آخر تحديث:14:22(بيروت)
الجمعة 14/08/2020
share

رحيل سليمان البوطي..هرب من الحياة المخيفة إلى عالم الأحلام

علي سفر | الجمعة 14/08/2020
شارك المقال :
رحيل سليمان البوطي..هرب من الحياة المخيفة إلى عالم الأحلام وباء كورونا خطف سليمان البوطي
في الهامش الثقافي، كما في الهامش العام لأي مجتمع أو بيئة، يتاح للكثيرين أن يختاروا أي حياة يريدون أن يعيشوا! وحينما يجد المرء نفسه مضطراً أو مغصوباً على العيش وسط بحر متلاطم من الأحداث، يصبح نضاله من أجل الحصول على مساحة في هذا الهامش، عنواناً لمرحلة واسعة من عمره وربما كل حياته!

وهكذا كان على الكاتب والناقد السوري سليمان محمود البوطي، الذي غادر الحياة قبل يومين في العربية السعودية بسبب الإصابة بالكورونا، أن يتعايش ومنذ بداية وعيه مع ما يجري، ليس بوصفه قدراً، بل بوصفه مادة للنضال ضده، عبر المعرفة والاستزادة منها، وعبر الحصول على الصحبة والرفاق المخلصين، وأخيراً عبر السخرية!

نشأ البوطي ذو الأصول الكردية (تولد 1952)، في بيئة دمشقية تقليدية، تحدث عنها مرات عديدة في مدوناته السريعة، التي كان يكتبها في فايسبوك وتويتر، وكرس لها روايته الوحيدة غير مكتملة الأجزاء (ست الشام)، لكنه ضمن هذا السياق سيصرح علناً أنه عاش حياة خفية عن الآخرين: "على مدى وعيي في سوريا وهو يبلغ ثلاثين سنة ونيف كنت ابتعد عن تجمعات الثقافة الـ(نظامية) منها او الـ(ثورية) وكنت جاهداً على أن أكوّن معتزلاً خاصاً بي، أشكل فيه ثقافتي التي كنت أرجو ان تكون مستترة، بل كهفية لا ترشح إليها تلاوين ثقافة آخرين من الخارج إلا بما ييسر لي تنفساً سريعاً يزول إثر غطسة أخرى في بحار الأنوار الخاصة بي. ولذلك إن أحب انسان معرفة شيء ما عني فإنه لن يجد سوى قصيدة ومقالة في جريدة هنا أو قصة في جريدة هناك"!

الحياة الموازية التي أغرق البوطي نفسه فيها، بناها فعلياً عبر المعرفة، ومن خلال الغرق بقراءة التراث، والآداب، ومحاولة إنتاج عوالم خاصة جديدة، لا تشبه عوالم أحد، ولا تحاكي أو تتماهى مع أحد، ولهذا سيجد كثيرون أن حياة الرجل غير حافلة بالمغامرات التي تروى، سوى ما عاد هو ليكتبه في فترات لاحقة، حينما أتيح له أن يكتب ومضات سريعة عن نفسه، غلب عليها طابع الطرافة؛ فقد روى غير مرة حكايات عن مرحلة الفتوة، مع رفاق من البيئة ذاتها، وعن تجواله مع هؤلاء في مساحات دمشق ومناطقها، من دمر إلى ركن الدين وإلى الصالحية، وعن عوالم دمشق الخفية في ملاهيها وسينماتها في مرحلة السبعينيات!

غير أن الطرافة لدى سليمان البوطي تبلغ إحدى ذراها حينما يستذكر بدايات عمله في الصحافة، حيث قادته قدماه في بداية السبعينيات للكتابة في مجلة الثقافة لصاحبها الأديب السوري الراحل مدحت عكاش، وعن هذا يقول: "مع بداية السبعينيات كنت أظن أن المرء يجب أن يدفع للمجلة حتى تنشر له، وعندما نشرت لي إحدى القصص، وذهبت لأحصل على نسختي منها، سألت صاحب المجلة: كم تريد عليها، فسألني على ماذا؟ قلت: على نشر القصة، فضحك وقهقه، ما جعلني أخجل، ثم قال: المجلات هي التي تدفع للكاتب وليس العكس، ولكن نحن لا ندفع لضعف الإمكانات، إلا أننا سنكافئك على أول عمل تنشره، وكان في الظرف خمساً وعشرين ليرة سورية، هي أقل وأغلى مبلغ تقاضيته عن الكتابة. ومن يومها قررت أن أكون صحافياً".

