آخر تحديث:10:47(بيروت)
الأحد 02/08/2020
share

خطاب المافيا وذاكرة الانتفاضة

أسعد قطّان | الأحد 02/08/2020
شارك المقال :
خطاب المافيا وذاكرة الانتفاضة لقاء بعبدا(عباس سلمان)
 
تحتاج المافيا التي تحكم البلد إلى اللغة. هي لا تكتفي بإفقار الناس وتجويعهم، بل تحاول أن تقدّم لهم البرهان تلو البرهان على أنّه محكوم عليهم بأن يقبعوا في الفقر والجوع، وبأن تتآكل أجسادهم وتتحلّل نفوسهم في فقرهم وفي جوعهم. كيف تصل المافيا إلى هذا الاستنتاج العبقريّ

للمافيا خطاب مثقوب. فهو يشبه ستارةً تتخلّلها ثقوب صغيرة. الستارة كلام عن ضرورة مكافحة الفساد، عن الوطن العظيم الذي ينبغي بناؤه رغم أنف الأزمة الاقتصاديّة والسياسيّة، عن ضرورة الاحتكام إلى القضاء وتعزيز نزاهته، عن إقرار التشريعات الإصلاحيّة، وعن الخصوم الحقيقيّين أو الافتراضيّين الذين يعيثون في الأرض فساداً ويمنعون أصحاب الخطاب المثقوب من تطبيق القوانين وتطهير الإدارة من الطفيليّات.

ولكنّ الأهمّ من جسم الخطاب، الذي يشبه الستارة، هو الثقوب التي تعتريه. بخلاف نموذج الستارة المتهالكة المثقوبة بفعل العتاقة وجريان الزمن، فإنّ الثقوب في خطاب جهابذة المافيا مقصودة، ولا ينتبه إليها إلاّ من يصغي جيّداً ويقرأ بين السطور. الثقوب الكلاميّة هنا هي أشبه بالطرّاد الذي يغوص في الماء ولا يظهر إلاّ حين يخرج وينقضّ على فريسته. خطباء المافيا يتقنون هذه اللعبة اللغويّة جيّداً. لقد تمرّسوا عليها طوال ثلاثين سنة، وطبّقوها بنجاح منقطع النظير بعد انتفاضة السابع عشر من تشرين الأوّل.

تترجّح ثقوب الكلامولوجيا المافيويّة بين قطبين: القطب الأوّل هو شيطنة الناس وشيطنة انتفاضتهم. تسمعهم يمدحون الانتفاضة ومدى أهمّيّة التغيّر في النموذج الذي أسّست له في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. فهي فضحت الفاسدين وجعلتهم مادّةً يوميّةً للنقد في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعيّ. ولكنّك سرعان ما ترصدهم يهمسون بأنّ الانتفاضة الحقيقيّة لم تدم سوى أسبوعين، أو أنّها كانت منذ البدء مفبركةً في معظمها، والدليل هو تقهقرها اليوم وتراجع زخمها، أو أنّ «الثورة» الحقيقيّة ليست ما قام به اللبنانيّات واللبنانيّون في الساحات، بل السيرة الذاتيّة لأحد الوزراء السابقين، الذي تمكّن من أن يصبح وزيراً رغم أنّه متحدّر من عائلة فقيرة. تعدّدت الخطابات والشيطنة واحدة. فالمافيا، في أقطابها ووجوهها كافّةً، لا تطيق حتّى اليوم ذكر انتفاضة تشرين وذاكرتها، وتتحيّن كلّ فرصة «للتفخيت» فيها رغم انحسارها.

القطب الثاني هو صنو القطب الأوّل رغم كونه مقابلاً له، ورغم اندراجه من حيث موقعه الفكريّ في المقلب الآخر. فإذا كان القطب الأوّل عنوانه الشيطنة، فإنّ القطب الثاني يتلخّص بإعلان «جوهرانيّة» المزاج الشعبيّ اللبنانيّ وعدم قابليّته للتغيّر. بحسب هذا المنطق، الشعب اللبنانيّ ليس شيطاناً، بل يكاد يأتي من كوكب آخر (exotic). فهو لا يشبه أيّاً من الشعوب الأخرى، لأنّه غير قابل للتغيّر من حيث تمجيده للزعيم وتبجيله للمنظومة الحزبيّة التي يتعاطف معها. هو شعب عاجز عن مساءلة الذهنيّة الطائفيّة، التي تغذّيها المنظومة المافيويّة وتحتمي بها. هذا هو جوهر وجوده وصلب كيانه. وهو غير مؤهّل لأن ينتفض على ذاته، ويقبض على مصيره بيديه، ويبدّل ما يبدو اليوم أنّه قدر مستحكم لا يتبدّل.

بحسب القطب الأوّل الذي تستنجد به المافيا في خطابها، الشعب شيطان. وبحسب القطب الثاني، هو شعب لا يحلم مثل سائر الشعوب بالكرامة والحرّيّة والديمقراطيّة وبدولة نبراسها العدل والأخلاق، بل يفضّل على هذه كلّها العقليّة التبجيليّة الزبائنيّة الطائفيّة التي ورثناها عن عصور غابرة. وهو هكذا ولن يتبدّل. يتفوّه خطباء المافيا المفوّهون بكلّ هذا ويتناسون أنّ المافيا ما زالت قدر هذا الشعب حتّى اليوم، وأنّه لم تتح له فرصة حقيقيّة بعد كي يختار بين دولة المافيا، التي ليست بدولة، ودولة حقيقيّة.

يقولون كلّ هذا ويخلدون إلى النوم. هناك، في أسرّتهم، يطاردهم شبح انتفاضة السابع عشر من تشرين الأوّل، ويمثل كالغيمة السوداء أمام أعينهم الظامئة إلى رقاد من غير كوابيس. سينهضون في الغد، ويقنعون الشعب من جديد بأنّه شيطان، أو أنّه شعب ذو جوهر تخلّفيّ لا يتغيّر. وفيما هم يجدّون في الإقناع، سيلتقطون آثار الكوابيس بأصابعهم، ويمسحون عن أجفانهم بقايا الأرق الذي لا يشبه إلاّ الأرق. في الليلة الماضية، كانت ذكرى انتفاضة تشرين أقوى من أن ينعموا بالإغفاء. لعلّها ستطاردهم بعد سنين كثيرة...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب