آخر تحديث:10:51(بيروت)
الأحد 02/08/2020
share

السلطة الميتة

روجيه عوطة | الأحد 02/08/2020
شارك المقال :
السلطة الميتة حسان دياب (عباس سلمان)
قد تكون خلاصة التغريدة التي نشرها ثم أزالها حسان دياب منذ أيام أنه يستفهم عما يسمى السلطة السياسية في لبنان، ولكن، وبما أنه ليس سواها، فقد بدا استفهامه كوميدياً. ولكن، بالانطلاق من هذه الكوميدية، يبدو دياب انه، وباستفهامه، قد سجل أمراً بعينه، وهو موت تلك السلطة نفسها. إذ إنه، ومن مكتبه في القصر الحكومي، لم يجدها، وايجاده لها هنا لا يعني أنه لم يشعر بها فحسب، بل إنه، وبالتوازي مع ذلك، لم يقع على مطرحها، فأين مطرح هذه السلطة، التي عليه أن ينزل فيه، فيحكم، ويقود، ويوجه؟ إنه مطرح متلاشٍ، فارغ، متروك، ولا معنى له مهما طل منه، وتصور فيه. فالصورة لا تسد هذا المطرح، الذي لا سلطة فيه، ولكن، لا بأس الآن، فدياب يحذف استفهامه، يتراجع عما صدر عنه، مقتنعاً أنها تفعل ذلك.
السلطة ميتة إذن. ووضعها على هذا النحو يدفع إلى طرح استفهام عن تلك الخطبة التي تتحدث عنها كأنها حية، كأنها تشتغل، بحيث تصدر الشرور بكل تخطيط وبكل قصد. وهذه الخطبة تنطوي على طموح ان تضع يدها على هذه السلطة، مستبدلة اشخاصها بأغيار لهم، يمضون إلى تشغيلها بطريقة جيدة. بالتالي، وبالعطف على موت السلطة، تبدو هذه الخطبة انها لا تعني سوى التوجه إلى جثتها من باب المطالبة، أو من باب الاحتجاج باعتباره "تجرؤ" عليها، وكل هذا لا يؤدي سوى إلى إعادة احيائها.

ذلك، أن ليس هناك لهذه السلطة حاليا في لبنان من فرصة حياة سوى هذه الخطبة، وهي فرصة وهمية بالطبع، بحيث انها لن تحيا في إثرها، ولكن، على الاقل ستظهر أنها كذلك. الخطبة توفر للسلطة الميتة ظهورا على عكس ما هي، وفي الغالب من الأوقات، تبدو انها تنتجها في حين انتظار إجراءات منها، وفي حين مقابلتها، وفي حين نقدها، وفي حين مساءلتها، وفي حين الاستنتاج انها متقاعسة عن دورها. فعلياً، قد يكون الفعل الوحيد الذي لا يندرج في سياق إنتاجها هذا هو التهكم عليها، ولكن، حتى التهكم هذا، الذي لطالما عارضته تلك الخطبة بحجج من قبيل التحاور والانفتاح والواقعية والتعقل، حتى هذا التهكم يبدو احيانا انه بلا جدوى. فالأخذ بما قاله ماريو ترونتي في كتابه "السياسة في افولها" عن عبارة اسبينوزا الشهيرة حول اختيار الفهم بدلا من الضحك والبكاء، اي قلبها عند النظر نحو السلطة إلى اختيار الضحك والبكاء بدلا من الفهم، يبدو هذا الأمر بحد ذاته أمراً فائتاً. ليس لأن لا شيء يستدعي ضحكاً وبكاءً فحسب، بل لان لا شيء يستدعي الفهم أيضاً، كل شيء واضح، وسخيف من كثرة وضوحه. ربما، لا بد من التصرف بعبارة اسبينوزا أكثر: لا الضحك ولا البكاء ولا الفهم إنما اللامبالاة... طالما ان الدفن لا يلوح في اي أفق لجثة السلطة ونظامها.

وعندما تصير الخطبة اياها هي فرصة السلطة، فهذا يعني انها، وباحيائها، تريد أن تنتج محكوميها. فالخطبة تبدي هؤلاء كمن هم تحت السلطة، ويريدون منها، وينتظرونها، ويطالبونها. فعليا، ثمة في هذا الفعل محو لتواريخ من عيش هؤلاء بعد السلطة، بعد موتها، لتدبر حيواتهم وعيشهم من دونها. تواريخ من العيش بعد موت السلطة، يعني في وقت تحل مكانها علاقات القوة وعلاقات القسوة المتفاقمة، والتي لا تتوقف عن التفاقم. انها تواريخ من المكابدة والحيلة والتحمل والتجلد والكظم على الغيظ. فتمضي الخطبة إلى إلغائها وتناسيها، والارجاع منها إلى السلطة، إلى ما قبل موتها. في الواقع، هناك تفاوت زمني بين هذه الخطبة من ناحية، وهذه التواريخ من ناحية اخرى، تفاوت يفيد ان الخطبة تؤدي إلى العيش في ماضي مضى على الرغم من كونه يقاوم انقضاءه، في حين ان تلك التواريخ تلك تؤدي إلى العيش من بعده، إلى العيش لاحقاً. فالخطبة ترفض موت السلطة، أما، التواريخ فقد صُنعت بعد هذا الموت، وتكونت في إثر استعصاء الدفن. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"