وفي واقع الأمر، لو قيض لسليمان البوطي أن يكتب مذكراته الشخصية في عالم الصحافة السورية، لحصل القارئ على جرعة عالية من الطرائف والحكايات الممزوجة بالكوميديا السوداء، من تفاصيل جيل سوري كامل أراد النهوض بحياته، لكن الواقع الذي واجهه أودى به وبأحلامه معاً.

فقد عاش السوريون ومنذ منتصف السبعينيات على إيقاع خطة حافظ الأسد لمحو القوى السياسية، وتدمير الحياة العامة للمجتمع! بدأ الأمر حينما سنحت له الفرصة، عبر قيام تنظيم الطليعة المقاتلة (المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين) برفع السلاح ضده، فقام بملاحقة أفراده وتصفيتهم، واستغل استحكام مجموعة منهم في مدينة حماة بداية عام 1982، وقام بتدميرها، وارتكب مذبحة مهولة بسكانها! وبموازاة ذلك، كانت الأجهزة الأمنية طيلة هذه السنوات تقوم بفرز الأحزاب والتنظيمات السياسية، فإما مع النظام، وإما ضده! وبين حدي المعادلة رسمت حياة السوريين كلهم، وليس المسيسين فقط!

وهكذا سيجد سليمان نفسه في المعمعة التي عاشها كثيرون من أفراد جيله، إن كان لجهة الانغماس بالعمل السياسي، وإن كان لجهة دفع الأثمان التي تترتب على ذلك! ورغم أنه لم يكن بذلك المناضل الشرس الذي يشكل تهديداً للنظام، إلا أن أحد الناشطين والذي بات من "السياسيين" السوريين المعروفين راهناً، اعتقل في حملة العام 1984 ضد حزب العمل الشيوعي، وهو سيفتح على سليمان "بوابة جهنم"، حينما سيعترف على رفاقه "تحت التعذيب" حسبما روى عدد من هؤلاء، وسيدل عليه الأجهزة الأمنية، التي ستسارع لمداهمة البيت في مخيم اليرموك لاعتقال سليمان، الذي سيتمكن من الفرار عبر أسطح البيوت!

وسيكتب لاحقاً عن هذه التجربة مدونة قال فيها: "غداً سيدخلون حارتي، غداً سيعسكرون في بيتي، غداً سيرهبون: زوجتي وجاري خليل الخليل، وسيلاحقون صديقي حسان عزت، وسيقبضون على أبي حنين. غداً سأكون بطلا. جاكي شان او جيمس بوند، سأنفذ من بين أيديهم، سأنط كالفهد من سطح الى سطح متوارياً عن عين الصياد وأنف جرائه ... غداً لن أرى بناتي... لن أرى زوجتي... لن أرى أمي التي ابيضت عيناها من الدمع وما من قميص. غداً. وغداً. وغداً".

تخفّى سليمان عن عيون المخابرات التي كانت تلاحقه فترة طويلة، حتى توسط له أحدهم، فكفت دوريات الأمن عن السؤال عنه، وعاد إلى حياته الطبيعية، لكن شرخاً كبيراً أصاب هذه الحياة، بدأ بالخوف، وربما مر بضرورة أن يغادر المكان كله، ولهذا سيجد المهتم أن العنوان الذي سيتكرر في تدويناته هو: "الحياة مخيفة"!

لاحقاً سيدرس سليمان البوطي النقد المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وسيعيش مع آخرين مرحلة مهمة في حياته، قوامها التثاقف مع الآداب والمناهج النقدية، والاستزادة من أساتذة كانت لهم أيادي بيضاء على المشهد الثقافي السوري بأكمله مثل غسان المالح وماري الياس وحنان قصاب حسن ونبيل الحفار وغيرهم. ثم سيكمل دراسته في روسيا، ليحصل على شهادة الدكتوراه من معهد الأدب العالمي في موسكو، ودكتوراه أخرى من الاتحاد العالمي للمؤلفين العرب، خارج الوطن العربي في باريس، على بحث بعنوان "الدرامية في الشعر العربي".

