آخر تحديث:10:14(بيروت)
السبت 01/08/2020
share

رواية العيد... ظاهرة أحمد مراد

شادي لويس | السبت 01/08/2020
شارك المقال :
رواية العيد... ظاهرة أحمد مراد كلاعب رياضي
فيلم العيد هو فيلم النجم. تربع الفنان عادل إمام على القمة لوقت طويل، تنافسه أفلام الفنانة نادية الجندي، وبفارق ليس بالكبير كانت تأتي الفنانة نبيلة عبيد. جمهور مختلف لكل اسم وأحياناً الجمهور نفسه. ما يهم في فيلم العيد هو النجم، أن يجد جمهور السينما الموسمي ما يتوقعه، الوجه المألوف واللزمات المحفوظة، طقسية سينمائية ترسخ ألفة المشاهد مع دورة الزمن، وتربط ذاكرة الأعياد بالطوابير الطويلة أمام دور العرض وبصور النجوم المفضلين على الأفيش. 

قبل بضعة أيام من عيد الأضحى، أعلنت دار الشروق عن صدور الرواية الجديدة للكاتب، أحمد مراد، "لوكاندة بيت الوطاويط". الجمهور المتحمس يشير إليها بـ"رواية العيد". في ليلة الوقفة، وبعد بضع ساعات فقط من صدور الرواية، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصور لها، مصحوبة أحيانا بتسجيل لـ"موسيقى الرواية"، فمراد كان قد نشر مقطعاً موسيقياً ألفه محمد ناصف خصيصاً لها. وفي صباح أول أيام العيد، وبعد أقل من يوم على صدور الرواية، كان هناك بالفعل عشرات من المراجعات لها، نشرت بواسطة القراء الأكثر إخلاصاً للكاتب النجم.

يرتبط موسم الروايات في مصر، بمعرض الكتاب، في يناير من كل عام، لكن مصطلح "رواية العيد"، وموسمها الجديد، ظهر في الأعوام الخمسة الماضية. 

قارئ روايات العيد، ربما يكون مستهلكاً موسمياً، يقرأ كتابين في العام فحسب، أو ربما يكون قارئا طوال العام، يتوفر له المزيد الوقت في عطلة العيد.. وفي كل الأحوال، تقدّم "رواية العيد" دليلاً آخر على اتساع رقعة القراءة، على تنوع مستهلكيها، وانضمام فئات جديدة إليها، وقواعد ومواسم مستحدثة. روايات مراد النجم النموذجي، لا تحقق أعلى المبيعات فقط، وتترجم باستمرار إلى لغات أوروبية، وتصل إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية، بل أيضاً تتحول هي نفسها إلى أفلام عيد، وفي أحيان أخرى مسلسلات تلفزيونية رمضانية. يسوّق مراد نفسه كنجم بالفعل، افيشات بالأبيض والأسود، جالساً وراء آلة كاتبة قديمة، صور على كرسي ضخم ببدلة حديثة وضيقة، يبدو فيها أقرب الى لاعب كرة قدم معتزل منه إلى نجم سينمائي. 
 
تقدم "لوكاندة بيت الوطاويط" ما يقدمه فيلم العيد، الألفة والشعور بالاستمرارية، خليط من الإثارة البوليسية التي تخصص فيها مراد مع بعض الرعب، وغلالة تاريخية تثير بعض من النوستاليجيا الرائجة في كل من الثقافة العليا والتجارية على حد سواء. كما في روايته الأولى، "فيرتيجو" (2007) بطل الرواية الجديدة هو مصور أيضاً، درس مراد نفسه التصوير السينمائي. تكرار الثيمات نفسها ليست بالضرورة علامة على فقر في الخيال أو كسل، بل هي جوهر النجاح الجماهيري لفيلم العيد، وسمة للثقافة الجماهيرية في العموم. 
رواية العيد وشعبية مراد الواسعة وجهان لتحولات الإنتاج الأدبي في مصر. فالسياسات الثقافية في عهد مبارك كانت قد فتحت مساحة أوسع لرأس المال الخاص في مجال النشر. فبالرغم من زيادة مخصصات وزارة الثقافة، والتوسع في برامجها، والتراجع عن الشعار الساداتي "الثقافة للمثقفين" واستبداله بدعوتهم للرجوع إلى "حظيرة الدولة"، عمل نظام حسني مبارك في سياق إجراءات "تحرير السوق" على موازنة دور الدولة في المجال الثقافي، بتشجيع دور أكبر للقطاع الخاص، وفتح الباب أيضاً للتمويل الأجنبي. يصدر مراد روايته الأولى من "دار ميريت"، الدار الخاصة نفسها التي ستساهم بدور كبير في إعادة تشكيل قواعد الكتابة الأدبية في العقد الأخير من حكم مبارك. لم تكن الفواصل حاسمة أبدا بين الخاص والعام، فكثير من كتاب ميريت على سبيل المثال، عملوا في جرائد الدولة أو قنوات التلفزيون الحكومي أو على الأقل استفاد بعضهم بمنح تفرغ هيئات وزارة الثقافة الجديدة وجوائزها. لكن مراد لم يكن واحداً من هؤلاء، بل من جيل بدأت علاقته مع الكتابة مع النشر الخاص مباشرة. 
سريعاً ما يفارق مراد "ميريت"، الدار الصغيرة نسبياً وذات التوجهات السياسية المعارضة، إلى أكبر ناشر خاص في السوق المصرية، "الشروق". الدار التي ستنشر كل رواياته اللاحقة، ليست الأكبر فقط في مجال النشر الخاص، بل تتفرع أنشطتها لتشمل التوزيع وصناعة الورق والطباعة والإنتاج المرئي والتسويق والدعاية والصحافة الورقية، ففيما لا يتجاوز عدد العاملين في معظم دور النشر المصرية أصابع اليد الواحدة، تفتخر الشروق بأن قوة عملها تتجاوز الألف، أو على الأقل، هذا ما يقال. مع تراجع دور هيئات الدولة في تشكيل السوق الثقافي، أضحت الشروق تحتكر بشكل شبه حصري الأدب الأكثر مبيعاً، علاء الأسواني ويوسف زيدان، بل والأسماء الأقدم. لكن مراد ليس واحد من هؤلاء أيضا، فهو من جيل آخر، "الشباب"، جيل يمكن أن يفرز نجماً بمعايير سينمائية حقاً.
 
أن يصبح الأدب مثل السينما، وأن تحظى الروايات وكتابها بجماهيرية الأفلام، هو حلم لطالما داعب معظم المنخرطين في الحقل الأدبي، لكنه وفي الوقت ذاته كابوس يزعجهم جميعاً، بالقدر نفسه.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب