آخر تحديث:12:54(بيروت)
الأربعاء 08/07/2020
share

"ومن ثم السكون": شيزوفرينا بيروت بين الثورة والوباء

علاء رشيدي | الأربعاء 08/07/2020
شارك المقال :
  • "ومن ثم السكون": شيزوفرينا بيروت بين الثورة والوباء
    من ثم يوم اخر
  • مطار بيروت
    مطار بيروت
  • طريق الشام
    طريق الشام
  • ديموقراطية
    ديموقراطية
"ومن ثم السكون.." هو عنوان معرض الفنان محمد المفتي الحالي في غاليري 393 الرميل، وتتناول رسوم معرضه الحالي جوانب بصرية-ثقافية، عمرانية-سياسية من المدينة بيروت.

فالمعرض يأتي في ظل مجموعة من التحولات السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية، الثقافية والطبية التي يعيشها لبنان عموماً، والعاصمة بيروت بشكل خاص، والتي تشكل موضوعة أساسية في أغلب لوحات المعرض. يسعى الفنان بوضوح إلى رصد التحولات السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية التي عاشتها المدينة خلال الفترة التاريخية القريبة منذ الثورة اللبنانية في 17 تشرين الأول الماضي. جاء في البيان الخاص بالمعرض: "كفنان توثيقي، تتفحص لوحات محمد المفتي البيئة التي تعيشها المدينة، ويحاول عبر تحليل بنتيها المعمارية التعرف على المرحلة التاريخية التي تمر بها".

الميزة التي يحملها المعرض هي ذلك التجاور بين متناقضات عاشتها بيروت في الفترة الأخيرة، كالإنتقال من حالة الثورة والتجمع البشري والدعوة إلى التقارب، وبين حالة التباعد الإجتماعي والعزلة التي فرضتها إجراءات الحد من انتشار فيروس كوفيد 19. كذلك الإنتقال من حالة الغليان والكثافة البشرية التي ملأت الساحات والطرق العامة، إلى النقيض حيث الفضاءات العامة فارغة، معزولة، وخالية من البشر. إنه الإنتقال من الحركة إلى السكون، كما يوضح عنوان المعرض، من الحيوية إلى الخواء، من الإكتظاظ إلى الفراغ، هذه المتناقضات الثلاثة المذكورة هنا يمكن نتلمسها من خلال متابعة مجموعة لوحات المعرض.

المرحلة الثورية
منذ بداية الثورة اللبنانية في 17 تشرين، ومحمد المفتي يقدم مجموعة من اللوحات التي ترصد هذا الحدث السياسي الثقافي. تحضر من مرحلة الثورة، ثلاث لوحات في المعرض الحالي. تتماثل لوحتا "أكتوبر في لبنان" و"طريق الشام" في بنية وأسلوبية التعبير عن الموضوعة. نرى تجمعاً بشرياً، يُرمز إليه بالأذرع والأيدي المرفوعة فقط وهي تحمل العلم اللبناني، الذي يشكل الرمز البصري للثورة في رسوم الفنان، لا وجوه أو أجساد في اللوحة، فقط أذرع مرفوعة تعبر عن التظاهر. بينما نشهد الحضور الإنساني الكامل في لوحة واحدة من الثلاثية وهي لوحة "سيد الخواتم"، تصور ثائراً يقوم بعملية قطع الطريق أمام شاحنة عابرة على الأوتوستراد.

الإنهيار الإقتصادي
يحاول المعرض أيضاً أن يرصد لمجموعة من المشكلات التي أدت إلى حدوث الثورة أو التي ترافقت معها، فمثلاً إن محاولة التعبير عن الإنهيار الإقتصادي تجلى في لوحة "إنهيار النظام" وهي تصور بناءً مصرفياً في حالة من التداعي والإنهيار لطوابقه فوق بعضها البعض، كذلك نلمح في لوحة "عالم الأعمال" بناءاً من المكاتب الفارغة على طول مساحة اللوحة. وفي لوحة أخرى بعنوان "أفق بيروت"، يرسم الأفق على سطح اللوحة كونه تراص مجموعة كبيرة من الحجارة النجمية الإسمنتية التي توضع عند الموانئ. يعبر الرسام عن امتلاء الأفق البصري للمدينة بكوابح من الإسمنت تمتلئ وتتراص في مجال الرؤية ومساحات النظر، الأفق مسدود إسمنتياً. كذلك نجد واحداً من أشهر أبنية معامل البيرة في بيروت وهو في حالة من السكون، العطالة، ينعكس ظل حضوره الكامل على الأرض في دلالة على الجمود، وهو ربما يحمل أيضاً دلالة على الإنهيار الإقتصادي.