وسيبقى على حال القلق من الحياة المخيفة التي عاشها وخربت عليه أموره وأحواله كلها حتى العائلية منها، وفي النهاية سيخرج إلى العربية السعودية ليعمل هناك من العام 2003.
كتب البوطي كثيراً في سبيل الثورة السورية، التي رأى فيها خلاصاً للسوريين من الواقع البهيم الذي عاشوه، وله في تحليل هذا الواقع مقولات كثيرة كانت تلفت الانتباه في صفحته الشخصية في فايسبوك، سيما وأنه كان وعبر معرفته العميقة بالتاريخ يربط بين تفاصيل الراهن مع النوابض المخفية في التاريخ، والتي أدت إلى وقوع العرب وليس السوريين فقط في أسر التخلف. 

ومن هنا كان تأكيده الدائم على ضرورة أن تكون المعرفة هي بوابة النهوض الحضاري، وأن يكون اقتران الثورة بها هدفاً من أهداف الثائرين، وأن يُكلل هذا بنقد السياق والممارسات اليومية، التي كرسها الاستبداد في أنفسهم فباتوا أسرى لها، يعيدون إنتاجها في حياتهم التي يفترض أن تغيرها رياح الثورات!

الرغبة في العودة إلى قوقعة الأحلام الندية الممهورة بالبراءة والحب، ستكتب بأصابع سليمان في السابع من أيار لهذا العام تدوينة ملفتة يقول فيها: "أحتضن حلماً قديماً و... أنام: هل قضي على أحلامي إلى الأبد؟ بين مغارة قابيل في جبل قاسيون وبين طاولة كتابتي؛ كان ولايزال يراودني حلم أن أكون رحالة أتجول ماشياً في بلاد الله الواسعة؛ أشير بيدي إلى سيارة عابرة تقلني مسافة ما في درب حياتي؛ وكنت أحبذ أن تكون قائدتها فتاة شقراء منمشة الوجه بعينين زرقاوين وتلبس الجينز تحت قميص أزرق ولها من العمر ثمانية عشر عاماً. لا أملك مالاً كثيراً. خليا من الأغراض سوى جواز سفر وقلم ودفتر. أنام على كراسي الحدائق وآكل في مطاعم رصيفية. أتجول في قيعان المدن التي اجتازها عبر مشواري في الحياة. أقعد مع الاسكافي والحلاق وبياع الخردة وصاحب عربة الخضار. أصعد جبال الألب وأتوه في جزر الكاريبي. أرقص مع بنات هونولولو وأغطس باحثا عن كنوز القراصنة. أطير بطيارة شراعية فوق حقول الذرة الاميركية واسجن في سيبيريا في زنزانة دستويفسكي. أتعمشق حتى أصل قمة الهرم الأكبر واهبط مستسراً أقبيته في صحبة كهنته. حاملاً الساطور ابعادا لغصون ملتفة حول أهرامات الانكا والمايا والازتك وصولاً إلى عمق خفاياها. طائراً يصحبني الهدهد إلى جزر النبي سليمان بحثاً عن خاتمه المرصود لي. أيتها الأحلام حتى إن لم تتحققي: إبقي خفاقة في فضاءات روحي نضرة ونابضة بالأمل حتى لا تيأس نفسي فتكتئب فتشيخ".

واليوم، يعرف أصدقاء سليمان أن خبر موته ليس سوى إشاعة، وأنه بدأ رحلته في دروب أحلامه النضرة والنابضة بالأمل.

هامش
صدر لسليمان البوطي خمسة كتب منشورة وهي "جمع ودراسة ديوان الإمام الشافعي عام 2003"، و"قصائد من الأدب العالمي ترجمة 2010"، و"برميل القلوب الميتة عام 2007"، و"مقالات في التفحص الأدبي 2009" وأخيراً رواية "ست الشام" التي صدر الجزء الأول منها قبل شهرين تقريباً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها