آخر تحديث:16:14(بيروت)
السبت 01/08/2020
share

حروب جوسلين خويري المقدسة

محمد حجيري | السبت 01/08/2020
شارك المقال :
حروب جوسلين خويري المقدسة المقاتلة
غالباً ما يرافق موت أو رحيل شخصية سياسة معروفة أو مؤدلجة، مرتبطة بالحرب الأهلية وزمنها، ببحر من المقالات والتعليقات المتخمة بأنواع المراثي والانشائيات "الوطنية" وكلام الرطانة والتمجيد والتقديس من غير تدقيق في الكلام والوصف الأقرب إلى الديني، ومن غير محاولة تفكيك سيرة الشخص المؤسطر و"نضاله" وبطولاته، أو قراءة يومياته وأفعاله خارج هذيان الفكرة الطوباوية واللاهوتية... 

ومراثي الأشخاص ونحوها، هي كلام أمزجة اشخاص وتوجهات سياسية، فبعض من يدين الحرب وأفعالها ومتاريسها وأمرائها، هم أنفسهم، في لحظة، يمجّدون وجوهها، ويعتبرونهم رموز حوار ونضال وشجاعة وسادة حوار و"عيش مشترك"، وهم أنفسهم يدينون فئة اخرى من غير إتجاه، تحاول أيقنة محاربيها وتقديسهم...

هكذا الأمور في لبنان، كلام أمزجة واخلاط ومتاريس مقنعة وعصبيات ضيقة وفردية، فعدا المراثي التي تطل في أوقات الموت والجنازات، نجد أن بعض الشخصيات التي شاركت في صناعة الحرب الأهلية اللبنانية وهولها، غدت في عرف مريديها ومناصريها، شخصيات مخلّصة ومنقذة ومقدسة، وسيرتها خالية من أي سوء او خطيئة أو فعل قتل، بل يربطون حربها بالخلاص، ولولاها "لكنا في الشتات" و"التيه"، وهذا ما حصل مع رحيل الكتائبية القواتية جوسلين خويري، وهي مقاتلة سابقة ومشهورة بصورها خلال الحرب، تحمل بندقية الكلاشنكوف وترتدي البزة القواتية الكاكية، وتمزج فعل الرهبنة واللاهوت بالقتال، وقد تدربت قبل بدء الحرب في معسكرات كتائبية، أصبحت مقاتلة وتدرجت الى أن أصبحت مسؤولة المقاتلات "الرفيقات" في زمن مؤسس الكتائب بيار الجميل وحتى في زمن نجله بشير، رغم الشوائب والمآسي ورغم مجزرة اهدن التي تسميها "كارثة"، ورغم لجوء بشير الجميل الى إسرائيل، فهي بقيت محاربة ومتحزبة ضد "الغرباء" عن قناعات دينية ولاهوتية وحزبية.

في العام 1998 نشرت خويري سيرتها الذاتية في كتاب "باحثات"، تُظهر فيه أنها كانت تخوض حرباً قائمة على "الطهرية"، تقول "وزعنا الاناجيل على كل المقاتلين وكانت سهراتنا تدور حول ضرورة أن نكون فعلا مسيحيين وان نميز بين عمل الدفاع عن النفس وهو حقنا الطبيعي وبين الانسياق لمنطق العنف وإلغاء الآخر وهو ما ترفضه المسيحية رفضاً جذرياً"، ولكن ما توصلت إليه "جان دارك" كما يسميها الصحافي في جريدة النهار راجح خوري، ورغم اندفاعها للحرب ضد "الغرباء"، كان اصطدامها بـالصراع المسيحي- المسيحي، فكانت انتفاضة 12 آذار 1985 التي قام بها كل من ايلي حبيقة وسمير جعجع لوضع اليد على قيادة القوات "السبب المباشر لانسحابنا من المؤسسة، وذلك لأسباب عدة وبكلمة واحدة هي روح الفتنة والضغينة التي عمت صفوف المقاتلين والعناصر في الفترة التحضيرية التي سبقت 12 اذار"...


كُتِب الكثير عن شخصية جوسلين، وقيل إنها "ايقونة المقاومة اللبنانية"، وجزء كبير من اصحاب الوصف الطوباوي، يمجدونها كمحاربة وليس كداعية السلام على الطريقة البابوية التي تريد الحوار من غير سلاح، فالزمن الكاكي يغوي بعض الجمهور الجديد، وان لم يعش الحرب بشكل مباشر، لكنه يعيش وفي وجدانه تجربة سمير جعجع وجوسلين خويري وبشير الجميل(هذا من الجانب المسيحي، بالطبع لا يختلف الامر مع الجانب المسلم)... يعيش جيل لم يحارب مع صورة الحرب أو المحاربين، والصورة بشكل ما، تصنع أسطورة لأصحابها، هي ميديا لا تقاوم، ربما لهذا كان "حظ" جوسلين خويري المقاتلة أنها الأشهر، فهي كانت تتحرك أمام الكاميرا خلال حملها السلاح ابان متاريس "حرب السنتين" والنصف الاول من الثمانينات، وهي غادرت الحرب ولكنها لم تغادر صورتها المسلحة، أو صورها بالكاكي مع بيار الجميل أو هي تحمل البندقية، أو هي تجلس خلف الدشمة، جعلتها حاضرة في الرأي العام، تماماً كما المقاتلات الكرديات.

هي الانثى التي كسرت اطار الذكورة في القتال، بل هي الأنثى، التي قيل في قتالها "الشرس" أكثر مما قيل في فروسية عنترة بن شداد. هي التي لم تندم على ماضيها، بررت المشاركة في الحرب بأنها كانت تدافع عن أرضها ولم تطلق النار على غير المسلحين، وقال بعضهم في رثائها: لولا أمثالِك لكنّا لاجئين في بلد من دون هويّة! وما يقال عن خويري نسمعه من حزب الله اليوم، فكل مقاتل بالنسبة اليهم أقرب الى قديس، ولولا المقاتل أو المقاومة لكان الشيعة تهجروا ولكان الموارنة أصبحوا أهل ذمة، ولكانت داعش في كل مكان، ولكان لبنان يتكلم العبرية، هكذا كل فريق يجد تبريرا لحربه...

وقصارى القول أيضاً، إننا سمعنا أحدهم يرثي الراحلة، ويرجح أنه لم يقرأ سيرتها، وهو إذ قدم نقدا ذاتياً للحرب، يعود ليمجد مرحلة من الحرب شاركت فيها خويري. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"