حكايات الأبنية والمدينة
مجموعة من لوحات المعرض يخصصها الفنان لأبنية شهيرة في مدينة بيروت منها: قصر بشارة الخوري في زقاق البلاط، بناية فورد، بناية في مار مخايل، وهي في الوقت نفسه عناوين اللوحات. مما يدفع المتلقي إلى التساؤل عن الغاية، أو الرسالة التي أراد الفنان إيصالها عبر اختيار مجموعة الأبنية هذه، لتكون لوحات لعَيني المتلقي؟ هل هناك ما اختاره الرسام على مستوى الأسلوب المعماري لتلك الأبنية، هو ما يحاول إيصاله؟ هل الغاية موجودة في الأسلوبية للألوان الداكنة وإحساس القدم الذي توحي به سطح اللوحة؟ هل يرغب من خلال العمارة أن يرسم لقطات من حال المدينة الإجتماعي والثقافي؟

بعض الأبنية يحمل حكايات، لوحة "استكشاف" مثلاً، تروي حكاية البناء الذي دخله الثوار في وسط المدينة بيروت ليعثروا داخله على صالة للأوبرا، وهو بناء لم يكن معروفاً من الأبنية الثقافية في المدينة. وفي لوحة بعنوان "ومن بعد يوم آخر" نرى وسط العاصمة بيروت بأبنيته الحجرية، وبأسلوبه المعماري الذي يدمج التراث بالحداثة، نرى شوارع وسط المدينة خالية من السيارات والمارة، ليس هناك إلا مجموعة من البالونات الملونة ترفع في الهواء كتلة اسمنتية نقش عليها اسم بيروت. في وسط الشارع الخالي نجد حضوراً أنثوياً في حالة الرقص. إن حالة المرأة الراقصة يوحي بنفحة من الأمل في فضاء المدينة الخاوي، والذي تحول في اللوحة إلى فضاء فني كإطار عام لرقصة فنون.

الوباء، الخواء
بعد الإنهيار الإقتصادي والثورة، ننتقل إلى مرحلة مناقضة لهما تماماً تجسدها في لوحات المعرض، وهي تجربة التعبئة العامة التي عاشتها المدينة إثر تفشي فايروس كوفيد 19. يرصد الفنان الخواء الذي تعيشه المدينة، مناقضاً للحيوية السابقة. في لوحة "الجامعة اللبنانية" نجد ممراً مهجوراً في البناء الجامعي، لا أثر فيه للطلاب، "مثل أي مبنى آخر" على حد تعبير الفنان، ومن ثم تطالعنا لوحة تالية من الأسلوبية ذاتها بعنوان "مطار بيروت"، وهي تصور فضاءات المطارات الخالية إلا من لوحات التي تنظم سير المسافرين والواصلين ولوحات الإشارة التي تخاطب ركاب الطائرات.

في كتابه "اللا أمكنة"، يُطلق الأنثروبولوجي مارك أوجيه على بعض الأمكنة لقب "اللا أمكنة"، وهي المطارات، المرافئ، الساحات العامة، وأنفاق المترو ومحطات القطارات. هذه اللا أمكنة تنتمي إلى الفضاء العام المتنقل بين مكان وآخر. هي أمكنة ترانزيت لا تحمل شرطية الحميمية التي يفترضها مارك أوجيه من أساسيات هوية المكان. هذه اللا أمكنة هي التي ترصدها لوحات الفنان في هذا المعرض، يختارها الرسام ليعرض إلى تجربة المدينة كاملةً، وهي التباعد الإجتماعي والخواء.

إن عين المتلقي حين تقابل هذه الأمكنة العامة التي تعرفها داخل اللوحة، ينتابها شعور من الحميمية، لكن ما أن يدرك الذهن أن هذه الأماكن مهجورة ومعزولة في اللوحة، حتى تتحول الرؤية كابوسية.

تكتسب لوحة "ديموقراطية" بُعداً سياسياً أكثر من أي من اللوحات الأخرى في المعرض، فهي تصور البرلمان اللبناني من الداخل. في الصالة المدرجات الخشبية خالية من الحضور الإنساني، في أعلى-عمق اللوحة نجد شخصية وحيدة تترأس الفراغ في المجلس، وهي ترتدي قناعاً واقياً من الأسلحة الكيمائية. يقول الفنان: "إن القناع يرمز إلى التباعد بين السياسيين والشعب، إن عضو البرلمان الوحيد في اللوحة يرتدي القناع ليعزل نفسه عن الناس"، وبالتالي، هي حالة الخوف الدائم التي تنتاب السياسي، بسبب الشرخ الحاصل بين التمثيل السياسي والشعب، أي بين الطبقة الحاكمة والناس.

ثلاثية لوحات وحيدة نرى فيها وجهاً إنسانياً، مرسومتً بأسلوب البورتريه. نرى ملامح الوجه ذاته مكررة في اللوحات الثلاث بتعابير وبألوان متباينة. يمنح الفنان هذه الثلاثية عنوان (Dementia 1، 2، 3)، وهي مصطلح يستعمل للدلالة على الخلل في الإدراك الذهني. هذا البورتريه الثلاثي بالتالي يرتبط، حسب تأويل الفنان، بالحالة الإنتقالية التي تعيشها المدينة بيروت بإنتقالها من حالة النقيض الثورة- الكثافة، إلى حالة النقيض الآخر الوباء- والخواء. هنا نرى عبر تعابير الوجه الإنساني، قسوة التجربة على المستوى الذهني والنفسي لهذا البورتريه، ما يعني أنه بالقسوة ذاتها يمر على المدينة. لكن معرضاً كهذا يبقيها مدينة في مرحلة ملهمة للفنانين والفن.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها