقات السياسية. في مصر، يعيش حوالى ثلث السكان تحت خط الفقر (أي أكثر من 30 مليون شخص)، وما زال نهج شراء الذمم وتغييب العقول معمولاً به وفعالاً أيضاً. في لبنان، يعيش الآن أكثر من نصف اللبنانيين تحت خط الفقر. يمكن محاربة الفقر من خلال التعليم، لكن التعليم الإلزامي في لبنان، والمدرسة الرسمية، يعانيان الكثير. معالجة هذا الاختلال الهيكلي ليس في صالح الطبقة الفاسدة، لذا لا غرابة في الإجابة المعتادة عن عدم وجود موازنة في الوقت الحالي التي يتحجّج بها واضعو السياسة اللبنانيين. سوء الإدارة عواقبه وخيمة، حتى إن لم يلاحظها الناس، فستفاجئهم بعد حين بنتائجها المرعبة. الاستثمار في تعليم الأطفال هو في جوهره استدراك لعملية غسيل الأدمغة الدعائي خلال الأعوام الخمسين الماضية.

الانفجار لم يكن حادثاً ولا سوء حظ، بل اعتداء على اللبنانيين من قبل الطبقة السياسية الفاسدة. التطورات الدراماتيكية خلال الأشهر الأخيرة هي نتيجة سنوات من سوء الإدارة والفساد ونخبة سياسية تتكون من أمراء الحرب الذين لا يسعون إلا لمصالحهم الخاصة. هم أنفسهم ردّوا على الكارثة بلا مبالاة، بدلاً من خطة للمساعدات الطارئة والتعاطف والدعم. كان من السهل على من في السلطة أن يلوموا أطرافاً خارجية مجاورة على الأزمات. لكن هذه المرة، لم تنجح ردود الأفعال القديمة، إذ كشف الانفجار عن مزيج قاتل من المشاكل محلية الصنع. الشقاء اللبناني ليس مصيراً حتمياً، وإدامة الوضع الحالي للبلد باعتباره صالة انتظار كبيرة لا تبشّر بأي خير. الآن وقت التغيير.

انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر جمعت اللبنانيين كما لم يحدث من قبل، لكنها أثبتت عدم قدرتها على قلب النظام الحاكم. بفضل الشبكات الاجتماعية، سمح هيكلها الأفقي لآلاف المبادرات بالظهور والانتشار. في الوقت نفسه، منع منطقياً ظهور قيادة تتحدث باسمها. هذه الحركة لم ترد زعيماً. شعرت أنها ستفقد روحها وخصوصياتها إذا فوَّضت سلطة تمثيلية لأشخاص معينين. كان هذا جوهر قوتها، وضعفها أيضاً، خاصة في مواجهة القروش التي تفضل أن ترى بلدها تنهار بدلاً من التخلي عن السلطة.

فشلت جميع الانتفاضات الشعبية تقريباً في هذا القرن، من الولايات المتحدة إلى تشيلي إلى الربيع العربي، بالطريقة نفسها وللأسباب نفسها. فقط في تونس، سارت الأمور بشكل مختلف، ليس من دون صعوبة، تماماً كما في السودان، حيث تعمل المنظمات المهنية في خلفية المشهد، وتشكل ثقلًا موازناً يمكن أن يؤثر على مسار الأحداث. بالنسبة للآخرين، الأمور تسير بشكل سيء، لكن اللعبة لم تنته بعد. رغم خيبات الأمل والإحباطات، فإن الظهور المتواصل لهذا النوع من الثورة يُظهر أن المجتمع الدولي (الأفراد المتحدون وليس السياسيين المتفاوضين) في طريقه لإيجاد مخرج، في حين أن الرأسمالية التي تحكمنا لا تظهر سوى القليل من القدرة على مواجهة التحديات الكبرى. في هذا الصدد، يضطر اللبنانيون إلى السعي وراء ما هو أكثر قليلاً من الآخرين، على الرغم من الألم والموت والتشرّد لمئات الآلاف. هذا وسام شرفهم الحزين والكئيب. لأن ما يحدث في لبنان أعظم من لبنان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها