آخر تحديث:13:23(بيروت)
الخميس 09/07/2020
share

بندر عبد الحميد الذي عاش شِعراً

عمر الشيخ | الخميس 09/07/2020
شارك المقال :
بندر عبد الحميد الذي عاش شِعراً بندر عبد الحميد في أيام الشعر السويدي - 14 تشرين ثاني 2008
جمعتُ كل الصور التي تركها ذاك الوجه الطيب في ذاكرتي، حاولتُ تنفس تلك الألوان المُحبّة التي كانت على جدران وطاولة المكان، ذاك الصوت الهادئ الداعي للطعام وشرب نخب الشّعر.

الأب الشاب الذي علّمنا كيف نقضي الليالي على الأوراق والكؤوس والأحضان الحنونة نلحّن خيالنا، كيف كان يطرق على الطاولة معلناً تماهيه العفويّ مع الموسيقى المنسابة من قيثارة عاشق عراقي ونحن كنّا ثمانية، نتأمل كيف يدندن أغاني الفرات السّوري وشعره الغارق بفوضى الفرح يحيل هالته أمامنا إلى سَحاب.

كان الشّاعر السّوري الراحل بندر عبد الحميد (1950-2020) محطة من المعرفة الحياتية والأدبية المتحركة في المشهد الثقافي السوري؛ أولاً لجهة احتضانه عشرات الأصوات الثقافيّة في الكتابة بمختلف أجناسها وتقديم العون الإنساني والصداقة لهم، وثانياً لجهة الكرم في تقديم كل أشكال الاحتفال بالحياة على طريقته الخاصة التي يعرفها كل من زاره في شقة الثقافة القريبة من بيته في شارع العابد وسط العاصمة السورية دمشق، وثالثاً والأهم هو تجربته في الكتابة الشعرية التي حافظت على الجمل الطازجة من خيال استثنائي في بناء قصيدة نثر مختلفة عن السائد تماماً. 

كانت الطاولة المستديرة وسط تلك الشقة، والتي استقرّ على سطحها لوح زجاجي دائريّ وتحته صور وقصاصات من تاريخ الشاعر ويوميّاته وحياته الصاخبة بالسينما والأضواء التي تشبه براءة عينيه، كانت طاولة حبّ وخيوط شعريّة ننسجها معاً من العاطفة إلى العالم، بكينا مع مرارة الابتسامة هناك، بينما استذكرتُ الشاعرة السوريّة الراحلة دعد حدّاد والّتي كانت قد تركت في ذاكرة بندر -صديقها- مواقف رواها لي الشاعر بمنتهى الطفولة عن الجنون والحبّ والشعر، فطلبتُ منه أعمالها إن كانت متوافرة لديه، منحني بندر كلّ الأعمال الشعريّة وحتى غير المنشورة، وبفضله وصلتْ الأعمال إلى دار نشر سورية وعادت الشاعرة الرحلة للضوء بقوّة.

هذا هو بندر، يعيد للشعر نوره الروحيّ بالعطاء، لا يتوقف عن منحنا الابتسامة تلو الأخرى، قلتُ له أريد كتبك أستاذ، أجاب "بلاها أستاذ، تكرم يا عمر رح اعطيك شو عندي متوفر"... مازلت أتذكر هذه الـ"تِكرم" التي ما توقفت يوماً، فكلما مررتُ بشارع العابد، تفقّدت باب بندر الملوّن بالأحلام، رائحة القصائد، الجغرافيا التي لطالما امتدت تضاريس تلمستْ فينا الرغبة في الكتابة والصراخ، كنا نشعر في الثورة، بوجود صديق كبير ودافئ، بوجود شاعر بأهميّة بندر عبد الحميد، الغارق في تفاصيل الحياة مفرطاً في صدقه الخاشع، يقول: "خذ يا عمر هذا آخر ديوان لي" كان عنوانه "حوار من طرف واحد"، يا للشاعر منذ العام 2002 يقرأ وحدته "سحرك في ضعفك/ وأنت تجلس/ كرهينة مخطوفة/ تحت حراسة مشددة/ أو تمشي وحيداً/ أو تحكي في الحوارات الليلية/ دون أفكار جاهزة/ عيناك تلمعان في العتمة/ وأنت تختصر المسافة بين حمى الحب/ وحمى القتل الإلكتروني/ إننا محاصرون/ بخطوط الرؤية/ بين عين النملة الذكية/ وعين المرصد العملاق".

يشبه بركان سحاب، متدفق بتلقائيته، يحاول "التوازن مع الرعب" وتأتي القصائد منسوجة على نول فطريته الشفافة، ممتنعاً عن التشابيه والبلاغات، ومتخذاً من الصور السينمائية غير المتوقعة، شكلاً يرتّق هذه العفوية الحنونة للشفوية الشعرية "لا نخاف الجوع والهزيمة/ ولا نشكو من الصداع/ لأننا ننظر ونكتب/ عن الحياة في كل النوافذ/ سأكون قوياً وحالماً/ كشجرة بين الصخور/ لأنني أحبك منذ ثمانية ألف عام/ القبلة الأولى هي اللغة" هكذا كانت النصوص في ديوانه الصادر قبل أربعين عاماً "كانت طويلة في المساء" وهكذا تبقى الذكرى لشاعر الفرح بندر عبد الحميد، رغم كآبة سورية المتحاربة اليوم، ظلت ذاكرته بوصلة لنعيش الحياة شعراً، أتوقّف عند رثائه اليوم ولا أستطيع أن أتفوّه بأي حزن ولو على مستوى جملة، لأن حياته أيام كنّا حوله، عباراته، طريقة حياته، لياليه وحضوره الآسر... كلّ ذلك كان أملاً وصلابة وأحلام شعرية عن "الضحك والكارثة". 

مقارنة مع أبناء جيله الشعري من السبعينيات في سوريا، لم يكن الشاعر الراحل يبحث عن كمية الكتب وانتظامه في الصدور بين حين وآخر، بل اتخذ من الهدوء والمسافة واكتمال قمر النصوص سبيلاً ليقدم انتاجه الأدبيّ الخاص في مجموعات شعريّة متباعدة بالزمن، يوحدها القفز الرشيق بالأسلوب بين ماضي التجربة وأواخر لحظات صاحب "إعلانات الموت والحرية" ودائماً كان الدرس الصادق أن نعيش الحياة شعراً أكثر من كتابتها، والدليل هذا الحب الذي مازال يطوّق صور بندر عبد الحميد، صورة الشاعر المتخلّص من كلّ أشكال التبعيّة والمنفلت عن الآخرين بحضوره، كاريزما تتداعى مع يأس لا حدود له من بلاد تقتل كلّ شيء إلا الشعراء.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها